ماكرون في العراق: هل ستلعب فرنسا دوراً عسكرياً وسياسياً أكبر بعد الانسحاب الأميركي المزمع؟

ماكرون في العراق: هل ستلعب فرنسا دوراً عسكرياً وسياسياً أكبر بعد الانسحاب الأميركي المزمع؟

شارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر بغداد في العراق، الذي انعقد في الثامن والعشرين من شهر آب/أغسطس الحالي، وشارك فيه عدد من قادة دول الشرق الأوسط، مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني عبد الله الثاني.

واكتسبت زيارة ماكرون للعراق أهمية خاصة، باعتبار #فرنسا الدولة الوحيدة المشاركة بالقمة، التي تمتلك مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن قيام الرئيس الفرنسي بجولة خاصة في البلاد، شملت بغداد والموصل وإقليم كردستان العراق، حيث التقى بـ”نيجرفان برزاني” الرئيس الحالي للإقليم، و”مسعود برزاني”، رئيسه السابق.

وصرّح ماكرون من مدينة #الموصل، التي كان تنظيم داعش يعتبرها عاصمته، وتعرّضت لدمار كبير أثناء معارك التحرير: «بغض النظر عن الخيارات التي يتخذها الأميركيون، سنحافظ على وجودنا في العراق لمحاربة الإرهاب»، في إشارة إلى الانسحاب الأميركي المزمع من البلاد نهاية العام الجاري.

فما أبعاد الدور الفرنسي في العراق، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؟ وهل يمكن اعتبار تصريحات ماكرون إعلاناً عن مرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية العراقية؟

 

فرنسا وإقليم كردستان

أسهمت فرنسا ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب، الذي قادته الولايات المتحدة، بمئة وستين عسكرياً، لأغراض تدريبية، إضافة لأربعين جندياً مشاركاً في المهمات القتالية.

إلا إن زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة وتصريحاته بيّنت تواجد قوات خاصة فرنسية في معسكر “غرينير” بمحافظة #أربيل في #إقليم_كردستان، ما أثار استغراب المطلعين على الشأن الأمني العراقي.

وبهذا الشأن يقول الباحث والمحلل السياسي “سلام عبد الله”: «انسحبت القوات الفرنسية العام الماضي بشكل كلي من العراق، بحسب ما تم الإعلان عنه، ولكن لفرنسا علاقات خاصة مع أقليم كردستان، تختلف عن التي تجمعها بالحكومة المركزية في بغداد».

وأضاف في حديثه لموقع «الحل نت»: «تعود هذه العلاقة لعهد الرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسو ميتران”، حين أسهمت “دانيال ميتران”، السيدة الفرنسية الأولى آنذاك، بتأسيس المعهد الكردي في باريس عام 1989؛ ودعمت الحكومة الفرنسية فرض حظر الطيران فوق مناطق الإقليم، بعد قصف مدينة #حلبجة من قبل نظام صدام حسين؛ كما دعمت بشكل مباشر تأسيس برلمان كردستان العراق عام 1992؛ وعززت فرنسا دورها في الإقليم عام 2014، حين ساندت قوات #البيشمركة في حربها ضد تنظيم داعش، وزودتها بشحنتين عسكريتين من الذخائر والصواريخ عام 2016. وهو سبب الترحيب، الذي لاقاه ماكرون خلال زيارته لكردستان، غداة مؤتمر القمة، من منطلق تثمين الدور الذي لعبته فرنسا في علاقتها مع الإقليم».

وذكرت مصادر في المركز الإعلامي لوزارة الدفاع العراقية لموقع «الحل نت» أن «الحكومة المركزية لا تتدخل بعلاقات وزارة البيشمركة في إقليم كردستان، وتعاونها مع الدول الأخرى، خاصة إذا كانت هذه الدول ذات علاقة سياسية طيبة بالعراق، مثل فرنسا».

 

دور فرنسا العسكري

“د.عباس الجبوري”، رئيس “مركز الرفد للإعلام والدراسات الإستراتيجية”، قال لـ«الحل نت» إن «فرنسا لم تسهم سوى بشكل خجول لوجستياً في العراق عام 2014، ضمن التحالف الدولي، الذي ضمّ أكثر من ستين دولة ضد تنظيم داعش».

ويشير عقيد في قوات البيشمركة الكردية، في حديثه لـ«الحل نت»، إلى أن «أغلب القوات الموجودة في قاعدة “غرينير” ذات مهمات تدريبية، في مجال استخدام الأجهزة العسكرية والأمنية المتطورة»، مؤكداً أن «عدد الجنود الفرنسيين في القاعدة لا يتجاوز الأربعين جندياً».

وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه الكامل، أن «القوات الأمنية الكردية بحاجة الى تنمية قدراتها بمساعدة الحكومات الغربية، ما سيساعدها على إحباط العمليات الإرهابية».

وترفض كثير من القوى السياسية العراقية، خاصة الشيعية منها، زيادة أعداد القوات الأجنبية في العراق، ومن ضمنها قوات الدول المشاركة في حلف الناتو، بما فيها فرنسا.

وفي هذا الصدد يعتقد العقيد في قوات البيشمركة أن «البرلمان العراقي يدّعي رفض أي تواجد أجنبي في العراق، رغم أن هناك دعماً إيرانياً واضحاً لبعض الجماعات المسلّحة، التي تشكّل أزمة مستمرة، تؤرق القوات الأمنية العراقية، إضافة لتدخّلها الدائم في الشأن الداخلي والخارجي العراقي». معتبراً أن «العراق بحاجة الى تواجد عسكري أجنبي في هذه الفترة، خاصة مع قرب الانسحاب الأميركي، ولذلك فالدور الفرنسي شديد الأهمية في محاربة فلول تنظيم داعش».

 

الأهداف الاقتصادية للزيارة

وبعيداً عن الجوانب العسكرية المباشرة تُطرح كثير من التساؤلات عن الدور الفرنسي في المجال الاقتصادي، وخاصة ملف إعادة الإعمار، هنا يعتبر “د.عباس الجبوري” أنه «على الرغم من أن دعم العراق، والوقوف الى جانبه من خلال تمويل مشاريع إعادة الإعمار، كان النقطة الأساسية في مؤتمر بغداد الأخير، إلا أن فرنسا لم تبد أي إشارات واضحة حول تعزيز حضورها في هذا المجال».

متابعاً بالقول: «فرنسا لم تساعد العراق سابقاً في مؤتمري الكويت وإسبانيا، لتساعده الآن، إلا أنها تحاول الحصول على مكان ما في الشرق الأوسط، بما أنها لم تنل نصيبها من “الكعكة” حتى الآن، ولذلك سعت في المؤتمر الأخير إلى الاستفادة من بعض الاستثمارات والصفقات، التي يمكن أن تعقد على هامش المؤتمر، خاصة مع حضور أمير قطر، والحديث عن دعم مادي قطري للعراق».

“الجبوري” لا يعتقد أن فرنسا «ستحقق أهدافها، سواء السياسية أو الاقتصادية، بسبب الواقع الإقليمي والدولي الذي يعيشه العراق».

إلا أن الخبير الاقتصادي “عمر سلوم”  يبدي وجهة نظر مغايرة، إذ يؤكد أن «الرئيس ماكرون عبّر عن رغبته بالمساهمة في دعم اقتصاد العراق، عبر إستثمارات مختلفة»، مرجّحاً أن «تكون هذه الاستثمارات في مجال نفط إقليم كردستان، وهو ما لن يتم إلا بتوافق مع حكومة بغداد، عبر وزارة النفط العراقية».

وأشار الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ«الحل نت»، الى أن «النشاط الاقتصادي الفرنسي في العراق لا يقتصر على إقليم كردستان، إذ أجرت شركة “توتال” الفرنسية مباحثات مشتركة مع #الحكومة_العراقية، في شهر تموز/يوليو الماضي، بخصوص استثمار حقول النفط والغاز في محافظة #ديالى، تمهيداً لتنفيذ مشاريع الطاقة والطاقة البديلة».

يُذكر أن الحكومة العراقية قد اتفقت أيضاً مع شركة “ألستوم” الفرنسية على تنفيذ مشروع مترو أنفاق بغداد، وأعلنت انطلاق عمليات بنائه عام 2020، بكلفة مليارين ونصف مليار دولار، إلا أن تنفيذ المشروع لم يبدأ فعلياً، لأسباب متعددة، منها الأزمة المالية التي يعاني منها العراق، وشبهات الفساد، التي لاحقت المشروع.

 

فرنسا والأقليات

علاقة فرنسا بالأقليات الدينية والعرقية في المنطقة عموماً قديمة ومترسخة، ويرى كثير من المراقبين أن حماية الأقليات هي من أكثر النقاط إثارةً لاهتمام الإدارة الفرنسية.

وهذا ما يعتقده أيضاً المحلل السياسي “سلام عبد الله”، الذي أكد أن «فرنسا تلعب دور الحامي لحقوق الأقليات العراقية عموماً، والمسيحيين العراقيين خصوصاً. فضلاً عن اهتمامها بقضايا النساء، فقد ضمّ الوفد المرافق للرئيس ماكرون “ناديا مراد”، الأسيرة الإيزيدية السابقة لدى تنظيم داعش، الحائزة على جائزة نوبل للسلام؛ فضلاً عن الناشطة النسوية الفرنسية المعروفة “كارولين فورست”».

مضيفاً: «النوايا الفرنسية شديدة الوضوح في هذا المجال، خاصة مع تصريحات ماكرون حول رغبته بتمويل المدارس المسيحية الناطقة بالفرنسية في العراق؛ إضافةً لعزمه افتتاح قنصلية لبلاده في مدينة الموصل، التي ما تزال تحوي عدداً من المسيحيين؛ وأحاديثه عن ضرورة إعادة التوازن الطائفي الى العراق، واحترام مجتمعات الأقليات».

وينتقد الباحث هذا التوجه الفرنسي بالقول: «الحكومة الفرنسية تعتقد أنها لها سلطة التدخّل في الشؤون الداخلية، فيما يخصّ الأقليات المسيحية، وهو ما تفعله في #لبنان وفلسطين وعدد آخر من الدول، وتلعب دوماً دور المنافس العلماني لسلطة #الفاتيكان، وهذا أمر مناقض للمبادئ العلمانية».

إلا أن محللين آخرين يؤكدون أن «فرنسا عبّرت عن دعمها ومساندتها لجمع أطياف المجتمع العراقي، وليس فقط المسيحيين والأقليات، وتجلّى ذلك بزيارة الرئيس الفرنسي لمنطقة “الكاظمية” الشيعية في بغداد، ومسجد “النوري” السني في الموصل، إضافة إلى كنيسة “سيدة الساعة”، التي دمرها تنظيم داعش في المدينة. كما أن الرئيس الفرنسي زار المناطق العربية والكردية بشكل متساوٍ، تعبيراً عن احترامه لوحدة النسيج العراقي».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات