المخاوف الأوروبية من اللاجئين هي السبيل لإنقاذ السوريين

نشرت مجلة فورين بوليسي تقريراً تبين فيه أنه يمكن لمخاوف الاتحاد الأوروبي من موجة تدفق لاجئين جديدة إلى أراضيه أن تكون سبباً في دفع الاتحاد للعمل على إنقاذ سوريا من الموت اليومي الذي تعيشه. ففي الوقت الذي يوشك فيه بشار الأسد على إعلان نصره بمساعدةٍ روسية، لا سبيل لإنهاء المجازر إلا بالتهديدات التي يشكلها بحث السوريين عن ملاذٍ آمن لهم في الدول الغربية.

فالنظام السوري ومنذ شهر نيسان الماضي في حالةٍ من السعار ما جعل الحياة في إدلب في حالةٍ من الخطر مجدداً. وبالرغم من ذلك، لا أحد يرغب بالعيش بالقرب من المستشفيات هناك، فقد قصف نظام بشار الأسد وحلفائه الروس المنشآت الصحية 521 مرةً منذ بدء النزاع في البلاد. وقد اتهمت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا النظام السوري وحلفائه بـ “استهداف المنشآت الصحية بشكلٍ ممنهج”. الأمر الذي يجعل حياة المدنيين المتواجدين بالقرب من المستشفيات في خطرٍ أكبر من أولئك الذين يتواجدون بالقرب من الخطوط الأمامية للجبهة. كما أن الأطفال أكثر عرضة للخطر في المدارس، فقد تم الاعتداء على 87 منشأة تعليمية على الأقل منذ بداية شهر نيسان الماضي.

فما يحدث ليس إلا هجوما متعمدا يستهدف المدنيين في سوريا. لكن مجريات الأحداث حول العالم خطفت سوريا من الساحة الإعلامية. فمع سيطرة أخبار انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وكشمير والأعاصير وهونغ كونغ على العناوين الرئيسية، قُتل ما يقارب 900 شخص في سوريا، ثُلثهم من الأطفال، منذ أن جدد النظام هجومه في شهر نيسان الماضي على مدينة إدلب وريفها.
وبحسب التقرير، فقد تم تهجير 576 ألف شخص مجدداً، معظمهم من النازحين السوريين داخلياً. وقد استهدف القصف البيوت والمخيمات والمخابز والأسواق. كما استهدف المنشآت المائية أيضاً، مما تسبب بشيوع الأمراض. وقد أصيب ما يزيد عن 40 ألف شخص بالأمراض خلال الشهرين الماضيين بسبب شح المياه النظيفة والصرف الصحي.

وبالرغم من ذلك، لم تحظ إدلب بالحضور في المناقشات المتعلقة بموضوع الأمن العالمي خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت الشهر الماضي في فرنسا. فقد تمكن الاتحاد الأوربي من إبقاء معاناة السوريين مهملة من خلال رشوته لتركيا لإبعاد اللاجئين السوريين عن الأنظار. فعلى ما يبدو، ينشغل الغرب بهواجس اللاجئين أكثر من معاناة الأطفال. ولكسر لا مبالاة الغرب هذه، يتوجب على السوريين استغلال سلاحهم الوحيد المتوفر لديهم: التهديد باللجوء إلى أوروبا مرةً أخرى.

فمنذ العام 2012، وأملٌ ينمو لدى القوى الغربية بأن الأسد سوف يحتوي المشكلة الواقعة ضمن حدوده إذا ما تُرك الأمر لأجهزته الخاصة. إلا أن هذا الأمل قد خاب مراراً وتكراراً. ففي العشرين من شهر آب الماضي، انسحبت المعارضة المسلحة من مدينة خان شيخون التابعة لإدلب أمام نيران المدفعية والقصف العنيف. جاء ذلك بعد سبع سنوات من اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما استخدام أن السلاح الكيميائي في سوريا “خط أحمر”.

وقد اختبر الأسد عزيمة أوباما، بعد عامٍ من ذلك، من خلال شنّه هجوماً بالسلاح الكيميائي على الغوطة الشرقية، ما أسفر عم مقتل ما يزيد عن 1400 شخص. وتراجع أوباما عن كلامه، وحفاظاً على ماء وجهه وافق على اتفاقٍ مع روسيا لنزع ترسانة النظام الكيميائية. وفي ما وصفه لاحقاً باللحظة التي يعتبر نفسه “فخوراً جداً بها”، تجنب أوباما حرباً، فإن السوريين استمروا في معاناتهم من الهجمات الكيميائية حيث تجاهل كلّ من الأسد وفلاديمير بوتين الاتفاق.

ولأن النظام لم يعان من أية عواقب بسبب تجاوزاته، صعّد هجماته فكثّف الغارات الجوية وفرض حصاراً وتجويعاً وزاد آلية التعذيب في السجون وقتل المعارضين في مجازر جماعية. وبالمقارنة وخلال التسعة وعشرون شهراً الذين تلو اختراق الخط الأحمر، كان عدد الأشخاص الذين قُتلوا ضعف عددهم خلال التسعة وعشرين شهراً السابقة. كما ارتكب النظام السوري 250 هجوماً كيميائياً، كان أحدهم الهجوم على بلدة خان شيخون والذي كان الأكثر دموية من بينهم.

وبينما تدهورت الأوضاع أكثر وبدأ تنظيم داعش بخروقاته ودعايته، أعادت إدارة أوباما وصف سوريا بقضية إرهاب، وقبلت برواية النظام التي تدعي أن الحفاظ عليه ضروري للقضاء على الجهاديين. لكن وبينما كانت واشنطن تتجنب تصعيد مواجهتها مع الأسد وإزعاج حلفائه في موسكو وطهران، فإنها تركت المواطنين يواجهون المخاطر ما أدى إلى موجة نزوحٍ جماعي. وقد أدت الفوضى الناجمة عن هذا النزوح الجماعي إلى تحريك الرأي العام بدءاً من الاتحاد الأوربي وانتهاءً بالولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي أدى إلى إثارة شعبية القوميين. فقد استغل كل من الهنغاري فيكتور أوربان والإيطالي ماتيو سالفيني والبريطاني نايجل فاراج والأمريكي دونالد ترامب هذه المخاوف لتحقيق مكاسبهم السياسة.

ولم يكن الأمر يحتاج الكثير لإنقاذ السوريين من معاناةٍ طويلة. فكان لمنطقة حظر الطيران في العام 2012 أن تحيد من قوة النظام الرئيسية، قوة السلاح الجوي، وتحفظ أرواح مئات الآلاف. كما كان يمكن للغارات المحدودة في آب من العام 2012 على المنشآت العسكرية أن تردع النظام وتجبره على الجلوس إلى طاولة الحوار. لكن ما غدر بالسوريين وشجع النظام على الاستمرار في طغيانه كان الأمل الخطابي المنشود ومنع المساعدة العملية.

ويشير التقرير إلى أنه إذا ما كان رد الغرب على مجريات الأحداث في إدلب هو غض النظر واجترار حجة “الحرب على الإرهاب”، عندها فإن ما حصل بعد الـ 2013 سوف لكن يكون له أهمية بالمقارنة مع ما سيحصل من جرائم سيرتكبها النظام. فهناك ثلاثة ملايين مدني محاصر في إدلب معظمهم من النساء والأطفال، وعدم وجود وسيلة أو وجهة للذهاب إليها يشكل نقطة الضعف الأكبر لدى سكان سوريا المرحّلين. فمسبقاً تشكل تركيا، التي تعاني سياستها من مأزقٍ شعبي، ملجأ لـ 3.6 مليون لاجئ سوري. حيث يتنافس كل من المعارضة والحكومة التركية على إلحاق الضرر باللاجئين السوريين. وإذا كانت أوربا غير مضيافة مع اللاجئين في العام 2014، فهي اليوم معادية لهم بشكلٍ تام.

الخيار الوحيد المتبقي أمام إدلب اليوم هو الاستسلام للنظام، وهو الخيار الذي تفضله أوروبا بشكلٍ ضمني. حيث تتوق معظم الدول الأوروبية إلى رؤية انتهاء الصراع في سوريا وإرجاع مواطنيها إليها. وقد تم الترويج منذ العام 2014 لمقترحات استخدام أموال إعادة الإعمار كدافع لضمان تعاون الأسد. لكن اللاجئين معرضين في أي وقتٍ كان إلى مواجهة العودة إلى دولةٍ تسودها الفوضى مثل سوريا، حيث يُرسلون لمواجهة مستقبلٍ مجهول فيما يخص ممتلكاتهم المُصادرة ومواجهة احتمال تعرضهم للتعذيب أو الموت. لم يواجه الأسد أية عواقب جراء جرائمه الموثقة على نطاقٍ واسع، لذا فليس هناك ما يردعه عن ارتكاب المزيد من الفظائع.

وكونها البلد التي سوف تتأثر بشكل أكبر، فإن تركيا غير راغبة في رؤية إدلب وهي تسقط في النظام السوري وحلفائه. ولضعفها أمام مواجهة روسيا، تهدد تركيا بعملية ضد الأكراد شرقي الفرات، ما سيؤدي إلى تشريد المزيد من السكان المستضعفين. فسقوط إدلب من شأنه خلق خلاف بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، كما يمكن أن يؤدي ظفر إيران في سوريا إلى حرب أشمل تتضمن إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

ويبين التقرير أنه إذا ما جعلت دولةٍ ما من الانتهاكات المنظمة للقانون الدولي السياسة الرسمية لحكومتها ولم تواجه أية عقوبات على ما اقترفته، فإن المُثل العليا سوف تُفقد لدى الجميع. فإذا لم يواجه الأسد مسئولية الجرائم الهائلة التي ارتكبها في حق شعبه، فسوف تشجّع أفعاله جميع المستبدين والطغاة على الاستمرار بطغيانهم. فالغرب لم يحاول مطلقاً حماية السوريين بأي من الوسائل الاقتصادية والسياسة والعسكرية. ومع عدم وجود مصالح رئيسية مهددة بالضياع، فإنه لم يكن لدى الغرب حافزاً للتصرف. لكن اليوم، وتحت الضغوطات المتجددة للنظام بالتصعيد من عملياته والحملة التركية، تشهد اليونان أكبر موجة من اللاجئين منذ العام 2015. وإذا ما كان هناك شيئاً يخشاه الغرب أكثر من الإرهاب فهو اللاجئين.

إنه الوقت المناسب ليبدأ السوريون بالاستفادة من هذه المخاوف كقوة دافعة. ففي الأيام الأخيرة تجمع حشودٌ كبيرة من المحتجين بالقرب من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا مطالبةً من العالم الذي حرمهم من الحماية أن يمنحهم فرصةً للمرور على أقل تقدير. وعبّر أحد المحتجين قائلاً: “نحن نفضل أن موت غرقاً من أن نموت تحت الأنقاض”. فالخوف من اللاجئين الجدد يثير قلق أوروبا. وقد اجرت أنجيلا ميركل، المستشارة الأألمانية، اتصالاً يوم الخميس الماضي مع بوتين لبحث الشأن السوري. وفي اليوم التالي أعلن بوتين وقف إطلاق نار جديد.

ويؤكد التقرير بأن هذا الشعور بالقلق والإلحاح لتوخي وصول دفعةً جديدة من اللاجئين أمر جديد ويجب على السوريين استغلاله. فإذا ما تخلت القوى الغربية عن دورها في حماية السوريين من خطر الأسد، يجب على ضحاياه أن يُحسنوا استخدام تهديدهم بالبحث عن ملاذٍ آمن لهم في الغرب. فقد لا تكون تركيا مستعدةً لاستقبال مزيداً من اللاجئين، لكن بإمكانها تهيئة السبل لتسهيل خروجهم باتجاه الغرب. فمع إخفاق التعاطف مع الضحايا في إنهاء تقاعس الحكومات الغربية، قد يدفعهم الخوف من اللاجئين إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السوريين.

معتصم الطويل

معتصم الطويل

صحفي سوري عمل في الصحافة الاقتصادية في عدة مواقع محليّة، حالياً يعمل محرراً في موقع الحل نت، في الشأنين السياسي والاقتصادي.