نشرت وكالة The Christian Science Monitor للأنباء تقريراً تتحدث فيه عن الدور الذي تلعبه الثقافة في قدّرة الأمة على التعامل مع التدفّق الهائل للاجئين، حيث يقول الأردنيون بأن استضافتهم للاجئين السوريين تنبع من جذورهم البدوية والعادات التي اكتسبوها من الصحراء القديمة. حيث يسلّط التقرير الضوء على تأثير تدفق اللاجئين السوريين في حياة الأردنيين من جميع النواحي، من حيث الإحساس بواجب حسن الضيافة تجاه جيرانهم السوريين وتأمين مستلزمات الحياة والعمل على تعليم أطفالهم، وكذلك العبء الاقتصادي الذي شكّله هذا الكم الهائل من اللاجئين على عاتق الأردنيين.
فقد عملت الأردن على تأمين فرص الدراسة لأطفال سرقت منهم الحرب حقّهم في التعلم والعيش حياة طبيعية كبقية الأطفال. وتقول منال العدوان، مديرة مدرسة الحسين الثانوية، إنها تحارب كل يوم في معركة صعبة لإبقاء المدرسة قيد التشغيل، حيث في المدرسة عدد قليل من المعلّمين وأربعة إدرايين وحارس لتشغيل مدرسة تضم أكثر من ألف طالب، ما يفوق الـ 500 منهم من اللاجئين السوريين. وقد اضطرّت مدرسة الحسين للعمل بنظام الفترتين الدراسيتين حيث يتم التناوب بين الطلاب الأردنيين والسوريين في غضون نصف يوم للتخفيف من الاكتظاظ خلال الفصول الدراسية. حيث يستنفذ المعلّمون طاقاتهم مع قضاء يوم واحد فقط في الأسبوع لوضع خططهم الدراسية وابتكار طرق لتعليم الأطفال السوريين الذين كانوا منقطعين عن المدرسة لسنوات. فتقول ياسمين شلش معلّمة التربية الدينية في مدرسة الحسين: “نحن نستغل كل جزء من الثانية لتقديم طرق تساعد في إرشاد الأطفال الذين تعرضوا للصدمة ولتعليم الطلاب الذين لا يعرفون حتى الأحرف”. وتضيف: “بالكاد لدينا الوقت لرؤية عائلاتنا”.
وبحسب التقرير، فإن التوتر الذي يعاني منه الأطفال السوريون يظهر في المدرسة من خلال المقاعد المتصدّعة والكراسي المكسورة وصنابير المياه التي تسرّب الماء في الحمامات. فقد أدى تدفق 1.3 مليون لاجئ سوري إلى الأردن منذ العام 2012، بما فيهم 130000 طالب، إلى وضع المدارس والمستشفيات والإسكان والطرق وشبكات المياه تحت ضغوط كبيرة. كما أن تقاعس المانحين الدوليين ترك المملكة الأردنية تحت عبء مالي كبير في مواجهتها هذه التحديات لوحدها. لكن وبالرغم من انخفاض الخدمات والتنافس المتزايد على العمل، فقد حافظ الأردنيون على تعاطفهم مع محنة جيرانهم، متحملين الأعباء الإضافية بقليل من الشكوى. ففي ممرات الحسين الصاخبة وقاعات الدروس المزدحمة بالطلاب يحدث شيء آخر، يتوحد الطلاب الأردنيون والسوريون من خلال الرياضة والموسيقى والعلم. ولم يعد الطلاب يسألون بعضهم البعض “من أي بلد أنت؟”
هيا القارة، ابنة السبعة عشر عاماً والتي تتهيأ لاجتياز الامتحان الذي يخوّلها دخول الجامعة، تقول: “يعاملنا الطلاب والمعلّمون هنا وكأننا جزء من الأردن”. هيا، مثل العديد من الفتيات، اللواتي جئن من الريف الجنوبي لسوريا والمنحدرة من عائلة تنتظر من الفتاة أن تترك المدرسة في الصف العاشر وتتزوج. لكن وبعد قضاء خمسة سنوات في الأردن، حيث كان التعليم جزءاً من الثقافة، ساهمت هيا ومعلميها في تغيير عقلية عائلتها. لتصبح هذه المراهقة أول امرأة في عائلتها ستدخل الجامعة حيث تتمنى أن تدرس الأدب.
عبء اقتصادي
ويأتي نجاح السوريين في الاستقرار والتعايش في الأردن على خلفية معاناة اللاجئين الكبيرة. حيث يواجه الأردنيون معدل بطالة يبلغ 18.7 % إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى الكثير من الأردنيين بأن السبب هو تدفق الكثير من السوريين إلى المملكة، حيث يشكلون الآن حوالي 15 % من السكان. فبالنسبة لـ أنور ملكاوي، طبيب نسائية، فإن التدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من السوريين إلى شمال الأردن أدى إلى ثلاثة أمور: مناوبات ليلية أطول، مناوبات نهارية أطول، وحالات طبية أكثر صعوبة. فقد شهدت مستشفى المفرق النسائي القريب من الحدود السورية، حيث يعمل ملكاوي، زيادة في قائمة المرضى لديها بنسبة 50 % منذ أن بدأ اللاجئون السوريون بالتدفق.
“يجب أن تعطي الأولوية للحالات المستعجلة والمستعصية، والتي تشكل غالبية الحالات” يقول الطبيب المنهك ملكاوي بينما يجري جولاته على المرضى. ويضيف بأن متابعة الحالات المعقدة للنساء السوريات الحوامل اللواتي يعانين من الإصابات أو سوء التغذية والرضّع ذوي العيوب الخلقية والحالات الأخرى، يجعله يعمل في “وضع الطوارئ”.
وبحسب التقرير، فإن السوريبن في المستشفيات الأردنية العامة يعاملون معاملة الأردنيين. فيمكن للمواطنين من كلا البلدين رؤية الطبيب والحصول على وصفة طبية مقابل بضعة دولارات. ولكن، مع انشغال الأسرّة في المستشفى بالسوريين، وقوائم الجراحة المنتظرة والتي تشهد حالات تنتظر لأشهر، فإن الأردنيين الذين لا يستطيعون تحمّل نفقات العلاج في المستشفيات الخاصة لا يعاملون كما كانوا في السابق. “عانى الفقراء الأردنيون كثيراً”، يقول الطبيب مبروك سراحين، وهو مدير مستشفى المفرق النسائي. ويضيف: “في بعض الحالات يضطر الطبيب لإخبار الأردني بأنهم لا يستطيعون استقبال زوجته في المستشفى. ليصرخ قائلاً: أنا أردني، هذا من حقي!” يهز الطبيب سراحين رأسه قائلاً: “ولكن علينا منح الأولوية للحالات الأصعب والحالات التي تابعناها منذ البداية، بغض النظر عن جنسيتهم”.
تحوّل نقطة حدودية صحراوية
ربما لم تختبر أي مدينة في الأردن الصخب الذي حصل في مدينة المفرق الحدودية مع سوريا. فهذه المدينة التجارية الصغيرة التي تقع على بعد عشرة أميال من جنوب الحدود السورية، أصبحت نقطة جذب للكثير من السوريين الهاربين من الحرب الطاحنة في بلادهم. فما بين العام 2012 و2014، شهدت مدينة المفرق البالغ عدد سكانها 90 ألفاً نمواً سكانياً تجاوز الـ 200 ألف. حيث أصبحت نسبة اللاجئين السوريين تفوق نسبة سكان المفرق المحليين. وقد أسست الأمم المتحدة مخيم الزعتري للاجئين بالقرب من المفرق، حيث يقطنه الآن أكثر من 150 ألف لاجئ سوري.
ويبين التقرير بأن التدفق السكاني في السنوات الأولى للحرب كان كارثياً. فقد تسبب في ارتفاع الإيجارات في المفرق بنسبة تفوق الـ 200 %. كما أصبحت المفرق رمزاً لشحّ المياه المزمن في الأردن, حيث صنّفت من قبل الأمم المتحدة كثاني أفقر منطقة للمياه في العالم. وبسبب تزايد الطلب من قبل السوريين, بقيت البلدة بدون خدمات ماء لشهور عدّة, ما أجبر السكان على نقل المياه من الآبار ومن الشركات الخاصة منفقين نصف دخلهم من أجل توفير المياه. وتضرر العمال في المفرق بشكل كبير بسبب العمال السوريين، حيث استطاعوا العمل بشكلٍ غير مصرّح به وبأجور منخفضة جداً لتتجاوز الحد الأدنى القانوني للأجور لافتقارهم لرخص العمل القانونية، وبدعم من المساعدات الخارجية التي يتلقّونها. مما أدى إلى انخفاض أجور المزارعين وعمال البناء والكهربائيين والنجارين. ويقول محمد مشاغبة، والذي يعمل في كشك لصنع القهوة: “نحن لا نستطيع أن نتقاعد، وأبناءنا لا يمكنهم إيجاد فرصة عمل، وبالكاد نستطيع تأمين الإيجار”. مشاغبة الذي يعمل 12 ساعة في اليوم ليضيف هذا القوت إلى راتبه التقاعدي العسكري البالغ 400 $ ليتمكن من دفع الإيجار وتكاليف دراسة أبنائه. “نحن نركض لمواكبة مصاريف العيش”، يضيف.
التحسينات المحلية
بالرغم من العبء الذي شكّله اللاجئون السوريون على المفرق، إلا أنهم أيضاً جلبوا التحسينات في أعقابهم. فقد باشرت الحكومات الأجنبية بمشاريع الأشغال العامة في المفرق، تم تغيير شبكات المياه والصرف الصحي، وحتى الطرقات تحسنت. فاليوم، الطريق الرئيسي إلى المفرق واسع ومعبّد بشكل جيد. كما وصلت الطرقات بالقرى البعيدة في الصحراء، وأنشأت محطة حافلات جديدة فيها مقاعد مظللة ومواقف للسيارات وسط المدينة. كما تم إنشاء 16 برجاً سكنياً شاهقاُ مكان بيوت البلدة الإسمنتية التقليدية. وفتحت العشرات من المنظمات غير الحكومية العاملة في مخيم الزعتري القريب من المفرق فرص عمل للمقيمين، كسائقين وحراس وحتى للعاملين في المجال الإنساني.
وتختم الوكالة تقريرها بالتأكيد على التعايش بين الأردنيين والسوريين من خلال قول موسى شنتاوي، الذي يجلس خلف آلة المحاسبة في سوبر ماركت مركزي في المفرق بينما يقوم المستخدمين الأردنيين والسوريين بترتيب الحبوب وزيت الطبخ على الرفوف: “نحن الآن في المرحلة النهائية للتعايش. لم نعد نلاحظ من هو السوري أو الأردني، لقد تغيرنا”.

