يبدو أن مسلسل العنصرية في لبنان لن ينتهي. وهذه المرة، لا يمكن لأحد أن يزعم أنها أعمال فردية. ما يحصل اليوم ليس مجرد حملة من الحملات التي اعتدنا مواجهتها سابقاً، إنما هو حرب على اللاجئين، والتحريض ليس من قبل طرف واحد. بل هناك أطراف ممثلة في هيئات الدولة وكأنها تتصارع على من يستطيع ممارسة التحريض أكثر.
“بلدك آمن، رجاع عمّر بلدك”، “وطننا الحلم لن يصبح بديلاً لغيرنا”، لافتات علقها “التيار الوطني الحر”، بالتزامن مع حملة أطلقتها وزارة العمل تدعو أصحاب العمل إلى طرد العمال غير اللبنانيين: “ما بمشيلك شغلك إلا ابن بلدك” و”ما توظف عمال غير شرعيين”.
“التيار الوطني الحر” لم يكتف بتعليق اللافتات، ولا بالتحريض العنصري الذي يمارسه رئيسه “جبران باسيل” على موقع تويتر، بل قام بدعوة المواطنين إلى التبليغ عن المحلات والمؤسسات التي توظف سوريين، ونشر مقاطع فيديو لأشخاص من “التيار” يدخلون المحلات ويقومون بإذلال العمال السوريين. في الوقت عينه، بدأت قوى الأمن الداخلي بحملات تفتيش ومداهمات، ما تزال مستمرة حتى الساعة، نتج عنها إقفال محلات وتحرير ضبوط وانذارات. كل هذه الأعمال أدرجت تحت مسمى “تنظيم اليد العاملة”، إلا أنها في الواقع ما هي إلا خطة لقطع الأرزاق وتجويع اللاجئين وإجبارهم على العودة إلى سوريا.مئات المحال أقفلت بالشمع الأحمر، ومئات العمال طردوا أو تركوا أشغالهم. هؤلاء ليسوا أرقاماً، لكل منهم قصة، وعائلة يتحمل مسؤوليتها.
“ياسمين” مثلاً، كانت تمتلك معمل خياطة، فتحته منـذ أربع سنوات. يبلغ عدد العاملين في هذا المعمل 11 موظفاً، ما يعني أن هناك 11 عائلة كانت تعيش منه قبل أن يتوقف مصدر دخلها عند إقفال المعمل. ياسمين هي المعيلة الوحيدة لأسرتها، التي تتألف من شقيقتين وأم وأب مصاب بالسرطان، وهو بحاجة دائمة للمتابعة الصحية. تستنكر ياسمين: “ماذا أفعل؟ لدي مسؤولية، في حال بقيت بلا عمل، الكارثة لن تقع علي وحدي”. ثم تؤكد “لا أعتقد أنه يوجد بين السوريين من لا يحب أن يكون قانونياً أو يعمل بشكل منظم، بالعكس كلنا نتمنى ذلك، لأن هذا الأمر يضمن لنا حقوقنا قانونياً ويمنع أرباب العمل من استغلالنا، لكن هذه القرارات تصدر بطريقة قبيحة ومذلة. ولا تقدم لنا حلولاً. نحن نريد حلاً”. أما عن خيار العودة إلى سوريا، فياسمين لا تملكه، “لا يمكنني العودة، فأنا مطلوبة لأحد فروع الأمن هناك”.
أما “عبدالله” فكان يعمل في منظمة دولية عبر عقد مدته سنتين، وكان قد مضت منه بضعة أشهر، حين استدعته المسؤولة عنه. بدأت حديثها بأنها تقدّر عمله ونشاطه، لكنها تريد أن تعتذر لأن هناك ضغوط تمارس على المنظمة، وعليهم ايقافه عن العمل، إلا أن إيقافه هذا لا يعبّر عن رؤيتهم، بل هو قرار أمني. يتساءل عبدالله “لماذا لم يتم تنظيم عمل السوريين من قبل لنكون آمنين وقانونيين، لماذا الآن؟”. ثم لا يلبث أن يؤكد أن هـذه القرارات ما هي إلا وسيلة لطرد السوريين من لبنان. ثم يشير إلى أن رئيس المنظمة التي كان يعمل بها كان أجنبياً، ولم يسأله أحد إن كان لديه إجازة عمل.
“ساريا” كانت تعمل في إحدى حانات بيروت. تتحدث عن تجربتها “لم أطرد لأني غير جديرة بالعمل ولا لأني كسولة، طردت بسبب جنسيتي. هذا الأمر سبب لي كثيراً من القهر”. تتساءل ساريا عن سبلها إلى العيش بلا عمل. “بحكم إقامتي كطالبة، طلب مني التوقيع على تعهد بعدم العمل، إلا أن هذا الأمر غير منطقي. نحن كسوريين نعيش ظروفاً ليست جيدة، وهذا الأمر لا يؤخذ بالاعتبار في لبنان. ندفع للتسجيل في الجامعة ٧٥٠ ألف ليرة لبنانية بدلاً من ٢٥٠. لديهم تصور أن من يسجل في الجامعة من السوريين لديه مال وهو ليس بحاجة إلى العمل. أهلي ليسوا من الأغنياء ليرسلوا لي مالاً، كيف يمكنني كطالبة أن أعيش في لبنان من دون أن أعمل؟ هذا أمر مستحيل. نحن نعمل بشكل غير قانوني ونعيش في دوامة من الخوف والقلق طوال الوقت”.
بالنسبة لـ “حسين” فمعاناته لم تقتصر على توقيفه من العمل فحسب. إذ كان يعمل سائق توصيل في مطعم، مقابل 400 دولار في الشهر. إلا أنه عمل لمدة شهرين مجاناً، وكأن سوريته تعطي الحق لرب العمل باستغلاله والنصب عليه. “لن أعطيك راتبك، اذهب وقدم شكوى”، هذا ما قاله رب العمل. حسين يعيش في غرفة صغيرة مع زوجته وطفلهما، يبلغ إيجارها ٢٥٠ دولاراً عدا الفواتير. ما يسبب له الغصة أنهم يضعون للطفل خرقاً قماشية بدلاً من الحفاضات. “نحن يمكننا تحمل الجوع ولكن ماذا نفعل مع طفلنا؟”، تسأل الزوجة.
الحرب هذه لم تطل الموظفين الذين يعملون في المؤسسات أو المنظمات الدولية فحسب، بل تم توقيف الباعة المتجولين عن العمل، وحتى الحمالين الذين يعملون في التعاونيات تم ايقافهم أيضاً. يروي أحدهم “بدأت العمل هناك منذ سنة ونصف. نحن الحمالون ليس لدينا راتب، نعتمد على البقشيش الذي يقدمه لنا الزبائن مقابل تعبئة أغراضهم في أكياس. كنا نعمل ليلاً، وإذ بالمدير يأتي إلينا ليخبرنا أنه ابتداءً من الغد يمنع علينا العمل لديهم”. ويؤكد أنه أراد الحصول على إجازة العمل، “رغم الكلفة المرتفعة للحصول عليها، إلا أني قررت الاستدانة، المهم أن أعمل. إلا أن طلب الإجازة قوبل بالرفض دون أن يخبروني بالسبب. لدي طفلان وإيجار منزلي 350 دولاراً. وحالياً بلا عمل”.
رجل آخر، يبلغ 55 من العمر، طرد أيضاً من المكان نفسه، لديه أطفال وليس لديه أي مصدر دخل آخر.
اللاجئون في المخيمات لم يسلموا أيضاً من خطة قطع الأرزاق هذه. “يسرى” تعيش في إحدى مخيمات البقاع، مع ابنها الصغير وزوجها الذي يعاني من مشاكل في سمعه. لا تملك يسرى محلاً تجارياً، فهي لا تمتلك حتى هذه المقدرة. لدى يسرى خيمتها التي تعيش فيها. قسمتها إلى قسمين، قسم تعيش فيه مع عائلتها والقسم الثاني جعلت منه دكاناً صغيراً تبيع فيه بضائع مختلفة.
فوجئت يسرى عندما جاء الأمن العام وأعطاها مهلة خمسة أيام لاقفال محلها. “شعرت بالخوف وأقفلت. يومها تمنيت لو بقيت في سوريا ولم آت إلى هنا، حتى لو فارقت الحياة جراء القصف أسوة بغيري. كان ذلك ليكون أشرف مما نعيشه هنا، من ذل إلى آخر”.
في مخيم آخر في البقاع، هناك حلاق يمارس عمله في الخيمة التي يعيش فيها، لكن تم منعه من مزاولة عمله. عمل يسرى والحلاق، لا يشكل منافسة لأحد، فلا محلات تجارية في المخيم ولا لبنانيون يحرمون من فرص العمل، حتى الزبائن هم من اللاجئين.
لاجئ آخر لديه دكان صغير، داهمه الأمن العام وأمر باقفاله. “هـذا الدكان هو ما يعيلنا ومصدر رزقنا الوحيد. أخوتي ما زالوا في المدرسة، وأبي مريض وبحاجة لعملية، لم أذعن لهذا الأمر”. زيارة الأمن الثانية لم تكن ودية، بل رموا كل بضائعه أرضاً، وانهالوا عليه بشتى الشتائم.
يتفق الجميع أن هـذه القرارات ما هي إلا للتضييق على اللاجئين ودفعهم للعودة إلى سوريا. ياسمين تبدو متأكدة أن “هذا القرار هو اتفاقية بين النظام السوري ولبنان، هدفه الضغط على السوريين لإعادتهم إلى سوريا. هناك العديد من السوريين المحيطين بي، بدأو بالتفكير جدياً بالعودة. فبرأيهم، العودة والموت في سوريا أفضل من البهدلة التي نعيشها هنا لبنان”. ساريا بدورها تؤكد الأمر: “يريدون التخلص من أكبر عدد من السوريين، لذلك يضغطون بكل الأساليب، وعمليات الترحيل التي تحصل خير دليل على ذلك. تم الاستقواء على اللاجئين في المخيمات من أجل العودة. هؤلاء فقراء مستضعفون لم يكن بإمكانهم الرفض. أما نحن فهم غير قادرين على اجبارنا على العودة، لذلك يضيقون الخناق علينا بالقوانين”.
الجدير بالذكر أن جهاز الأمن العام قام بترحيل 2700 سوري بحسب الـ “دايلي ستار”. هذا العدد يمثل فقط اللاجئين السوريين الداخلين إلى لبنان بطريقة غير شرعية بعد تاريخ 24 نيسان 2019. من جهة أخرى وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اختفاء ما لا يقل عن 638 شخصا من الذين عادوا إلى سوريا مؤخرا.
الحرب على اللاجئين لم تعد تقتصر على الأحياء فحسب، فمنذ أيام نُبش قبر طفل عمره أربع سنوات، لأن المقبرة ليست للغرباء.
