لبنان (الحل) – ربما لم يكن لبنان دولة أمنية يوماً كما هو اليوم، دولة أمنية نعم، ولكن تحت سيطرة السياسة الطائفية الطابع، فهذا البلد الجميل لطالما كان متميزاً على صعيد الحياة السياسية مقارنة بمحيطه العربي حيث كانت ترتع الديكتاتوريات العسكرية وأجهزة المخابرات، ولكن وللمفارقة فالرجل الذي يعد “باني لبنان الحديث” أي الرئيس فؤاد شهاب قدم من المؤسسة العسكرية ليستلم رئاسة البلاد وانتقد على صعيد تعزيزه سلطة “المكتب الثاني” أي المخابرات في حينه.
منذ إنطلاق حكم الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون الآتي من خلفية عسكرية كقائد أسبق للجيش، والحريات في لبنان في تراجع، والمنطق الأمني يزداد سواداً على حساب الحريات والخصوصيات وحتى القوانين والدستور، فكل كلمة لا تعجب سياسياً نافذاً، خاصة إن كان من جماعة التيار العوني أو محسوباً على رئيس الجمهورية، تعني تهديداً حقيقياً بالإعتقال التعسفي والتعرض لمختلف أنواع الضغوطات وصولاً إلى القضاء المسييس والمسير، حتى ولو كانت هذه الكلمة مجرد تعليق عاابر على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي.
باستثناء فترة الحرب الأهلية حين بدأ تأسيس ما سمي “لنظام الأامني السوري اللبناني المشترك”، جعل الطابع الطائفي للحياة السياسية في لبنان من القادة العسكريين والأمنيين لعبة طيعة في يد السياسيين الطائفيين، لا يمكنهم لعب دور سلطوي الطابع أو أن يوسعوا نفوذهم خارج نطاق معين دون موافقة وتغطية سياسيتين.
في الوقت نفسه تتوزع الأجهزة اللبنانية من حيث الولاء السياسي والطائفي على نحو يوافق الحياة السياسية المتردية ويتماشى معها، فالطرف الأمني الأقوى أي المديرية العامة لأمن العام كانت تحت رئاسة كاثوليكية لعشرات السنين حتى تم تسليم قيادتها في عهد الرئيس إميل لحود رجل النظام السوري في لبنان إلى اللواء الشهير جميل السيد (شيعي)، ثم انتقلت منه إلى اللواء وفيق جزيني (شيعي) ثم إلى المدير العام الحالي اللواء المتقاعد عباس إبراهيم (شيعي) الذي يعتبر رجل الأمن الأقوى في لبنان، ذو النفوذ الهائل والعلاقات الدولية والجولات التفاوضية المتكررة مع جبهة النصرة وداعش، ورسول الرئيس اللبناني إلى النظام السوري، والمدعوم بالدرجة الأولى من حزب الله وحركة أمل، ما يجعل الجهاز الأمني الأقوى في لبنان تحت سيطرة القوة الوحيدة المسلحة خارج نطاق الدولة.
الجهاز المنافس والمعاكس سياسياً وطائفيًا للأمن العام هو المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الذي يرأسه حالياً اللواء عماد عثمان (سني) المقرب من آل الحريري، فيكون بذلك على رأس الجهاز الأمني المحسوب على تيار المستقبل، بعد أن تراجع دور الجهاز النوعي الذي دعمه تيار المستقبل أيام رفيق الحريري، أي شعبة المعلومة التي تعتبر فرعاً من فروع قوى الأمن الداخلي، إذ أتى هذا التراجع إثر إغتيال وسام الحسن رئيس هذه الشعبة على يد النظام السوري رداً على كشفه خيوطاً رئيسية في جريمة إغتيال الحريري، وفي عملية تكليف علي مملوك لميشال سماحة بنقل المتفجرات واستعمالها في لبنان.
اللواء عثمان يأخذ في كثير من المرات دوراً شبه سياسي داخلي، فيوفر تسهيلات لمناصري المستقبلات وتنفعيات لرجالاته مثل رخص حفر الآبار الإرتوازية التي ليست من صلاحياته أصلاً.
يبقى جهاز مخابرات الجيش اللبناني الذي يعمل كما الجيش تحت أمرة ضابط ماروني، وهو الآن تحت أمرة العميد أنطوان منصور، وعادة ما يحسب هذا الجهاز على خط 8 آذار، مقرباً من حزب الله، لا يعمل بما يعاكس رغبات ومصالح الميليشيا إيرانية التمويل والإمرة. وكالعادة لا يبقى نشاط هذا الجهاز محصوراً في أمور العسكر والجيش، بل يمتد إلى ما كل يمكن أن يقوم به من مداهمات وتوقيفات وتحقيقات تطال مخالفات جنائية عادية.
لا بد هنا من التنويه أن صلاحيات الأجهزة الأمنية في لبنان هي على مثيلتها في سوريا حيث يسود عدم الوضوح أين تنتهي صلاحيات هذا الجهاز لتبدأ صلاحيات ذاك الجهاز، حيث تسود الفوضى والتنافش السلبي على حساب سيادة القانون والشفافية ومصلحة المواطن والمقيم.
يبقى جهاز أخير، هو المديرية العامة لأمن الدولة المحسوب طائفياً من حيث رأسه على الروم الكاثوليك، وهي أقلية مسيحية لا تتعدى نسبتها في لبنان 4%!، ولكن نيابة مدير عام هذا الجهاز محسوبة على الشيعة وحركة أمل حيث يمكن للنائب أن يعرقل كل رغبات المدير العام نفسه! وهو الأمر الذي ساد خلال فترة طويلة من فترة سلطة المدير السابق جورج قرعة الذي كان محسوباً على الرئيس السابق ميشال سليمان، باعتباره جهازاً مرتبطاً برئيس الجهورية.
مع بداية سلطة الرئيس الحالي جرت حل مشاكل السلطة في جهاز أمن الدولة وتسلميه للواء طوني صليبا، وجرى دعمه مالياً ولوجستياً ليكون الذراع الأمنية لرئاسة الجمهورية “المارونية” والتيار الوطني الحر من ورائها، ولكن الجهاز متجدد الدماء ما لبث أن وقع في خطيئة كبيرة إذ اعتقل مسرحياً معروفاً على أساس ملف مفبرك وعذبه ليعترف بالعمالة لإسرائيل، ثم سرب ملف التحقيق بكامله للإعلام قاضياً على سمعة المتهم البريء، قبل أن يتبين أن الموضوع كله ملفق على يد ضابطة حاقدة بالتواطؤ مع قرصان إلكتروني!
بعد لملمة جزئية للفضيحة بتغطية من رئاسة الجمهورية، وقع الجهاز نفسفه في فضيحة توقيف مصابين بالإيدز والتحقيق معهم وضربهم والتشهير بهم عبر نشر ملفات التحقيق مرة أخرى دون أي وجه حق. ولكن في يجري فيها تحاصص كل شيء حتى الأجهزة الأمنية، يمسي المس بسمعة جهاز يرتكب المصائب مساً بالسلطة السياسية المرتبط بها وبالطائفي التي “يمثلها”.
قد يبدو كل هذا الجو الأمني نزهة حقيقية مقارنة بما عرفه السوريون من صولات وجولات الأجهزة الأمنية تحت نظام الأسد، ولكن المقارنة تبقى غير عادلة، فاللبنانيون لم يعتادوا القمع الأمني والحد من الحريات وطوفات سلطة الاجهزة الأمنية، حتى يكاد تظهر معها ميليشيات حزب الله جهازاً عاقلاً منضبطاً يجدر أن يكون مضرب مثل.
ولكن، حين يكون الرئيس من خلفية عسكرية، وتكون المعادلة السائدة في البلاد هي الأمن أو الحرية، على أرضية التخويف من اللاجئين والقاعدة وداعش، يمسي ما يجري في لبنان أمراً مفهوم، ويبقى ترقب مجريات الأمور وخواتيمها التي لا يبدو أنها ستكون سعيدة. لبنان الذي عرفناه كسوريين جنة حريات مقارنة ببلدنا ذهب ولا يبدو أنه سيعود قريباً.
إعداد: رجا أمين – تحرير: رحا سليم

