نهاية أزمة “الرحا” في السويداء: هل نجحت روسيا بنزع فتيل التوتر بين الميلشيات المتصارعة في المحافظة؟

نهاية أزمة “الرحا” في السويداء: هل نجحت روسيا بنزع فتيل التوتر بين الميلشيات المتصارعة في المحافظة؟

تصاعدت حدة الخلافات بين الفصائل المسلّحة في السويداء في الأيام الماضية بشكل كبير، وخاصة بين ميلشيا #الدفاع_الوطني، الموالية لإيران والحكومة السورية، و”قوة مكافحة الإرهاب”، وهي ميلشيا جديدة، جيدة التسليح والتدريب، ظهرت في المنطقة بالآونة الأخيرة.

وكانت ميلشيا الدفاع الوطني قد وجّهت، في السابع  من شهر آب/أغسطس الحالي، انذاراً لـ”قوة مكافحة الإرهاب” بإخلاء مقراتها، خلال ثمان وأربعين ساعة، وإلا فسوف تقتحم قرية “الرحا” جنوبي السويداء، التي يتمركز فيها عدد من مقاتلي القوة.

انذار “الدفاع الوطني” لاقى دعماً من أطراف في حكومة دمشق، فقد هددت “اللجنة الأمنية” التابعة للحكومة بقصف مقرات “قوة مكافحة الإرهاب” بالطيران الحربي، وهو تهديد لم تعرف السويداء مثيلاً له إلا مرة واحدة خلال عمر #الحرب_السورية، عندما تم تهديد الشيخ “وحيد البلعوس”، مؤسس حركة #رجال_الكرامة، بقصف أماكن تمركز مقاتليه عام 2015.

إلا أن تدخّل “حكمت الهجري”، شيخ عقل الطائفة الدرزية في سوريا، أدى لنزع فتيل التوتر، وإنهاء التهديدات بقصف القرية، فكيف وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الاحتقان بين الميلشيات المتصارعة في السويداء؟ وما دور القوى الإقليمية والدولية فيما حدث؟ وما الذي يتوقعه أهالي المحافظة الجنوبية بعد كل ما جرى؟

 

«مؤامرة ضد أهالي السويداء»

قائد إحدى الفصائل المحلية في المنطقة أكد لـ«الحل نت» أن «مقرّات ميلشيا الدفاع الوطني تحوّلت مؤخراً لمراكز تجنيد عناصر جديدة، بعد انكفاء طويل عن الساحة، وتم توزيع السلاح والرواتب وتجهيز العتاد، استعداداً لمواجهة “قوة مكافحة الإرهاب”، المنتشرة في عديد من القرى، ما جعل المحافظة مقبلة على حرب أهلية، لا أحد يعرف نهايتها، خاصةً بعد إصرار “رشيد سلوم”، المسؤول عن قطاع الجنوب السوري في قيادة ميلشيا الدفاع الوطني، على اقتحام قرية “رحا”، والتهديد بقصفها بالطيران الحربي».

وأضاف القائد المحلي، الذي رفض نشر اسمه لأسباب أمنية: «أهالي المحافظة شعروا بمؤامرة تستهدف أمنهم وحياتهم، خاصة بعد انتفاضة عديد منهم ضد عصابات الخطف والمخدرات، وهي الانتفاضة التي اندلعت من مدينة شهبا، بعد اغتيال الناشط المعارض “صقر الطويل”. ففجأة ظهر حزب من خارج الحدود، هو “حزب اللواء الوطني”، يمتلك ميلشيا شديدة القوة والتدريب، تسمي نفسها “قوة مكافحة الإرهاب”، جنّدت عدداً كبيراً من الشبان، وأغدقت عليهم المال، وراحت تقوم بنصب الحواجز في المحافظة، بحجة مكافحة الخطف وتجارة المخدرات، ثم اشتبكت مع ميلشيا الدفاع الوطني، المرتبطة بفرع الأمن العسكري وإيران، لينتهي الأمر بالتهديد بقصف قرية في السويداء».

ويرى المصدر أن «ما جرى لم نعرف له مثيلاً منذ التهديد بالقصف عام 2015، قبل شهر واحد من اغتيال الشيخ “وحيد البلعوس”، ما يدفعنا للاعتقاد أن هنالك لعبة دولية كبيرة، تُطبخ لسلخ المنطقة عن سوريا، وتحتاج لشرارة حرب أهلية بأيدٍ محلية».

الناشط المدني “حسن العبد الله” يرى، في إفادته لـ«الحل نت»، أن «ما حصل جاء للتعمية على انتفاضة مدينة #شهبا ضد العصابات، والتي كان آخر فصولها قيام عائلة من بلدة “عريقة” بالقبض على زعيم واحدة من أخطر عصابات الخطف والمخدرات، ما شكّل خطراً داهماً على العصابات ومشغليها. وخاصة #إيران وحزب الله اللبناني، اللذان يحاولان الحفاظ على خطوط تهريب المخدرات في الجنوب السوري»، حسب تعبيره.

 

تسريبات من داخل الدفاع الوطني عن أزمة “الرحا”

ولكن ما هي بالتحديد “المؤامرة”، التي يتكلّم عنها كلٌّ من قائد الفصيل والناشط المحلي؟ موقع «الحل نت» حصل على تسريبات من عدد من قادة الصف الأول في مركز السويداء للدفاع الوطني، الذين تركوا مناصبهم مرغمين، بقرار من “رشيد سلوم”.
أحد المسؤولين المستقيلين من الدفاع الوطني كشف للموقع عمّا سماه «خطة يعمل عليها “رشيد سلوم”، منذ شهر حزيران/يونيو الماضي، بالتعاون مع الفرقة الخامسة عشر من #القوات_النظامية، المتمركزة في الجنوب السوري، تقضي بتأسيس ميلشيا، تحوي أكثر من مئتي عنصر، لاقتحام قرية “الرحا” جنوبي السويداء، بهدف طرد عناصر “قوة مكافحة الإرهاب” المتواجدين فيها، والسيطرة بشكل كامل على محيط مدينة السويداء».

وأضاف المصدر، الذي رفض بدوره كشف هويته، أن «”السلوم” تأخّر بتنفيذ الخطة، رغم الحاح قائد الفرقة الخامسة عشر، ومن ورائه إيران، ليتبيّن فيما بعد أن “السلوم” كان يختلس المخصصات المالية لإنشاء الميلشيا المذكورة، ما دفعه، عند اكتشاف أمره، إلى الإسراع بمحاولة اقتحام “الرحا”، لإثبات ولائه. إلا أن رد فعل مشايخ العقل والزعماء التقليديين وأهالي قرية “الرحا” كان حازماً ومعيقاً لمخططات “السلوم”، فقد تواصل عدد من قادة الفصائل المستقلة مع عدة مسؤولين في #الحكومة_السورية لمنع اقتحام القرية، وتمت حراسة الطرق المؤدية إليها من قبل عناصر مسلّحة مستقلة، لعرقلة مرور أي آلية ثقيلة تابعة للدفاع الوطني».

واختتم المصدر سرده بالقول: «وبعد أن ظن أهالي المحافظة أن الأمر انتهى، وأن “السلوم” لن يجرؤ على اقتحام “الرحا”، جاء انذار اللجنة الأمنية في دمشق، في العاشر من الشهر الجاري، بقصف مقرات “قوة مكافحة الإرهاب” في القرية، ليثير الشكوك حول وجود أمر عمليات من جهة إقليمية، هي على الاغلب إيران، بافتعال أزمة كبيرة في “الرحا”، خاصة أن المقرات، التي تحدث عنها انذار اللجنة، هي وحدات سكنية وليست عسكرية، والمطلوب على ما يبدو تحطيم قرية “الرحا” بحد ذاتها، بحجة مواجهة ميلشيا “مكافحة الإرهاب”، ما قد يؤدي لاندلاع حرب عائلية وعشائرية في المنطقة».

 

روسيا ونهاية الأزمة

الناشط الإعلامي “حمزة المعروفي” بيّن لـ«الحل نت» الطريقة التي انتهت بها الأزمة، قائلاً: «اجتمع “حكمت الهجري”، شيخ عقل الموحدين الدروز، في منزله مع “رشيد السلوم”، ويبدو أن الاجتماع لم يكن مثمراً، إذا انتهى بطرد “السلوم” من منزل شيخ العقل، ليتجه “الهجري” بعدها للتواصل مع القيادة الروسية، لوضعها بصورة الأحداث، ويبدو أن هذه كانت الطريقة الوحيدة، التي مكّنت من حماية قرية “الرحا” من القصف».

وتابع “المعروفي”: «من الواضح أن الروس لم يكونوا راضين عن تصرفات حلفاء # إيران في السويداء، فبعد تواصل “الهجري” معهم، خرج رئيس اللجنة الأمنية في دمشق ليؤكد أن إنذاره فُهم بشكل خاطئ، وهو لم يكن ينوي أبداً قصف أي منطقة في السويداء».

وكانت صفحة “الرحا سنديان الجبل” على موقع “فيس بوك”، وهي صفحة محلية متخصصة بأخبار القرية الواقعة جنوبي السويداء، قد نشرت خبراً عن قرار يقضي بـ«منع “رشيد سلوم” من دخول القرية، والمطالبة بإقالته من منصبه، أما بشأن “حزب اللواء السوري”، والميلشيات الموالية له، فتتولى الجهات المختصة معالجة وضعه، دون تدخّل الدفاع الوطني»، مع التشديد على «ضرورة إخلاء القرية من كافة المظاهر المسلّحة، وتحت أي مسمى».

وعادت الصفحة للتأكيد، بتاريخ العاشر من الشهر الحالي، على انسحاب عناصر ميلشيا الدفاع الوطني من القرية، وتسليمهم سلاحهم، وكذلك قيام “سامر الحكيم”، قائد ميلشيا “قوة مكافحة الإرهاب”، بـ«اخلاء مقره في قرية الرحا طوعاً، بكل محبة وتآخي»، حسب تعبير الصفحة.

أياً كانت الأسباب والدوافع التي أدت لكل ما حصل، فيبدو ان أزمة “الرحا” قد انتهت بالتعادل بين “الدفاع الوطني” و”مكافحة الإرهاب”؛ وبين النفوذ الإيراني والنفوذ الروسي، كما أن المجتمع الأهلي ما زال قادراً على الفصل في النزاعات، والتعامل مع مختلف مراكز القوى والنفوذ في الجنوب السوري، ولكن هل سيستطيع الاستمرار بحماية المحافظة من الاقتتال الأهلي لفترة أطول؟ سؤال يقلق جميع أبناء السويداء والمهتمين بشؤون المحافظة.