نشرت صحيفة ليبراسيون يوم أمس تقريراً تناول شهادات بعض اللاجئين من أهالي الرقة أو من الذين لجؤوا إليها والذين اضطروا للرحيل عن سوريا سواء منذ فترة طويلة أو حتى حديثاً تاركين ورائهم جزءاً من عائلاتهم وذويهم. وتراهم اليوم يقفون ناظرين عن بعد تمزّقهم الآلام من أجل أحبابهم الذين بقوا تحت رحمة النار والقنابل. فأولئك الذين تمكنوا من الفرار، بعد ما عانوه من نير تنظيم داعش وهجمات النظام السوري وحلفاءه ومن ثم القصف المميت والمدمّر للتحالف الدولي, يحصون اليوم عن بعد عدد موتاهم وخسائرهم.
ففي حديثٍ لليبراسيون، يروي أحد الفارّين واللاجئ اليوم في تركيا قصته باثّاً حزنه وقلقه فيقول: “لقد بدأت مأساة عائلتي في ربيع عام 2015 في تدمر، عندما تمكن رجال تنظيم داعش من السيطرة على المدينة. وعندها بدأ طيران النظام والطيران الروسي بقصف المدينة، اضطر جميع أقاربي للفرار. لقد كان عددهم 150 شخصاً عندما وصلوا إلى مدينة الرقة، وكان من بينهم أبي المسن وستة من إخوتي وأخواتي وأزواجهم وأطفالهم بالإضافة لبعض أولاد الأعمام والجيران. حيث تكدّسوا هناك في شقق سكنية في مركز المدينة وفي الأحياء الشعبية النائية. وبالرغم من عيشهم تحت حكم تنظيم داعش، فقد تمكنوا من إجلاء الصبيان الذين تزيد أعمارهم عن 12 سنة إلى الشمال السوري كي يحموهم من التأثر بأفكار داعش السائدة. بعد ذلك تمت محاصرة الرقة من قبل قوات سوريا الديمقراطية. وعندما بدأت غارات التحالف الدولي الجوية، حاول العديد من أفراد عائلتي الفرار. حيث قبض رجال داعش على البعض منهم وحكم عليهم بالجلد والسجن. وقد تمكنت أخيراً من دفع ثمنٍ باهظ جداً للمهربين والوسطاء في داعش لإخراج والدي واثنين من إخوتي مع أطفالهم من الرقة إلى الشمال السوري. أما الآخرون فقد علقوا عندما بدأ الهجوم الكبير. وكنا ننتظر بقلق بعد كل قصف أخبار أٌقاربنا وأحبابنا، حيث كان يتمكن أحدهم من التواصل معنا عبر السكايب أو الواتس آب.
وبعد ضربة التاسع من آب عام 2017، علمنا بموت أربعة عائلات من تدمر وتعدادهم 21 شخصاً، آباء وأمهات وأطفال، من بينهم تسعة أشخاص يحملون كنية طه. وقد كانوا قد لجؤوا إلى ملجأ تحت الأرض بالقرب من الشارع الرئيسي في الرقة، عندما قصفتهم طائرة أمريكية بعدة صواريخ سقطت عليهم كالصاعقة. بعد ذلك بعشرة أيام وفي يوم 20 آب، علمت بموت عدة أفراد من عائلتي بغارة جوية أخرى: اثنين من أولاد عمي، الأول مع زوجته واثنين من أولاده والثاني مع اثنين من أولاده بينما بقي الثالث مفقوداً. لقد تأكدت وفاتهم والتعرف على جثثهم، لكن لا يزال هناك صبيين في عداد المفقودين”.
سيدة أخرى تفضي حزنها لليبراسيون، فتقول: “عندما بدأ حصار الرقة ولم يبقِ القصف حجراً على حجر، وجدنا أنا وزوجي طريقة للهرب مع طفلنا في بداية عام 2017. لقد حاولت بشتى الوسائل إقناع أمي بالذهاب معنا، لكن دونما جدوى. أرادت البقاء على أمل أن يصلها خبر عن أختي التي كانت ناشطة ومناضلة قبل أن يعدمها تنظيم داعش في صيف عام 2015، وقد عرفت باسم نيسان إبراهيم. لقد أعلمنا بموتها، لكن أمي لم تصدق ذلك ما لم ترى جثتها بكلتا عينيها. فهي لا تزال تأمل أن يتم العثور على أختي في إحدى سجون داعش أو في مشرحة ما بعد أن انهزم التنظيم وتم اقتلاعه من الرقة. وعندما أصرت على البقاء هناك، لم يقبل شقيقها الصغير أن تبقى وحيدة في بيتنا في حي الرميلة الفقير. لكن صاروخ أمريكي لعين ضرب بيت خالي هذا فقتله مع أمي وتركهم تحت أنقاض البيت في صيف عام 2017. لقد علمنا ذلك من الجيران بعد فترة وجيزة”.
وتختم ليبراسيون تقريرها بشهادةٍ لسيدة أخرى لاجئة في تركيا منذ أربع سنوات، بعد عامٍ من العيش تحت حكم تنظيم داعش في الرقة. حيث تقول هذه السيدة والحزن يملأ قلبها: “كانت عائلتي بخير ومرتاحة مادياً، وقد كان لدينا متجر وثلاثة منازل وثلاث سيارات. واليوم لم يبقى منها شيء! فقد دمّر منزلان بالقصف بينما تم احتلال المنزل الثالث. فمن يستوطن منزلنا المتبقي اليوم يرفض إعادته إلينا بحجة أنه قد اشتراه من أحد عناصر تنظيم داعش والذي كان قد وضع يده على المنزل. لقد كنت في غاية السعادة عندما علمت بأنه قد تم تحرير مدينتنا، لكن المشكلة أنها اليوم تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. فالرقة “ليست كردية، إنها مدينة عربية”. وقوات سوريا الديمقراطية تطوّع في صفوفها اليوم حتى الأطفال القاصرين. كنا نتمنى أن يكون الجيش السوري الحر هو من تدخل وحرر المدينة. سأعود للعيش في الرقة يوماً ما، لكن ليس الآن! لا يزال العيش هناك خطراً”، وفق قولها.

