بعد انتهاء ولاية “نصر الحريري”: لماذا تركّز تركيا على شخصيات عشائرية لرئاسة الائتلاف السوري المعارض؟

بعد انتهاء ولاية “نصر الحريري”: لماذا تركّز تركيا على شخصيات عشائرية لرئاسة الائتلاف السوري المعارض؟

مع مرور عشر سنوات على التدخل التركي في سوريا، سواءً على المستوى السياسي أو العسكري أو حتى المعيشي، ولا سيما بعد إدخال الليرة التركية للتعامل في مناطق سيطرة المعارضة، يبدو أن الأتراك استشعروا أنّ الأمور في سوريا ذهبت نحو منحىً آخر، لم يكن بالحسبان، مع اصطدامهم بطلبات الدول الكبرى، الداعمة للرئيس الأسد، مثل #روسيا وإيران، أو حتى الداعمة نسبياً للمعارضة، مثل الولايات المتحدة الأميركية، لفتح حوار مع #الإدارة_الذاتية في شمال وشرق سوريا، وإنهاء الخلاف معها، وعدم جعل المعارضة السورية مقتصرة على توجه سياسي واحد، موالٍ لأنقرة.

وجاءت الأحداث الأخيرة، ولا سيما تعنّت الروس فيما يخصّ القضايا المتعلقة بالجنوب السوري، وإصرارهم على قيام #تركيا بتنفيذ اتفاقاتها معهم في الشمال، القاضية بتحييد التنظيمات الجهادية الإسلامية، لتدقّ ناقوس الخطر في #أنقرة، وتدفعها إلى محاولة إحياء الأجسام السياسية السورية المعارضة التي تحتضنها، ولكن بأساليب جديدة.

 

محاولة لإحياء الائتلاف

على غير المتوقع هذه السنة أعلن “نصر الحريري”، رئيس #الائتلاف_الوطني المعارض المنتهية ولايته، عدم ترشحه لانتخابات الائتلاف، المزمع إجراؤها بين الحادي عشر والثاني عشر من تموز/يوليو الجاري.

مصدر داخل الهيئة العامة للائتلاف أكد لـ«الحل نت» أن «”الحريري” أحجم عن الترشح بناءً على طلب تركي، من أجل إفساح المجال أمام وافدٍ جديد لرئاسة الائتلاف، لم تسمّه أنقرة حتى الآن».

وفقاً للمصدر ذاته، الذي رفض كشف هويته، فإن «هدف تركيا من استبعاد “الحريري” هو إحياء الائتلاف سياسياً، من خلال استمالة العشائر السورية، عبر ترشيح ثلاث شخصيات لرئاسة الائتلاف، تُعتبر من أبرز رموز العشائر في المعارضة السورية، وهي “سالم المسلط”، و”عامر البشير”، “رامي الدوش”. وتتفاوت حظوظ هؤلاء المرشحين في الفوز بالمنصب، خصوصاً أن “الدوش” يعتبر كبيراً في السن ولا يصلح للعمل السياسي، في نظر كثير من أعضاء الائتلاف، في حين يُعدّ “المسلط”، وهو نائب رئيس مجلس القبائل السورية، وعضو المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري، وشيخ قبيلة “الجبور” في سوريا والعراق، أكثر المرشحين حظاً».

وما يعزز رواية عضو الهيئة العامة هو قرار “مجلس القبائل والعشائر السوري”، المدعوم من تركيا، باستبدال أربعة من ممثليه في الائتلاف المعارض،  بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الداخلية. إذ قام المجلس باستبعاد “عامر البشير” و”حاكم الشايش” و”محمد الصالح” و”رامي الدوش”، وتعيين أربعة أعضاء جدد، هم: “فيصل السلطان” و”جهاد المرعي” و”حميدة الطحري” و”إبراهيم إبراهيم باشا”.

 

من هم المرشحون العشائريون؟

يتصدر “سالم المسلط”، المنحدر من محافظة #الحسكة، المشهد في الآونة الأخيرة، وبرز بقوة في اجتماعات الائتلاف ومؤتمرات العشائر.

ويتحدث كثير من المطلعين على شؤون المعارضة عن المؤهلات التي يمتلكها، والتي تزيد من حظوظه في قيادة المعارضة السورية، فهو حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من الولايات المتحدة الأميركية، وعمل باحثاً في الشأن الخليجي بـ”مركز الخليج للأبحاث” في #الإمارات العربية المتحدة، كما كان متحدثاً باسم “الهيئة العليا للمفاوضات”، التي كان يرأسها “رياض حجاب”، رئيس الوزراء السوري الأسبق، الذي انشق عن حكومة دمشق وانضم للمعارضة.

وكشفت وثائق سعودية مسرّبة أن “المسلط” «مقرّب من توجهات المملكة العربية #السعودية، التي تحاول تركيا تطوير العلاقات معها بعد المصالحة الخليجية»، وربما يكون تعيين “المسلط” في أعلى منصب في المعارضة السورية رسالة تركية إيجابية إلى السعودية، على اعتبار أنه يرتبط بعلاقة مصاهرة مع الأسرة الحاكمة في المملكة.

أما عن “عامر البشير”، المنافس الأساسي لـ”المسلط”، المنحدر من محافظة #دير_الزور، وابن عشيرة “البكارة”، فهو يشغل منصب عضو الهيئة العامة للائتلاف عن مجلس القبائل والعشائر. ولكن حظوظه، وفق مصادر خاصة لـ«الحل نت»، لا تبدو قوية في المنافسة مع “المسلط”، بسبب الدور الكبير، الذي يلعبه ابن عمه الشيخ “نواف البشير” في مناطق سيطرة #الحكومة_السورية، بعد المصالحة التي أجراها معها، وربما يتسبب الصراع بين ابني العم إلى شرخ شعبي في المنطقة، لا تحبّذه تركيا. فضلاً عن أن ترشيح “عامر البشير” قد يستفزّ روسيا، التي تدعم ابن عمه “نواف”.

أما الشيخ “رامي شاهر الصالح الدوش”، المنحدر من بلدة #الشحيل في دير الزور، وابن عشيرة “العكيدات”، فيتولى منصب رئاسة مجلس القبائل والعشائر السورية منذ نهاية عام 2018، وهو حائز على شهادة الدراسات العليا في علوم اللغة العربية من جامعة #دمشق عام 1978. إلا أنه الأقل حظاً في الفوز بالمنصب.

 

لماذا العشائر؟

“محمد أمين”، الباحث في الشأن السوري، يرى أنّ «تركيا عملت على كسب العشائر السورية، لإثبات أنها تتمتع بدعم من قطاع كبير من المجتمع السوري، وخصوصاً في مناطق شمال وشرق سوريا، التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية. وقد تمكّنت أنقرة من احتضان عديد من قادة العشائر، كما ساعدت في إنشاء مؤسسات عشائرية، من خلال عقد مؤتمرات عديدة، مثل مؤتمري #اعزاز وإسطنبول، ما أفضى إلى إنشاء “المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية”، ومقره إسطنبول».

وكان “المسلط” قد قال، في تصريحات إعلامية، إنه «يسعى إلى أجندة وطنية، والاستفادة من العشائر»، مضيفاً أنّ «المحافظات الثلاثة، التي فيها ثقل عشائري، وهي #الرقة ودير الزور والحسكة، محتلة من عصابات #قوات_سوريا_الديمقراطية، التي تجنّد أبناء العشائر لتنفيذ أجنداتها»، حسب تعبيره.

ويوضح “أمين”، في حديثه لـ«الحل نت»، أنّ «تركيا تحاول مجدداّ فرض نفوذها في مناطق الشمال الشرقي من سوريا، عبر اختراق شعبي يحدثه التشكيل الجديد للائتلاف، خاصة أنه لم يعد بمقدورها أخذ ضوء أخضر من الإدارة الأميركية الجديدة، لفتح معركة على الأرض مع قوات سوريا الديمقراطية».

ويتابع بالقول: «تحاول أنقرة اليوم إقناع الأميركيين أن نفوذها وصل للقبائل العربية على الضفة الشمالية الشرقية لنهر #الفرات، ما يجعلها في موقف تفاوضي أفضل».

إلا أن “أمين” لا يعتقد أن التغييرات التي تجريها تركيا ستكون لمصلحة  المعارضة السورية، لأن «السياسة التركية في سوريا تتسم بالتناقض وعدم الاستقرار، والدليل على هذا المواقف المتخبّطة، التي أعلنها الائتلاف، بإيعاز من تركيا، بخصوص مسارات الحل السياسي، فقد اعترض في البداية على مسار “أستانة”، ثم تبنّى كل ما نتج عنه من مخرجات، ثم اعتراض على مؤتمر “سوتشي”، وما لبث أن تبنى مخرجاته كاملةً، ثم اتخذ قراراً يقضي برفض ضم “منصة موسكو” لهيئة التفاوض، ثم عدل عن ذلك، ووافق على ضمها دون أية شروط».

ويعتبر كثير من المراقبين أن تركيا تسعى لتحويل المعارضة السورية إلى هيئة عشائرية، بدلاً من كونها جسماً سياسياً يٌعبّر عن توجهات أيديولوجية متعددة، وهو أمر يعكس طبيعة التفاهمات التركية مع روسيا، التي ترى أن مسار الحل السياسي بجب أن يكون معبّراً عن مكوّنات أهلية، تدخل في مصالحات مع حكومة دمشق، ما يعني فعلياً نهاية المشروع السياسي للمعارضة السورية، بوصفها بديلاً للنظام القائم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات