“تواصلت من بعيد مع الشافعي الشيخ, وأدرك أن إعدامه لن يؤدي إلى حل الأسباب الجذرية للتطرف” عبارة خلصت إليها نسرين مالك في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول الشافعي الشيخ. فتقول الكاتبة أنها استغرقت بعض الوقت في المرة الأولى التي رأت فيها اسم الشافعي الشيخ في وسائل الإعلام البريطانية لتقوم بالربط بين إرهابي الدولة الإسلامية هذا والذي يقال إنه عضو في ما يسمى إيزيس بيتلز وبين القصص التي سمعتها عن سوء حظ امرأة سودانية اسمها مها بسبب انحراف أبناءها عن طريق الصواب في لندن.
فبحسب نسرين مالك, كانت عائلة الشيخ تشكل فرعاً غير وثيق من دائرة عائلتها الكبيرة في السودان, أي قبل أن يطلبوا اللجوء في المملكة المتحدة. كما أن عائلتها لم تجتمع بأي منهم على الإطلاق بالرغم من حديثهم الكثير عنهم كعائلة تجزأت بسبب انفصال أفرادها في المنفى, ذلك قبل وقت طويل من تطرف الأخوة. وما يدعو للسخرية في قصة الشيخ بحسب رأي الكاتبة هو أن الآباء كانوا شيوعيين وقد هربوا إلى المملكة المتحدة بسبب تعرضهم للاضطهاد من قبل النظام الإسلامي الذي وصل إلى السلطة في السودان عام 1989. فهم يشكلون جيل من طبقة متوسطة تركوا البلاد في أوائل التسعينيات إما بدافع الخوف على سلامتهم بعد رفضهم دعم النظام, أو لأنهم كانوا ليبراليين وتقدميين جداً.
عاش الأبناء الثلاثة في منزل يعود لبلدية غرب لندن مع والدتهم مها التي انفصلت عن والدهم بعد فترة وجيزة من وصولهم إلى المملكة المتحدة. بدأ اثنان من الأبناء بالتيه في عنف العصابات عندما حكم على أخاهم الأكبر بالسجن لعشرة سنوات بسبب حيازته سلاح ناري بقصد تنفيذ مؤامرة لقتل صبي قام بطعن الشافعي عدة مرات في مشاجرة. وبحسب المقال, وقع الشافعي تحت تأثير إمام ساقه إلى طريق التطرّف ليصبح في نهاية المطاف أحد من يقومون بعمليات التعذيب لدى تنظيم داعش, الأمر الذي جعله يصل إلى مرتبة عالية داخل التنظيم. أما الأخ الأصغر للشافعي والذي بقي مع والدته, فقد لحق بأخيه وتبعه إلى سوريا ليتوفى خلال عام من وصوله.
وتشير الكاتبة إلى أن قصة الشافعي وإخوانه تمثل قصة فشل سياسي في السودان وفشل اجتماعي في المملكة المتحدة ويؤكد ذلك انهيار الأسرة. فبحسب رأيها يعد الفقر المدقع من العوامل الأساسية في انجراف الشباب نحو التطرف, كذلك قيام بعض الدعاة في مساجد لندن بمطاردة الغير مؤمنين من الشبان الذين فقدوا أملهم في حياة أفضل وجذبهم إليهم. لذا من المثير للقلق – بحسب الغارديان – أن نسمع الطريقة التي يتم فيها سرد رواية الشيخ اليوم, حيث تمنحه فرصة للشهادة على يد العدو الأعظم لداعش وهي “الولايات المتحدة” مع سعادة المملكة المتحدة, وذلك إن تم تنفيذ حكم الإعدام بدون فرض أي ضمانات ضد تطبيق هذه العقوبة.
وتعتبر الكاتبة ذلك خطاً موضحة أن موقفها لا يعكس تعاطفاً مع الشيخ أو زملائه الجهاديين حيث أنهم اختاروا طريقهم بنفسهم, إنما بسبب تجريدهم من حق المواطنة وإدانتهم حتى الموت, وأنا هكذا قرار يغذي فكرة وجود عدو غربي يدّعي امتلاكه قيماً يتخلّص منها كلما سنحت له الفرصة. حيث يستمد الشيخ قوته من إمكانية تحقيقه للشهادة التي سعى إليها, فمنذ اعتقاله في سوريا كان سعيداً بإجراء المقابلات معه معرباً عن غضبه من محققي مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) معتبراً إياهم الأقل احتراما من بين جميع المحققين الذين سبق وأن اجروا معه مقابلات. فهو يقاوم كونه مجرد من الجنسية ويعاني من سوء المعاملة على أيدي الأمريكيين.
إنه محرج أمام الحكومة البريطانية, فقد أطلقت والدته اعتراضاً قانونياً الأسبوع الماضي لمنع بريطانيا من تسليم الأدلة إلى السلطات الأمريكية, فأوقفت وزارة الداخلية – التي كانت متعاونة إلى تلك اللحظة مع الولايات المتحدة – مساعدتها التي من المحتمل أن تنقذ حياة الشيخ.
ويبدو – بحسب الغارديان – أن الحكومة البريطانية سعيدة بتخلصها من القضية برمتها. ففي رسالة مسربة أرسلها وزير الداخلية ساجد جاويد إلى المدعي العام الأمريكي جيف سيشنز يقول فيها أن الحكومة البريطانية لا تنوي في الوقت الحالي طلب نقل الشيخ ومن معه إلى بريطانيا, الأمر الذي سيسمح لآلة الانتقام الأمريكية لتولي أمرهم.
وتعرب الكاتبة عن عجز المملكة المتحدة في التعامل مع التطرف الإسلامي عكس الولايات المتحدة, حيث أن بلادها تتعامل مع التطرف بنوع استثنائي من الإجرام وهو أمر يتطلب إعداماً عاماً في ساحة عامة. فقد تم الكشف قبل شهر واحد فقط عن أن المخابرات البريطانية تورطت في مئات حالات التسليم والتعذيب غير القانوني. الأمر الذي يغذي بدوره التطرف ويساعد أمثال الأئمة المذكورين سابقاً على استخدامها كمثال تدور حوله الحكايات لإقناع الناس – مثل الشيخ – أنهم ليسوا مجرد عصابات. فالهدف الرئيسي من انضمام الجهادي لداعش هو إلحاق أكبر قدر من الأضرار والألم ضد عدو الأمة قبل أن يتم قتله ليصبح شهيداً ورمز للكثير من المعاني.
وتختم الكاتبة مقالها بالقول أن قصة الشيخ تعبر عن العنف القائم بذاته وليس له أصول متجذرة, وينبغي التعامل معه على هذا الأساس. فمن الأفضل البحث عن سلطة قضائية تتولى محاكمته عن جرائمه التي قيل أنها مروعة بحيث لا تتعدى أحكامها العقوبة القصوى وحيث يمنحه ذلك الكثير من الأمان, ويصبح عندها اسماً آخر يستخدم في الدعاية ضد داعش, مؤكدةً أن تسليمه لدولة أخرى يعزز من شأنه ويقلل من شأن الحكومة البريطانية.

