ثقافة «الاعتداء الجنسي» ولوم الضحية

ثقافة «الاعتداء الجنسي» ولوم الضحية

ثقافة “الاغتصاب” أو الاعتداء الجنسي، هي ثقافة يتم فيها التعامل مع العنف الجنسي على أنه أمرٌ طبيعي، يرافقه لومٌ للضحايا على الاعتداء، وهي بيئة يتم فيها تطبيع العنف الجنسي وإيجاد الأعذار له في وسائل الإعلام والثقافة الشعبية.

تنتشر ثقافة “الاغتصاب” من خلال استخدام لغة كراهية للنساء، والحديث عن أجسادهن كممتلكات، وبالتالي خلق مجتمع يتجاهل حقوق المرأة وسلامتها، حيث أن هذه الثقافة لا تتعلق بالعنف الجنسي نفسه فحسب، بل تتعلق بالمعايير والمؤسسات الثقافية التي تحمي المغتصبين، وتعزز الإفلات من العقاب، وتعيب الضحايا، كما أنها تطالب النساء بتقديم تضحيات غير منطقية لتجنب الاعتداء الجنسي.

هناك أمثلة عديدة عن الممارسات التي تندرج تحت هذه الثقافة، منها إلقاء اللوم على الضحية والتقليل من خطر التحرش الجنسي والتسامح معه، فضلاً عن توجيه الفتيات لتجنب التعرض له بدل التركيز على منع حدوثه، كذلك يعتبر إلقاء النكات الصريحة التي تقلل من شأن المرأة، وانتشار الحوارات الذكورية ومشاهد الاغتصاب غير المبررة في المسلسلات التلفزيونية ووسائل الإعلام أحد أمثلة هذه الثقافة أيضاً.

ومن الممارسات الأخرى في المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة “الاغتصاب”، رفض أخذ شكاوى الاعتداءات الجنسية على محمل الجد، وتضخيم إحصائيات شكاوى “الاغتصاب” الكاذبة، فيما تداول فكرة تعريف “الأنوثة” على أنها خاضعة وسلبية جنسياً، و”الرجولة” بأنها مهيمنة وقوية جنسياً.

لوم الضحية/ الناجية

يؤثر الاعتداء الجنسي على ضحيته جسدياً ونفسياً واجتماعياً، وغالباً ما تعاني ضحايا الاعتداء من “اضطراب ما بعد الصدمة” والاكتئاب، بالإضافة للعديد من ردود الفعل الجسدية والعاطفية والنفسية، ويتوقف حجم هذه المعاناة على عدة عوامل، أهمها الطريقة التي يتعامل بها أهل الضحية وأصدقاؤها مع هذه الحادثة، فوجود أشخاص داعمين للناجية يساعدها على تجاوز الصدمة، بينما لومها من قبل أقرب الناس لها سيكون له أثر سيء جداً عليها قد يستمر بقية حياتها.

كثيراً ما تتعرض الناجية للوم المجتمع والأسرة، والذي يتجلى بتحميلها مسؤولية تعريض نفسها للخطر، وعدم أخذ الحذر الكافي لتتجنب الوقوع بين يدي المعتدي، حيث يبدأ اللوم من محيطها، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى ذاتها لتبدأ هي بلوم نفسها على ما حصل، وقد يؤدي كل هذا اللوم إلى نتائج سيئة جداً قد تصل إلى الانتحار.

تقول عن هذا “ماريت فينسنك” لـ(الحل نت)، وهي مختصة بعلم الضحية في هولندا، إن «أحد الأسباب التي تجعل الناس تلقي اللوم على الناجية هي إيهام أنفسهم/ـن أن الاعتداء كان نتيجة لسلوك خاطئ منها لا يرتكبونه هم/ـن، وبالتالي سيظل هذا النوع من الخطر بعيداً عنهم/ـن، فمن خلال تصنيف الناجية أو اتهامها، يمكن للآخرين رؤيتها على أنها مختلفة عنهم/ـن، فيطمئنون بأن هذا لن يحدث معهم/ـن يوماً، هذا التفكير خاطئ ونحن بحاجة لمساعدة الناس على فهم أن هذا ليس رد الفعل الصحيح أو المفيد».

يتسبب إلقاء اللوم على الضحايا في تهميش الضحية الناجية، ويجعل من الصعب عليها التقدم للإبلاغ عن الاعتداء إذا ما علمت أن المجتمع سيلومها على ما هي فيه، يسمح المجتمع للمعتدي من خلال هذا اللوم بارتكاب الاعتداء الجنسي مرة تلو الأخرى مع تجنب المساءلة عن أفعاله.

تكمل “ماريت فينسنك”: «تضغط ثقافة “الاغتصاب” على المرأة للتضحية بحريتها وفرصها من أجل البقاء آمنة، لأنها تضع عبء الأمان على عاتق المرأة وتلقي باللوم عليها عندما لا تنجح، نتيجة لذلك تحرم النساء من بعض الفرص، بينما تكون فرص أخرى مقيدة باحتياطات السلامة باهظة الثمن، مثل عدم السفر من أجل العمل إلا إذا كانت المرأة تستطيع تحمل تكاليف غرفة مستقلة في فندق يقع في منطقة آمنة، وهذا يرقى إلى ضريبة تُفرض حصرياً على النساء، فعندما تتخلى المرأة عن الفرص الاجتماعية والاقتصادية من أجل البقاء آمنة، فإن ذلك يؤثر على تقدمها بشكل عام، مما يؤثر بدوره على تقدم المجتمع ككل».

لوم المرأة على العنف الممارس عليها من شريكها

يمكن أن يأتي العنف في أشكال عديدة جنسية وجسدية ولفظية وعاطفية، تتجلى في إيذاء الشريكة (أو الشريك في بعض الحالات) أو الحط من قدرها بشكلٍ متكرر وإذلالها، إضافةً إلى التهديد بالإضرار بها أو بأسرتها أو حتى بحيواناتها الأليفة، كذلك تعتبر المضايقة والترهيب والعزلة القسرية عن الأصدقاء والعائلة والمنع من الحصول على حياة اجتماعية مستقلة، وانتهاك الخصوصية، والحد من الاستقلالية والخيارات الشخصية، كلها أشكال للعنف الذي لا يحق لأي شخص ممارسته على الآخر.

دائماً ما يتجه الرجل الذي يمارس العنف الجنسي إلى إلقاء اللوم على شريكته كأن يقول «هي من عملت على استفزازي»، أو سيحاول التقليل من أهمية أفعاله بالقول «كل الرجال يمكن أن تغضب وتتصرف على هذا النحو»، هذا ليس صحيحاً فاستخدام العنف اختيار، والرجال الذين يستخدمون العنف في علاقاتهم يختارون أين ومتى يمارسونه، والدليل على ذلك أنهم يسيطرون على عنفهم مع الآخرين مثل الأصدقاء أو زملاء العمل، حيث لا يوجد حق متوقع بالتملك أو السيطرة.

في مواقف مشابهة، عندما يظل الأصدقاء والعائلة محايدين بشأن الإساءة والعنف الذين تتعرض لهما المرأة، فإنهم يتواطئون مع الشريك المسيء ويدعمونه ويقللون من احتمالية طلب الناجية للدعم.

مكافحة ثقافة “الاغتصاب” وإلقاء اللوم على الضحية

لمحاربة ثقافة “الاغتصاب” علينا أن نتوقف فوراً عن استخدام اللغة التي تجسد المرأة كملكية أو تحط من قدرها، وألا نكون حيادين/ـات إذا سمعنا شخصاً يلقي نكتة مسيئة أو يستهين بـ”الاغتصاب”، وأن نتابع الإعلام بعين ناقدة لنتبين الرسائل والخطابات التي تنتقص من قدر المرأة ونحارب الفكر الذكوري والتقاليد التي تكرسه والقوانين التي تحميه.

إن علمنا يوماً أن صديقة (أو صديق) لنا قد تعرضت لـ”الاغتصاب”، علينا أن نصدقها وندعمها ونخبرها أن هذا ليس ذنبها، وألا نتسبب بجعلها ضحية مرة أخرى بتجنبها أو إلقاء اللوم عليها، علينا أن نتجنب التعامل مع الناجية كضحية ضعيفة أو عاجزة، بل أن نعطيها المحبة والقوة والثقة وأن نؤمن بها ونرفع من عزيمتها، وأن نساندها في الحصول على حقها، وأن ندعمها في مسيرتها لمحاسبة المعتدي عليها.

بأيدينا نعليم بناتنا وأبنائنا تحدي القوالب النمطية الجنسانية والمثل العليا العنيفة التي يراها الأطفال في وسائل الإعلام والشوارع والمدرسة، لندع أطفالنا يعرفون أن العائلة مكان آمن للتعبير عن أنفسهم/ـن بلا أسرار، وأن من حقهم الموافقة والرفض وأننا سنحترم رغباتهم/ـن وندعمها.