لماذا تفشل النساء حين يردن الحديث عن أنفسهن؟

لماذا تفشل النساء حين يردن الحديث عن أنفسهن؟

«تصرخ الطبيبة برعب عند خروج المولود “فتاة” وتمرر الطفلة للممرضة، فتندهش الممرضة بدورها وتصرخ أيضاً “فتاة”، فيما الأم تنازع، يستمر المشهد لخمس دقائق والسيدتان تتقاذفان المولودة بين أيديهما مع صراخ متواصل “فتاة.. فتاة… فتاة”، ينتهي المشهد بموت الأم وذهاب الفتاة لمصيرٍ مجهول».

يمثل هذا أحد مشاهد العرض المسرحي الذي حمل عنوان “مسرحية”، والذي عرض مؤخراً في دمشق، ضمن محاولة لنقل واقع المرأة السوريّة وتجسيده على الخشبة، حيث رمزت المخرجة به للرفض الذي تواجهه الفتاة في مجتمعنا منذ لحظة ولادتها، مشهد جمع بين الهزل والمأساة، في إشارةٍ إلى أن لحظة الولادة للفتاة يرافقها لا شعورياً محاولات مستمرة بقتل وجودها وكيانها، ورفضها ككائن مستقل يحق له الحياة كما هو.

لماذا سميت «مسرحية»؟

لجأت المخرجة في العرض إلى العمل بتقنية “مسرح داخل مسرح”، حيث بدأت المسرحية بظهور الممثلات في حالة ضجر، ليخرج صوت المخرجة تطالبهنَّ بالبدء بالبروفات، تبدأ النقاشات حول الأفكار التي من الممكن عرضها، ثم تبدأ الممثلات بمحاولات لتجسيد الحالات المختلفة للمرأة المهمشة «تزويج الفتيات القاصرات والتحرش والاستغلال والابتزاز»، أفكار تطرح بتتابع غير مدروس، دون ترابط أو تبرير للأفعال التي تقوم بها الممثلات على المسرح، وهنا يظهر السؤال هل هذا مسرح غير مكتمل، تحاول المخرجة أن تعرض به كيف تتم صناعة العرض، أم أنه فشل في مقاربة واقع المرأة وتجسيد معاناتها على أرض الواقع؟

ابتعدت المخرجة عن تسمية العرض الذي عملت عليه مع ثلاثة ممثلات واكتفت بكلمة “مسرحية”، والتي بدأت فعلياً بأم توصي ابنتها “القاصر” عما يجب عليها فعله مع زوجها، تسترسل الأم في شرح الأسلوب والذي يعتبر عرفاً عاماً عن طاعة الفتاة لزوجها وخضوعها له ومحاولات إرضائه بجميع الوسائل وتجنب غضبه، الفتاة التي لاتزال تفكر باللعب، تتزوج لتنجب طفلة وتموت في لحظة الولادة، بينما تقف الطبيبة متجاهلة وجودها وألمها، ترتجل محاضرة في النسوية ووجوب حصول المرأة على حقوقها وخروجها من عباءة الرجل، موجهة النصيحة لمساعدتها بالهروب من بيت والدها والعيش وحدها، ثم تتابع المشاهد في مقتطفات من حياة نساء تعرضن للتحرش أو للابتزاز.

المسرح والمرأة

الأفكار موجودة دائماً مطروقة ومكررة، الفن هو وسيلتنا لتكون تلك الأفكار جديدة وطازجة في كل مرة نقاربها أو نحاول اللعب عليها لتغييرها، ليس من الممكن أن نقول ما قيل آلاف المرات ونتوقع أن يكون مؤثراً، فالعقل يهوى اللعب في المساحات الجديدة، ويصيبه الضجر من استهلاكنا المتواصل لذات الأفكار بسطحية، غالباً ما تقع جميع النسويات في هذا المطب من انعدام للتجديد والابتعاد عن البحث في عمق المشكلة، حتى وإن كانت الوسائل مختلفة والقالب فني لطرح قضية المرأة بعيداً عن الحالة النظرية، وهذا ما حدث مؤخراً في عرض “مسرحية”، فما عُرض هو شكل يومي من الممارسات التي نقرأها ونتابعها على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأخبار، الفرق أن هناك ثلاث ممثلات يحكينه دون تجسيد للشخصيات أو القدرة على ملامسة دواخلهنَّ وأدائها في قالب حكاية متكاملة ذات بداية ونهاية وحدث واضح، يبتعد المسرح السوري عموماً عن مقاربة وضع المرأة ورصد حياتها والسلوكيات التي تمارس عليها، وأية محاولة للاقتراب من هذه الموضوعة تحتاج لبحث وعمل جدي كي لا تبدو هزيلة تحمل طابع السخرية وتزيد من الرفض للنسوية ومطالبها، وهذا ما حدث في هذا العرض، فما يفترض أن يسبب للمتلقي إدراكاً لواقع النساء ووعياً لما يعشنه انقلب ليصبح وسيلة للتهكم والسخرية بسبب ثغرات في العمل المسرحي ككل.

المسرح والواقع

هل يمكننا القول إن جميع النساء في سوريا يعانين بنفس الدرجة؟ وهل من المنطقي أن تقابل ولادة فتاة بالذعر ومحاولات التخلص منها؟ تلك أسئلة تتركها لدى المتلقي بعد مشاهدة هذا العرض، فالحياة تغيرت بشكل كبير ولا يمكننا التعميم أو طرح أفكار لا تقارب الحقيقة، يمكن لحياة كل امرأة هنا أن تشكل خامة لعرض مسرحي متكامل، دون الاكتفاء بأخذ مقتطفات من هنا وهناك تعبر عن بعض الحالات الفردية والخاصة، فمعاناة النساء ليست محصورة بتزويجهنَّ مبكراً أو تعرضهنَّ للتحرش والاستغلال، بل هي ممارسات يومية يتعرضن لها بأفعال بسيطة غير مرئية بالنسبة للمجتمع وبكلام أصبح واقعاً من كثرة تداوله عنهن، البحث عن السياق التاريخي الذي تحولت فيه المرأة إلى تابعة ودراسة البنية النفسية لهاته النساء هو ما يخلق رؤية صحيحة أما تناولهن بشكل سطحي و بكلام مستهلك فلن يجدي ذلك نفعاً أو يوصل الرسالة المبتغاة من العمل.

ينتهي العرض بتمرد الممثلات على المخرجة والتي تبين أنها تمارس سلطتها عليهنَّ وتوهمهنَّ أنه لا يمكنهنَّ الخروج من هذا المكان، تبدأ محاولاتهنَّ للخروج من باب أقفل عليهنَّ ويحاولن فتحه فيفتح بسهولة بعد أن بقين حبيسات لوقت طويل خاضعات لأوامر مخرجة العرض، وهذا تلميح مبطن إلى أن قيود النساء بدواخلهنَّ وليس من الخارج أو من الجنس الآخر.

النص غير موجود

يفتقد العرض لفكرة واضحة ذات بداية ونهاية متماسكة ترتكز الأحداث عليها، فهي عبارة عن أفكار مختلفة وضعت في قالب نص، أفكار متداولة ويومية عن ما تتعرض له الفتيات من بيئات مختلفة من اضطهاد من قبل الرجل، لم يذهب كاتب النص والذي هو “للمفارقة” رجل إلى عمق المشكلة ومحاولة تفكيكيها ورصدها بعيداً عن الشعارات والكلام الشائع في هذه القضية، بل لجأ إلى تجميع حالات خاصة وطرحها وكأنها عامة دون الغوص في أعماق كل حالة وخصوصيتها وأسبابها ونتائجها.

لماذا تفشل النساء عندما يقرّرن الحديث عن أنفسهن؟

هناك عدة عوامل مؤثرة تجعل من محاولة كهذه هشة وضعيفة، حيث صورت المرأة النسوية كثرثارة تقول كلاماً لا تدرك معناه، ولا يمكنها سماع صوت غير صوتها أو فهم حاجات النساء اللواتي تدَّعي الدفاع عن حقوقهن، فيما جسّدت بقية النساء كجاهلات غير قادرات على الفكاك من قيودهنَّ ويسلكن سلوكيات غريبة وغير مبررة.

هناك بعض المفاهيم المجتمعية المترسخة والتي ينبغي علينا مقاربتها بحذر وفهم شديدين، وهذا ما تفتقده معظم النسويات هنا، والراغبات بطرح قضية المرأة على الشارع السوري، لا يمكننا الحديث عن معاناة النساء إن لم نشعر بها ونتذوق مرارتها، إن لم نكن مؤمنين بجدوى ذلك وأهميته وتلافي الوقوع في التقليل من شأنه أو معالجته بقالب ساخر.