مخاطر ومعوقات إعادة تأهيل النظام السوري للعودة إلى المجتمع الدولي

نشر معهد” التحرير لسياسات الشرق الأوسط” تقريراً تناول مخاطر ومعوقات إعادة تأهيل النظام السوري تمهيداً لعودته إلى المجتمع الدولي. فبعد أن قمع النظام السوري بعنف الاحتجاجات التي بدأت في آذار 2011، قطعت العديد من الدول علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، كما علقت الجامعة العربية عضوية سوريا. وفي عام 2015، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار 2254، الذي طلب من النظام السوري الانصياع “لانتقال سياسي” بقيادة الشعب السوري لإنهاء الحرب. لكن وبعد أكثر من ثماني سنوات من بدء الاحتجاجات، هزم النظام السوري قوات المعارضة المسلحة إلى حد كبير. وهو يسعى الآن إلى العودة إلى المجتمع الدولي وإعادة تأهيل صورته من أجل البدء باستجداء مساعدات إعادة الإعمار والاستثمار الأجنبي. وعلى الرغم من المخاوف بشأن الآثار القانونية الدولية التي تنطوي عليها إعادة تأهيل النظام السوري، فقد اتخذت الدول مواقف متنوعة بشأن العلاقات مع هذا النظام. حيث سارع البعض لإعادة العلاقات مع نظام بشار الأسد، مشيرين إلى الحاجة إلى الاستقرار أو البحث عن فرص اقتصادية جديدة، في حين رفض آخرون فكرة إعادة تأهيل هذا النظام، خوفًا من أن يؤدي الفشل في محاسبة النظام السوري على الانتهاكات التي ارتكبها إلى إضفاء الشرعية على الاستبداد وزعزعة استقرار البلاد والمنطقة بأكملها.

فمع انحسار القتال في مناطق قليلة فقط في سوريا وبقاء بشار الأسد في السلطة، بدأت بعض الدول في إعادة العلاقات مع سوريا بشكل رسمي أو حتى غير رسمي. حيث قام عمر البشير، والذي كان آنذاك رئيسًا للسودان، بزيارة سوريا في كانون الأول 2018، وكانت أول زيارة لزعيم عربي إلى سوريا منذ بدء الثورة. وفي نفس الشهر، استضاف رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كمال رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك لمناقشة التطورات السياسية. وبالإضافة إلى استئناف الزيارات الدبلوماسية مع المسؤولين السوريين، أعادت بعض الدول العربية فتح سفاراتها في دمشق. حيث أعادت الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في 27 كانون الأول من العام الماضي. وفي اليوم التالي، أصدرت البحرين بيانًا أكدت فيه أن سفارتها في سوريا ستواصل عملها. وفي شهر كانون الثاني من العام الحالي، عينت وزارة الخارجية الأردنية قائماً بالأعمال في سفارتها في دمشق. وفي نفس الشهر، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أن إيطاليا تدرس إعادة فتح سفارتها في دمشق، على الرغم من أن غالبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تشجع على الاعتراف بالحكومة السورية حتى يكون هناك انتقال سياسي ذي مغزى.

وعلى الرغم من أن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية لم تتم مناقشتها في القمة الأخيرة التي عقدت في أوائل شهر نيسان الماضي، إلا أن بعض ممثلي الدول العربية قد أدلوا ببيانات لصالح عودة سوريا إلى الجامعة العربية. فبعد الاجتماعات التي عقدت بين الأسد ووزير الخارجية العراقي في كانون الأول 2018، أعلن العراق أنه يدعم عودة سوريا إلى الحضن العربي. كما أعرب وزراء الخارجية في كل من المغرب ولبنان وتونس عن دعمهم لعودة سوريا إلى الجامعة المذكورة، في حين صرح وزير الخارجية المصري سامح شكري أن مصر ليس لديها شروط فيما يتعلق بعودة سوريا. كما أعلن اللواء سعد الجمل، عضو مجلس النواب المصري ونائب رئيس البرلمان العربي، أنه يأمل أن تعود سوريا إلى الجامعة العربية بسرعة. وذلك بعد أن حضر حمودة الصباغ ، رئيس مجلس الشعب السوري ، في قمة البرلمانيين العرب في عمان في الثالث من آذار 2019.

من جهة أخرى، بدأت الدول والشركات الدولية في استئناف العلاقات الاقتصادية مع سوريا. فقد استأنفت تونس رحلاتها التجارية الجوية المباشرة إلى سوريا، في حين سمح الأردن لطائراته المدنية بالمرور في المجال الجوي السوري. كما أعاد الأردن فتح معبر نصيب الحدودي. وفي الوقت الذي لم تقم فيه مصر بإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع النظام السوري، فإنها قد تعاونت مع هذا النظام في العديد من المشاريع الصناعية والزراعية في عام 2018. كما باعت مصر أسلحة لسوريا تم استخدامها في الحرب ضد المدنيين. كذلك بدأت شركة سياحة فرنسية في تقديم جولات ثقافية في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا، ووصلت مجموعة من 35 سائحًا أوروبيًا وكنديًا إلى سوريا في شهر آذار الماضي للقيام بجولة في المواقع التاريخية في تدمر. واقترحت روسيا وسوريا على اليونسكو إعادة ترميم الآثار في تدمر بتمويل من اليونسكو. كما تواصل بيلاروسيا وجمهورية التشيك تزويد النظام السوري بالمال والإمدادات الإنسانية. حيث يأمل نظام الأسد في اجتذاب المستثمرين لتمويل إعادة بناء البلاد. وقد قاد رجل الأعمال السوري محمد حمشو، الذي أدرجته وزارة الخزانة الأمريكية والمملكة المتحدة على لائحة العقوبات، وفداً من رجال الأعمال إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تشجيع استثمارات القطاع الخاص الإماراتي في سوريا. ومن المقرر عقد مؤتمر اقتصادي في شهر تشرين الثاني من العام الجاري في لبنان ، حيث من المتوقع أن تكون إعادة إعمار سوريا موضوعًا رئيسيًا فيه.

وعلى الرغم من تعدد السبل التي أصبح النظام السوري من خلالها أكثر تأهيلاً، فإن هناك أيضًا دول وكيانات تحافظ على بعدها وتشجع الآخرين على عدم التعاطي مع هذا النظام. فالاتحاد الاوروبي طبق عقوبات كبيرة على رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين المشاركين في إعادة إعمار سوريا قبل بدء المرحلة الانتقالية المنشودة. . كما يدرس الكونجرس الأمريكي حاليًا قانون حماية المدنيين في سوريا لعام 2019 ، والذي في حالة إقراره يعاقب الأشخاص الأجانب الذين يقدمون الدعم المالي أو المادي أو الفني لبعض الكيانات الموجودة في سوريا، أو الأشخاص الأجانب الذين يبيعون أو يقدمون خدمات معينة أو البضائع مباشرة إلى أو للاستخدام من قبل النظام السوري. ومنذ بداية عام 2019، أعلنت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا بأنها لن تطبّع العلاقات مع نظام الأسد.

ويدور الجدل حول إعادة تأهيل النظام السوري وسط حوار قانوني دولي أكبر. فبينما تركز معظم مناقشات القانون الدولي على التزام الدولة بعدم انتهاك حقوق مواطنيها داخل إقليمها، يعمل فقهاء القانون على نحو متزايد على تطوير أدبيات حول التزامات “الدول الثالثة” بعدم تسهيل أو دعم أو تشجيع انتهاكات الدول للقانون الدولي. وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال يتم تطوير المعايير القانونية الدولية حول التعاملات التجارية والاستثمارات، مثل التزام الدول بمنع الأطراف الثالثة من التدخل أو الإخلال بالتمتع بحقوق معينة أو المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال وحقوق الإنسان. ووفقًا لذلك، فإن الدول التي تفكر في استئناف العلاقات مع النظام السوري، سواء من خلال المشاريع السياحية أو تقديم الدعم لإعادة الإعمار، ستحسن أداءها في وضع هذه الالتزامات في عين الاعتبار، بالإضافة إلى أي تشريع أو عقوبات وطنية قد تكون قائمة. كما أن هناك عامل قانوني إضافي يؤثر على إعادة تأهيل النظام السوري، وهو موضوع المساءلة.

فمع هروب السوريين إلى جميع أنحاء العالم، يلجأ الضحايا بشكل متزايد إلى النظم القانونية الوطنية في تلك البلدان لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان السوريين والذين ينتمي غالبيتهم العظمى إلى النظام السوري. وقد رفعت بالفعل العديد من القضايا الجنائية والمدنية في جميع أنحاء العالم من الولايات المتحدة إلى إسبانيا. وفي عام 2018، أصدرت ألمانيا أامراً باعتقال رئيس المخابرات الجوية السورية السابق جميل حسن. وأصدرت فرنسا بالإضافة إلى ذلك أوامر ضد مدير مكتب الأمن الوطني علي مملوك وعبد السلام محمود، المسئول عن فرع التحقيق في المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري.

وأخيراً، قد يؤدي تطبيع العلاقات مع النظام السوري إلى العودة المبكرة، وفي بعض الحالات لاإرادية، للاجئين من الدول التي تختار التطبيع، على الرغم من الخطر الداخلي الذي قد يتعرض له العائدون (وجميع السوريين) من سجن وخدمة عسكرية قسرية والحرمان من ممتلكاتهم. فالتطبيع في حد ذاته قد يدفع البلدان إلى إنهاء برامجها المؤقتة الخاصة بالهجرة وحماية اللاجئين، كما أنه يخلق بيئة قد لا يكون فيها للاجئين خيار سوى العودة إلى سوريا، حتى لو بقيت ظروف البلد تشكل خطورة بالنسبة لهم.

معتصم الطويل

معتصم الطويل

صحفي سوري عمل في الصحافة الاقتصادية في عدة مواقع محليّة، حالياً يعمل محرراً في موقع الحل نت، في الشأنين السياسي والاقتصادي.