الحرب الاقتصادية «للاحتلال» التركي في عفرين… مقدمات كارثية ونتائج غير محسومة

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

*د. أحمد يوسف (الحل) – يدرك النظام السياسي الذي يدير الدولة التركية منذ عام 2002، تمام الإدراك أهمية تأسيس النظم الاقتصادية، وبناء المؤسسات الداعمة لتلك النظم في تحقيق التحولات النوعية في المجتمعات التي تعاني من تبعات وقوعها تحت سيطرة القوى القومية الاستغلالية. ونعني هنا تحديداً إدراكها لعمق التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي حدثت في عموم مقاطعات الإدارة الذاتية، التي تم الإعلان عنها من تحالف مجموعة أحزاب وتنظيمات شبابية ونسائية كردية وعربية وآشورية-سريانية في شمال شرق سوريا، لا سيما في مقاطعة عفرين التي عاشت عصراً ذهبياً في سنوات الإدارة الممتدة من بداية عام 2014 لغاية بداية عام 2018 الذي شهد معركةً غير متكافئة- وغير أخلاقية بين الدولة التركية- والفصائل السورية الدائرة في فلك سياساتها الإقصائية للتمايزات الإثنية من جهة، ووحدات حماية الشعب من جهةٍ أخرى.

لقد أصبحت محاربة التجربة الفتية غير مجدية باللجوء إلى الأساليب غير المباشرة والبعيدة عن استخدام العنف، لذلك لجأ النظام التركي إلى استخدام الخيار العسكري ضد النموذج الذي استقطب رؤوس الأموال البشرية والمادية في ظروف استثنائية، وغير اعتيادية لجذب رؤوس الأموال إدراكاً منها بأن العقلية التي تدير المقاطعة تمتلك رؤية متكاملة، وتعمل على أكثر من محور وفي معظم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، وحققت خلال فترة وجيزة قفزة نوعية، وانتقالاً حقيقياً من حالة التهميش الاقتصادي والاجتماعي نحو حالة بناء مجتمع ديناميكي.

القرار التركي «لاحتلال» عفرين جاء ليهدم ما تم بناءه، لأن عملية البناء بدأت بالمساهمة في تقليص المسافات بين إمكانيات القوى المسيطرة، والقوى التي تعمل على احتلال مكانةٍ طبيعية لها، وتؤسس للحياة الندية، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى فقدان الإدارة السياسية المتربعة على عرش السلطة في أنقرة لتوازناتها المترسخة بفضل استخدام قوة الحديد والنار عبر تاريخها لغاية يومنا هذا. فالنقطة المضيئة في تاريخ الكرد «سورياً» والمتمثلة في الإدارة الذاتية يتوجب إخمادها تركياً. وبدأت عمليتها هذه بتطبيق منهجية قطاع الطرق باستخدام مجموعات عسكرية تجيد عمليات النهب والسرقة نتيجة خبراتها المكتسبة في تفكيك المنشآت الصناعية ونهب خيرات المواطنين السوريين خلال سنوات الأزمة، ودخلت عالم الجريمة المنظمة عبر عمليات غسيل الأموال التي تشكل نتيجة حتمية لعمليات النهب المنظمة، وما قيام أحد أبرز قادات المجموعات «الإسلامية» السورية للاستثمار في قطاع السياحة في مدينة أنطاليا التركية، وتفكيك المنشآت الصناعية في مدينة حلب، ونقلها إلى تركيا إلا نذراً يسيراً مما تقترفه الدولة التركية من جرائم اقتصادية بحق الشعب السوري.

 

النهب هو جوهر السياسة التركية في عفرين

لم تكن عمليات سرقة ممتلكات الكرد بالترافق مع العمليات العسكرية ضد مقاطعة عفرين حالةً عبثية، وإنما كانت تعبر عن جوهر السياسة التركية ضد الإرادة الكردية المتكونة على أساس تحقيق التوافق بين الشعوب لحماية خصوصياتها وبناء المستقبل بصورة تشاركية تهدد منظومة الدولة القومية النهبوية في الشرق الأوسط. فعمدت إلى نهب ما يمكن نهبه وتدمير ما لا يمكن نهبه، وبدأت خطواتها التدريجية لتدمير ممتلكات الكرد المقربين من الإدارة الذاتية لإعطاء صورة عن تمييزها بين الكرد «الجيدين» والكرد الذين يقفون في الضفة الأخرى من تصنيفاتها، واستطاعت جزئياً أن تحقق شرخاً في صفوف الكرد من خلال تحديد مواقفهم من عملية الاحتلال في مرحلة ما بعد بسط نفوذها على المقاطعة كلياً، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً. فبعد الانتهاء من نهب أملاك المقربين من الإدارة الذاتية، سرعان ما تحولت بوصلتها النهبوية نحو تدمير البنية التحتية والمؤسسات الإنتاجية العائدة ملكيتها لأهل عفرين للقضاء على المقومات الذاتية لبناء الاقتصاد.

 

الاستنزاف الأكبر

بدأت عملية الاستنزاف الكبرى للمقومات المادية للحياة الاقتصادية عبر حملة الجراد التي باشرت بها الجماعات السورية صاحبة الخبرة في هذا المجال مع دخولها إلى مدينة عفرين، وقيامها بسرقة الآليات الزراعية والسيارات والمحركات وموجودات المحلات التجارية ومستودعات المنشآت الصناعية والمؤسسات التعليمية، ولا سيما جامعة عفرين والمعاهد المتوسطة والمشافي والصيدليات والثروة الحيوانية، وكل ما يمكن نقله من عفرين، وتقدر قيمة تلك المواد المنقولة إلى المناطق السورية المجاورة بما لا يقل عن (800) مليون دولار أمريكي، عدا عن قيمة أربعة قاطرات سحبها «الاحتلال» التركي إلى أراضيه من ناحية راجو عبر خط الشرق السريع، إضافةً إلى ما يتراوح بين 3 و4 مليون دولار أمريكي قيمة ما تم تدميره يومياً على مدى 58 يوماً بشكل وسطي، أيّ أن إجمالي حجم الدمار والنهب قد وصل إلى ما يعادل مليار دولار أمريكي بعد شهر واحد من الاحتلال فقط.

تميزت الإدارة الذاتية خلال سنوات إدارتها لمقاطعة عفرين بحمايتها للممتلكات العامة، واستثمارها بصورة حضارية ساهمت في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها، ولم تحافظ على البنية التحتية فحسب، بل قامت بتطويرها إدراكاً منها بأهميتها الاستراتيجية. بينما عملت الفصائل الموالية للاحتلال على تفكيك خطوط الكهرباء والهاتف والسكك الحديدية وأبراج الاتصالات الخلوية ونهبها أسوة بالمناطق الأخرى التي دخلتها تلك الفصائل للتدمير تحت مسمى التحرير. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ظلت عملية إفقار المجتمع من أهم أولويات الاحتلال من خلال القيام بوضع اليد على الممتلكات الزراعية لسكان المنطقة وإتلافها وتحويلها إلى مناطق عسكرية، كما قامت بجني محصول الحبوب ونقله إلى تركيا دون تعويض المالكين بقيمة محاصيلهم، في عملية لا يمكن وصفها سوى بالنهب المترافق باستخدام القوة.

أما المحاصيل الزراعية الأخرى، فقد استخدمت سياسة الإتلاف أو السرقة من الفصائل، ولا سيما الخضار والفاكهة التي تشتهر بها المقاطعة.

 

التهجير والتغيير الديمغرافي

أقدمت سلطات «الاحتلال»، في إطار سياستها لإرغام سكان عفرين على الهجرة وإحداث التغيير الديمغرافي، على تطوير عمليات الاعتقال والتعذيب لتحصيل الأتاوات من سكان عفرين، وكذلك استقدام أكثر من مائة ألف مستوطن من عموم المناطق السورية وتوزيعهم في جميع القرى والبلدات واستخدامهم في تطوير عملية نهب الممتلكات العائدة لسكان عفرين، وذلك مقابل تهجير ما يقارب أربعمئة ألف مواطن من سكان عفرين وتشريدهم في مخيمات الشهباء وغيرها.

 

زيوت زيتون عفرين المسروقة على مائدة الاتحاد الأوربي

اختتم «الاحتلال» عامه الأول بعملية نهب ضخمة لموسم الزيتون في عفرين، وتمكنت من سرقة جزء من إنتاج المقاطعة من الزيت وشراء الجزء الآخر بأسعار تقل عن تكلفة الإنتاج، ولا تتجاوز نصف الأسعار الحقيقية في السوق السورية والبالغة ما يعادل 50 دولاراً أمريكياً، وربع أسعارها في الأسواق العالمية التي لا تقل عن مائة دولار للعبوة التي سعتها 16 كيلو غرام. ولقد حقق وفق بعض التقارير العالمية إيرادات بلغت 130 مليون يورو من بيع زيت عفرين في أسواق الاتحاد الأوربي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما موقف الاتحاد الأوروبي من هذه المسروقات التي تحوّل إلى أسواقها وموائد مسؤوليها بأساليب مافيوية تجيدها الدولة التركية منذ أيام عبدالله جاتليو وتانسو تشيللر ومسعود يلماز.

 

المعركة غير محسومة

لقد بدا واضحاً أن المعركة التركية ضد الوجود الكردي يأخذ في أحد أبرز سماته صفة الحرب الاقتصادية عبر تدمير كل مكامن القوة للشعب الكردي لتحقيق مآربه في إنهاء القضية الكردية، التي تشكل قضية وجود شعب يعيش على أرضه التاريخية من جهة، وقضية بناء منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة على أنقاض المنظومة التي ولدت من رحم اتفاقية سايكس –بيكو من جهة أخرى، ولم تبلغ هذه المعركة مراحلها الأخيرة، وما زال الحكم على تحديد المنتصر فيه رهن بالتطورات التي يشهدها المستقبل القريب أو القريب جداً.

 

*كاتب وأكاديمي كردي سوري، عمل عضواً في الهيئة التدريسية في جامعات سورية في الاقتصاد المالي والنقدي، وله العديد من المقالات والأبحاث والكتب المنشورة.

 

تنويه: إن بعض المواد المنشورة في موقع «الحل السوري» تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/RYD73
المزيد