(الحل) – شكل إعلان قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، سيطرتها على مخيم الباغوز، آخر معاقل تنظيم «داعش» في سوريا، بداية فصل جديد من خريطة توزع النفوذ في منطقة «شرق الفرات»، والتي اجتمع حولها أطراف الصراع، لموقعها الاستراتيجي أولاً، ولثرواتها النفطية والزراعية ثانياً، واعتبارها «ربما» المسرح الأخير لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، خصوصاً مع تذبذب الموقف الأمريكي بخصوص قرار انسحابه من سوريا، ونيّة تركيا ضمها ضمن المنطقة الآمنة التي تروّج لها، في حين يقف كل من النظام وروسيا وإيران موقف المستعد لأيّة مواجهة محتملة، ليبقى السؤال هنا: هل سنشهد مرحلة جديدة من التعاطي مع منطقة شرق الفرات بعد انتهاء تنظيم «داعش»؟ وهل سيتطور الأمر إلى مرحلة الصدام العسكري؟
النظام يبدأ تهديداته
جرت خلال الأشهر الماضية محادثات رسمية بين النظام و «المسؤولين الأكراد»، كان الهدف منها إيجاد حل في المناطق الشرقية من سوريا، التي تسيطر عليها قوات «قسد»، وفشلت هذه المحادثات بعد رفض النظام مبدأ «الإدارة الذاتية» في المناطق التي يسيطرون عليها بشكل قطعي.
لكن لهجة النظام اختلفت خلال الأيام الماضية، بعد أن أعلن وزير دفاعه علي عبد الله أيوب خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع رئيس أركان الجيش العراقي «عثمان الغانمي» ورئيس أركان القوات الإيرانية اللواء «محمد باقري» في دمشق، أنه «سيتم تحرير مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد المدعومين من واشنطن في شمال وشرق البلاد، على غرار مناطق أخرى، إما عن طريق المصالحات أو القوة العسكرية».
بدوره، أوضح المحلل السياسي «سامر خليوي» أن المنطقة الشرقية في سوريا «قسمت إلى منطقتين الأولى هي الضفة اليمنى، والتي تم حسمها لمصلحة إيران، حيث سيتم بعد أيام فتح معبر البوكمال بشكل رسمي وبإشراف القوات الإيرانية، وبالتنسيق مع مليشيات الحشد الشعبي من الجانب العراقي».
وأضاف «خليوي» في حديث لموقع «الحل» أن النظام يهتم حالياً بشرق الفرات، وقد تم تسليمها للمليشيات الإيرانية والعراقية وتم تحشيد القوات هناك، لملء الفراغ في حال انسحبت الولايات المتحدة من سوريا، فالنظام غير قادر على فتح معركة ضد القوات الكردية مع بقاء الولايات المتحدة، وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة لن تفتح معركة جديدة ضد المليشيات الإيرانية الموجودة هناك، رغم التصريحات المتكررة بضرورة إخراج هذه القوات، فالوجود الأمريكي يهدف للقضاء على «داعش» فقط.
من جهته، يؤكد الصحفي الاقتصادي «أيمن محمد» لموقع «الحل» أن «النظام بات اليوم بحاجة إلى المناطق التي تسيطر عليها (قسد) لوضع يده على موارد الطاقة والثروات النفطية التي تتركز هناك، خصوصاً مع الأزمات المتتالية التي تعصف بمناطق سيطرته والنقص الشديد في المحروقات».
وأشار إلى أنه «في ظل عدم قدرة النظام على استعادة هذه المناطق عسكرياً في الوقت الراهن، فربما يلجأ إلى حل آخر، وهو التمسك بمبدأ مركزية اقتصاد الدولة، في مقابل إعطاء (قسد) صلاحيات إدارية أوسع، مع الرفض الكامل لمبدأ الحكم الذاتي».
ماذا تريد روسيا وتركيا؟
ما تزال كل من تركيا وروسيا في مرحلة الانتظار لما ستؤول إليه الأمور بعد القضاء كلياً على تنظيم «داعش» في سوريا، وما يرافقه من الموقف الأمريكي، الذي يؤكد أن وجوده في سوريا مرهون بالقضاء على التنظيم، فتركيا التي سيطرت بمساعدة فصائل المعارضة على منطقة عفرين شمال سوريا في آذار 2018، تسعى اليوم لإقامة منطقة عازلة على طول حدودها بعمق 20 إلى 40 كم في الأراضي السورية، ومن ضمنها مناطق سيطرة (قسد) التي تعتبرها (منظمة إرهابية)».
وبخصوص هذا الموضوع، أكد الأستاذ في جامعة ليون الفرنسية فابريس بالانش في تصريحات لوكالة «فرانس برس» بداية الشهر الجاري أن «تركيا تطمح لإقامة منطقة عازلة، لكنها ستحتاج إلى موافقة روسية للتقدم وستجد أمامها صعوبات عدة، حيث تريد روسيا الحفاظ على علاقات جيدة مع تركيا، إلا أنه من الصعب التوفيق بين سيطرة الأخيرة على جزء جديد من سوريا، وتحقيق هدف موسكو في استعادة حليفتها (دمشق) كامل السيادة على أراضيها».
ولفت إلى أنه «في حال انسحبت الولايات المتحدة من سوريا، فيصار إلى تقاسم مناطق قوات سوريا الديموقراطية بين الأتراك وقوات النظام، لكن الأمر ليس بهذه السهولة فهو بحاجة إلى توافقات بين تلك الدول، وبشكل لايثير سخط الولايات المتحدة».
دول عربية على الخط!
حظيت منطقة شرق الفرات بتعقيداتها اهتمام عدد من الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، وذلك في إطار ما اسمته «مواجهة الخطر الإيراني في شرق سوريا»، إذ تشير تقارير إعلامية إلى زيارة أكثر من وفد سعودي لمنطقة شرق الفرات العام الماضي- وهذا العام- كان أبرزها زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج «ثامر السبهان» أواخر العام الماضي في ريف الرقة الشمالي.
ويقول مصدر مطلع لموقع «الحل» فضل عدم كشف اسمه، إن «السعودية تبرعت بمبلغ 100 مليون دولار لإعادة إعمار مدينة الرقة، في حين تسعى كلاً من السعودية والإمارات لتقوية نفوذ قوات (قسد) شرق الفرات، وإقناع الولايات المتحدة بعدم الانسحاب من سوريا، خوفاً من المد الإيراني في شرقي سوريا، إضافة للضغط على أنقرة التي تعتبر الوحدات الكردية (منظمة إرهابية)».
واعتبر المصدر أن «تشابك المصالح واختلاف التوجهات بين الأطراف كافة، قد ينذر ببداية أزمات جديدة قبيل طوي صفحة التنظيم الدموية من سوريا بشكل كامل، والذي لن يكون بمعزل عما يحدث، خصوصاً مع قدرته على تحريك خلاياه النائمة، وهروب من تبقى من عناصره إلى البادية السورية ذات المساحات الشاسعة».
إعداد: حسام الصالح – تحرير: رجا سليم

