(الحل) – تُمثل دول أمريكا اللاتينية “الكنز الخفي” لحزب الله اللبناني، فتعتبر السوق الرائج له في تجارة المخدرات وغسيل الأموال، كما تُصنف من أهم مصادر تمويل نشاطات الحزب، التي لم تعد مخفية حتى من قبل قيادات الحزب نفسه.
في آذار الماضي، ظهر المدعو “نصري شمص” أحد أكبر تجار المخدرات في لبنان والعضو البارز في حزب الله في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “BBC” ، متحدياً السلطات بسلاحه ووجهه المكشوف، وقالها صراحة “مثلما تصدر أوروبا وأمريكا الإرهاب لنا، فنحن بالمقابل نبيعهم المخدرات”، حيث يتخذ الحزب من دول أمريكا اللاتينية مركزاً لعملياته، مستفيداً من ضعف قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة فيها، وذلك عبر التحالفات التي أنشأها هناك مع عصابات التهريب وتجارة المخدرات، وبتواطؤ مع السلطات هناك.
وتحاول الولايات المتحدة التضييق على إيران وحلفاؤها، لاسيما حزب الله، حيث تنبهت إلى الدور الذي يلعبونه في دول أمريكا الجنوبية كمصدر تمويل قوي، فكانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” للأرجنتين في التاسع عشر من شهر تموز الحالي، والذي يصادف إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لتفجير مركز الجالية اليهودية في العاصمة “بوينس آيريس” وأدى لمقتل 85 شخصاً، والمتهم فيه حزب الله، ليتم الإعلان عن إدراج حزب الله اللبناني على قائمة الأشخاص والمؤسسات المرتبطة بالإرهاب وتمويله، وهنا السؤال: ماتبعات هذا التصنيف على الحزب؟ وهل سنشهد خطوات مماثلة في باقي دول أمريكا الجنوبية؟
الأرجنتين وعشيرة “بركات”
تعتبر الأرجنتين إحدى أبرز الدول التي ينشط فيها حزب الله في مجال تجارة المخدرات وتبييض الأموال، إضافة إلى تجارة السلاح، وذلك اعتماداً على شخصيات وعشائر أسست وجود لها منذ زمن، كان أبرزها عشيرة أو مجموعة “بركات”، حيث قامت السلطات الأرجنتينية في حزيران من العام 2018 بتجميد أصول 14 فرداً منها، وهي على صلة وثيقة بالحزب، وتنشط في المثلث الحدودي المشترك بين الأرجنتين والبرازيل وباراجوي، كما قامت وزارة الأمن الأرجنتينية في تشرين الثاني من نفس العام بإلقاء القبض على مواطنين أرجنتينيين للاشتباه بصلتهما بحزب الله.
بدوره، لم يخف الحزب عن صلاته بعشيرة “بركات” والعديد من شخصياتها المدرجة على قوائم العقوبات، حيث حصل المدعو “أسعد أحمد بركات” على “خطاب شكر” من أمين عام الحزب حسن نصر الله، وذلك لتبرعه السخي لما يسمى “صندوق شهداء المقاومة”، وهو ذاته الذي اتهمته الشرطة في الأرجنتين بغسيل أموال تقدر بـ10 ملايين دولار نيابة عن حزب الله في أحد الكازينوهات بمنطقة شلالات “إجو أزو”، كما يعتبره مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية بأنه “الشريان المالي الأساسي لحزب الله في منطقة المثلث الحدودي بين دول أمريكا اللاتينية”.
ضغوط أمريكية على “القارة الجنوبية”
تشكل مسألة تمويل حزب الله نقطة الضعف الأكثر خطورة في بنيته التنظيمة، فرغم الالتزام الكامل من قبل إيران نحوه، إلا أن الضعوط والعقوبات التي فرضت وتفرض على إيران بشكل مستمر، تشكل تهديداً لبقاء شريان تمويل الحزب والذي يعاني أصلاً من تضييق الخناق عليه وملاحقة أصوله، بسبب تبعيته المطلقة لإيران، ودخوله إلى جانب النظام في الحرب السورية.
وكشف تحقيق لوكالة “رويترز” عن نشاط حزب الله في أمريكا اللاتينية أن “شبكات حزب الله عملت على المزج بين الأنشطة الشرعية والإجرامية في شبكات عمل مختلطة لتصعيب مهمة تتبعها وكشفها، فقد كانت تجمع بين التجارة في الممنوعات بالتعاون مع عصابة (لويس زيتاس) المعروفة، وشراء السيارات المستعملة من أجل درء الشبهات عنها”.
وقال الصحفي الاقتصادي “أيمن محمد” لموقع الحل: “تحاول الولايات المتحدة التوجه حالياً إلى دول أمريكا اللاتينية، خاصة والبرازيل وباراجواي نظراً لما تشهده تلك الدول من نفوذ للحزب، وذلك للسير بنفس خطى الأرجنتين ووضع حزب الله على قوائم الإرهاب، إضافة إلى باقي دول القارة الجنوبية التي ينشط فيها بقوة”.
وأضاف محمد أن “الضغوط الأمريكية تتجه نحو البرازيل، بعدما ألقت السلطات هناك القبض على رجل الأعمال اللبناني أسعد بركات المقرب من حزب الله في أيلول الماضي، في محاولة لتجفيف منابع تمويل الحزب فيها، كذلك الأمر بالنسبة لفنزويلا المعروفة بعلاقاتها الوطيدة مع الحزب، حيث بدأت تتهدد مصالحه، بعد أن اتهم رئيس جهاز المخابرات الفنزويلية السابق في شهر آذار من العام الحالي نظام الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو) باستضافة معسكرات تدريب عناصر حزب الله في جزيرة مارجريتا التي تقع قبالة سواحل فنزويلا”.
هل تجدي العقوبات نفعاً؟
بحسب صحيفة “لاستامبا” الإيطالية فإن “حزب الله يعتمد على بيئة لبنانية في دول أمريكا الجنوبية قوامها 50 ألف مهاجر لبناني، حيث تنتشر صور الخميني ويتم إخضاع الأطفال لدورة (كشاف المهدي) التي يشرف عليها مسؤولون من حزب الله، إضافة إلى اعتماد الحزب على رشوة المسؤولين، وتغذية العنف الذي يرافق تجارة المخدرات والممنوعات في المنطقة، إلى جانب استقطاب أصحاب الأموال المشبوهة للمنطقة، وتوفير خدمة تبييض الأموال وغسيلها، بالاعتماد على شبكة دولية معقدة على امتداد منطقة نفوذه الواقعة بين حدود البرازيل وباراجواي”، وفقاً للتقرير.
وختمت الصحيفة تقريرها بأن “العقوبات الدولية والأمريكية والأوروبية، لم تنجح في ضرب حزب الله في مسألة التمويل، واعتبرت أن الحزب نجح في تفادي الانهيار بفضل إمبراطوريته الحقيقية في دول أمريكا الجنوبية”.
أسامة مكية

