الاحتقان بين السوريين والأتراك: شروخ تعززها الإشاعات.. وجنايات فردية توقع الجميع تحت المقصلة

فراس العلي – موقع الحل

حصلت عشرات الاضطرابات بين السوريين والأتراك نتيجة جنايات فردية أو خلافات سيطرت عليها حالة الاحتقان بين الطرفين الأمر الذي أدى إلى تأثر آلاف السوريين سلباً بهذه الأحداث.

عائلات نقلت من منازلها قسراً، وآخرون اضطروا لمغادرة مدن تركية كي لا يتعرضوا للمضايقات أو المشاكل من قبل الأتراك، بينما ينقسم السوريون إلى قسمين، الأول يري أن الحق مع الأتراك بأي شيء، كونهم في بلدهم، والآخر ينتقد هذه الانتهاكات.

في السياق، لم يلاحظ السوريون أي تحرك من قبل الجهات السياسية الممثلة لهم في تركيا مثل الائتلاف والأحزاب السورية التي تتخذ من تركيا مركزاً لنشاطاتها.

حوادث كثيرة حصلت مؤخراً بين السوريين والأتراك لعل أبرزها ما حدث في ولاية دنيزلي التركية عندما ألقي القبض على سوريين ومواطن تركي بتهمة اغتصاب طفلة، كما شهدت ولاية أورفا قبل هذه الحادثة مشاجرة تحولت لجريمة قتل وأدت لحالات شغب من قبل الأتراك واعتداءات بالجملة على السوريين. واللافت سرعة إطلاق أحكام تعميمية من قبل الأتراك ضد السوريين، بعد كل حادثة فردية تقع، وذلك بسبب ترويج ذلك وتكراره من قبل جهات سياسية معارضة رافضة لوجود السوريين.

ويقول متابعون، إن من أكثر الأسباب أيضاً التي أدت لخلق الكراهية ضد السوريين هي “طريقة عيش السوريين، وافتتاح آلاف النشاطات الاقتصادية، إضافة إلى توفير اليد العاملة الرخيصة التي أثرت بشكل ما على توظيف الأتراك برواتب مرتفعة، بالإضافة إلى بعض الإشاعات التي لا أساس لها من الصحة حول حصول السوريين على مبالغ كبيرة من الدولة”.

حسين ياردوغان، مواطن تركي من مدينة الريحانية، يقول لموقع الحل: “أعتقد أن المشاكل الحاصلة بين السوريين والأتراك تصب بمصلحة أحزاب المعارضة الرافضة لوجود السوريين كي تنتقد الحزب الحاكم وتلومه على استقبالهم من جهة، وتصب في مصلحة الأسد أيضاً”. ويضيف “اقتصرت المشاكل الحاصلة بين السوريين والأتراك في المناطق التي يقطنها عدد كبير من السوريين، وهذا الأمر لم يحصل بالصدفة”.

لا حياة لمن تنادي!

رغم الأحداث التي أثرت على مصير وجود أكثر من ثلاثة ونصف مليون لاجئ سوري في تركيا، إلا أن الجهات السياسية الممثلة للسوريين في تركيا لم تتحرك على النحو المطلوب، حسب ما يقوله أحد اللاجئين.

أحمد العلي (لاجئ سوري مقيم في مرسين)، يقول لموقع الحل: “لم نسمع بأية بيانات من الائتلاف الوطني يحذر فيها على الأقل السوريين، ولا نقول إنه يطالب بحقوق اللاجئين فهذا مستحيل، أما عن المنظمات فقد عملت بعضها حملات صغيرة تشكر بها الأتراك بغية تحسين نظرة الأتراك للسوريين”.

ويتابع حديثه: “يجب على القيادات السياسية تنظيم نفسها أولاً واختيار شخصيات يتوافق عليها السوريون، ومن ثم نعاتبهم على عدم وقوفهم لجانب الشعب الذي يمثلونه أثناء حصول هذه الأحداث”.

وتكاد تندر مواقف الائتلاف الوطني والمنظمات السورية الناشطة في تركيا اتجاه ما تعرض له السوريون جراء التوترات الحاصلة بينهم وبين الأتراك مؤخراً.

ومن بين هذه المواقف ما قاله نذير الحكيم الذي دعا، السنة الفائتة، السوريين إلى مراقبة أبنائهم وإرشادهم وتوعيتهم لـ”احترام قوانين تركيا”. مؤكداً “متابعة الائتلاف مع الحكومة التركية التوترات الحاصلة بين الطرفين لمحاسبة المسيئين وتطبيق العقوبات عليهم”.

ورغم الانتهاكات التي تعرض لها آلاف السوريين نتيجة أحداث حصلت بالقرب منهم كتغيير منازلهم واعتقالهم واعتداء مواطنين أتراك عليهم، إلا أن الائتلاف بقي صامتاً على هذه الأفعال، وفق متابعين.

ورقة سياسية

اتخذ مسؤولون عن أحزاب تركية معارضة “ملف السوريين” كورقة تدعم ترشحهم للانتخابات الأخيرة مستغلين بذلك التوترات الحاصلة بين الطرفين ومتوعدين بذات الوقت بإعادة السوريين في سوريا حال نجاحهم بالانتخابات.

ولعل أبرز المحرضين على اتساع رقعة التوترات فيما بين السوريين والأتراك، زعيم الحزب الجمهوري التركي المعارض (كمال قليجدار أوغلو) الذي توعد بإعادة السوريين إلى سوريا إن فاز مرشح حزبه محرم إينجة.

وأضاف أنه “في بعض الأحيان يتم معاملة المواطن التركي كمواطن من الدرجة الثانية والتعامل مع اللاجئ السوري كمواطن من الدرجة الأولى”.
ولم يقتصر التحريض على طرد السوريين من تركيا من الحزب الجمهوري، بل لـ”الحزب الجيد” الحديث النشأة أيضاً دور في ذلك، خاصة مع وعود مرشحته ميرال أكشينار بالانتخابات السابقة بإعادة السوريين لسوريا فور فوزها.

وساهمت المعارضة التركية في تأجيج التوترات الحاصلة بين السوريين والأتراك عبر ترويج مفاهيم خاطئة للشعب التركي مثل “صرف الحكومة التركية الكثير من الأموال على السوريين بدل استخدامها بترفيه الشعب التركي”.

ورغم فوز رجب طيب أردوغان بالانتخابات الأخيرة، إلا أن السوريين لا يزالون تحت رحمة آثار الأحداث التي خلقت توتراً واسعاً في عدة مدن تركية وأثرت عليهم بشكل سلبي.

مفاهيم خاطئة

نشرت منذ أيام صحيفة حرييت التركية، في تقرير لها، عدة نقاط راجت في الشارع التركي وساهمت في نقل أفكار خاطئة عن اللاجئين السوريين في تركيا.

ونقلت الصحيفة على لسان موظفة بمركز أبحاث الهجرة التركية قولها: “من الأفكار الخاطئة التي راجت بين الأتراك، أن السوريين يدخنون الأركيلة والجنود الأتراك يقاتلون بسوريا، هذه الفكرة انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي وهي غير صحيحة، فجنودنا يقاتلون لأجل تركيا وضمان حدودها، واللاجئون اختاروا أن يكونوا خارج أطراف النزاع”.

وأضافت: “أيضاً فكرة دخول الطلاب السوريين للجامعات التركية دون امتحان هي خاطئة، فهم يجرون امتحانات نظامية ويتكلفون عناء تعلم اللغة قبل الدخول للجامعات، والمعونات المقدمة لهم هي دولية ومن الهلال الأحمر التركي، وهناك عائلات فقيرة ومستفيدة من برامج المساعدة”.

وتابعت: “أكثر الأفكار الخاطئة المنتشرة بين الأتراك، أن العمال السوريين خفضوا معدل الأجور، بينما في الحقيقة أن الكثير من الأعمال لا يعمل بها الأتراك الآن، وهجروها للعمل في مجالات تزيد كسبهم المعيشي، ورغم ذلك يوجد مشكلة اقتصادية”.

ودعت إلى التعامل مع السوريين مؤكدة أن الكثير منهم “لن يعود في حال بقاء الأسد على رأس السلطة ومعظمهم بدأ يخطط لبناء مستقبله في تركيا”.

وانتشرت العديد من الصور بين الأتراك في وسائل التواصل الاجتماعي، للاجئين سوريين وهم يسحبون المال من حصالات البنوك في الشوارع، مدّعين أن هذه الأموال “هي من الحكومة التركية التي لا تهتم بمواطنيها”.

وفي كل مرة تحصل فيها حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لطرد السوريين، يتم تداول معظم المفاهيم الخاطئة المذكورة أعلاه للتحريض على كره السوريين المقيمين في تركيا.

حملات توعوية

اتجه القليل من السوريين إلى إنشاء حملات توعوية من أجل محاولات تغيير نظرة العديد من الأتراك اتجاه السوريين المنتشرين بمختلف الولايات التركية.

وتجسدت هذه الحملات كرسائل شكر للأتراك مع رسالة، أو توزيع ورود أو تمور أثناء شهر رمضان، بهدف تحسين موقف الأتراك من اللاجئين وخاصة من يعارض وجودهم بتركيا.

بيان صباغ (ناشطة في مجال الدمج المجتمعي ومتعاونة مع عدة منظمات وفرق تطوعية) تقول لموقع الحل: “تحدث حالات اندماج شاملة للسوريين مع الأتراك خاصة بالمجال الاقتصادي والمجتمعي، نفذنا على سبيل المثال عدة أنشطة بمجال الدمج المجتمعي واستهدف فئات الأطفال والنساء والشباب”.

وتضيف: “بالنسبة للنساء فقد شاركت نساء تركيات بالطهي للتعرف على أنواع الوجبات السورية والتركية وإحداث حالات تعارف بين الطرفين، أما الأطفال فكنا نمكنهم من المشاركة بالأنشطة الترفيهية والثقافية عن طريق جمعهم مع الأطفال الأتراك، بينما الشبان كانت النشاطات عبارة عن جمع الشباب السوريين مع الأتراك وإطلاق عدة فعاليات”.

التقينا بمحمد جمال آغا وهو أحد الناشطين الإعلاميين في عنتاب ومن المطلعين على أخبار السوريين بتركيا، يقول خلال حديثه: “لابد أن نعود لإطلاق مشاريع توعوية وإعادة إحياء حملات تشكر المواطنين الأتراك وتعرفهم أكثر بالسوريين المقيمين على أراضيهم”.

وتتنوع النشاطات الاجتماعية التي يقوم على تنفيذها عدة سوريين في ولايات تركية من أجل تعزيز دمج المجتمع السوري بالأتراك، بينما لا تزال الأحداث الفردية تساهم في خلق توتر بين الأتراك والسوريين ما يؤدي إلى حصول عدة انتهاكات بحق السوريين.