تسرب النفط في السواحل السورية ليس الأول ولن يكون الأخير!

تسرب النفط في السواحل السورية ليس الأول ولن يكون الأخير!
التسرب النفطي

في الثالث والعشرين من شهر آب- أغسطس الماضي تسربت كميات من النفط الخام في ميناء بانياس المطل على البحر المتوسط، في ظاهرة لم تكن الأولى من نوعها خلال الأشهر الماضية، لكن الجديد فيها كان حجم النفط المتسرب والذي قدّر بآلاف الأطنان.

وامتد النفط المتسرب إلى الدول المجاورة لسوريا، بعد رصده بصور الأقمار الصناعية، وهو ما نفته السلطات السورية، واعتبرته نوعاً من الفبركة والتزييف.

كثير من التفاصيل لا تزال غامضة من حيث الحجم الحقيقي لكميات النفط المتسربة إلى البحر، بخاصة أن سوريا تعاني من أزمة وقود حادة نتيجة العقوبات المفروضة عليها، وهذا ما يثير تساؤلات عن مصدر النفط وظروف تخزينه، إضافة إلى الكوارث البيئية المحتملة على الحياة البحرية نتيجة التسرب النفطي الهائل.

تسرب نفطي بحجم مدينة نيويورك!

بعد أيام على بدء التسرب النفطي من محطة بانياس إلى البحر، أظهرت صور الأقمار الصناعية وبخاصة التي نشرتها مجموعة “Orbital EOS” أن مساحة البقعة النفطية في البحر المتوسط بلغت حوالي 3.9 أميال مربعة، وهذه البقعة تعادل تقريباً مساحة مدينة نيويورك الأميركية.

لكن صور الأقمار الصناعية لم تكن مقنعة للسلطات السورية التي اعتبرتها مفبركة، حيث قال وزير الكهرباء السوري “غسان الزامل” إن «كمية الوقود المتسربة من محطة بانياس الحرارية إلى البحر لا تتجاوز 4 أطنان».

وأضاف الزامل في حديثه لقناة “الإخبارية السورية” أن «هناك صوراً مزيفة يتم تداولها عن التسرب، والقصد منها التهويل والإساءة»، وفق تعبيره.

بدوره، أكد الرئيس التنفيذي لشركة “ORBITAL EOD” في تصريح لموقع “ميدل إيست آي” أن «التسرب النفطي ينتشر في البحر بسرعة، وصور الأقمار الصناعية التي نلتقطها تشير إلى أن التسرب من مصفاة بانياس لا يزال مستمراً، والكمية المتسربة تقدر بآلاف الأطنان».

طرق تنظيف بدائية!

لا شك أن تعامل السلطات السورية مع حادثة التسرب النفطي كان محط تهكم وسخرية تارة، وانتقاد تارة أخرى، خصوصاً في عمليات إزالة البقع النفطية، حيث انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لعمال يقومون بتنظيف الشاطئ البحري باستخدام أدوات بدائية “المجرفة اليدوية” و”خراطيم المياه” و “العبوات المعدنية والبلاستيكية الصغيرة”.

وبررت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عدم استخدام الزوارق المخصصة لمكافحة التلوث النفطي بأن «المديرية العامة للموانئ تستخدم زورق مكافحة التلوث لرش المواد على البقع النفطية في عمق البحر، والزورق غير مخصص للتعامل في المياه الضحلة، وبالتالي يتطلب معالجة الوضع بالطرق اليدوية»، وفق وصفها.

هذه الطرق البدائية لاقت انتقاداً من رئيس “الجمعية السورية لحماية الثروة البيئية المائية” في سوريا، “أديب سعد” الذي أشار إلى أن «أضراراً كبيرة تترتب على هذه الكارثة البيئية، وسينعكس التلوث بشكل سلبي على الأحياء البحرية والثروة السمكية والسياحة والسكان المحيطين بالمنطقة»، وفق ما نقله موقع(أثر برس).

من جهته، اعتبر عضو الهيئة التدريسية في “المعهد العالي لبحوث البيئة” في جامعة تشرين “تميم العليا” أن «طرق إزالة التلوث المعتمد حالياً خاطئة علمياً، وحذر من الآثار التراكمية للكارثة».

خزانات مهترئة وانسكابات من البواخر الإيرانية

يعتبر ميناء بانياس المصدر الأساسي للوقود والمنتجات النفطية السورية، حيث يتواجد في المدينة خزانات الوقود التي يتم فيها تخزين النفط الإيراني، إضافة إلى المحطة الحرارية، وهي إحدى محطات الطاقة الخمس المسؤولة عن تزويد البلاد بالطاقة الكهربائية، حيث كانت تسد نحو 20% من حاجة سوريا من الكهرباء.

وفي هذا السياق، قال مهندس النفط  “سعد الشارع” إن «حجم التسرب النفطي في ميناء بانياس، يُقدر بنحو 20 ألف طن، وليس كما أعلنت سلطات النظام عن 4 أطنان فقط، فطالما وصل النفط إلى الشواطئ التركية والقبرصية، فذلك يعني أن الرقم أكبر من ذلك بكثير».

وأضاف الشارع لموقع (الحل نت) أن «السبب الرئيسي للتسرب النفطي جاء نتيجة تصدعات ظهرت في الخزانات الغربية من مصفاة بانياس، وهي الخزانات الأولى التي يتم فيها استقبال النفط الخام تجري فيها عملية الترقيد الأولى، ويكون النفط في حالته الخام، وهذا يعني أن مادة النفط تحتوي على مواد كيميائية ثقيلة، وهي بحاجة مستمرة لعملية صيانة وتنظيف دورية، وإلا ستتصدع جدران هذه الخزانات، وهو ما حصل فعلياً وأدى إلى التسرب النفطي بصورته الحالية».

وأكد مهندس النفط أن «طريقة السلطات السورية البدائية في التعامل مع التسرب النفطي الكبير، فاقمت المشكلة، فعمليات تنظيف الشواطئ وحصر التسرب النفطي تحتاج إلى التعامل معها بطريقة هندسية، وهناك سفن متخصصة تعرف باسم الأذرع العائمة لمعالجة التسرب النفطي، وهذه العملية لم تكن ضمن خطط وزارة النفط السورية، ومن المتوقع أن تكون الفترة القادمة أسوء طالما لا يتم معالجة التسرب من الخزانات المهترئة والاكتفاء بحلول إسعافية مؤقتة».

ولم تكن السفن الإيرانية المحملة بالنفط إلى السلطات السورية بعيدة عن حوادث التسرب، حيث نشر مركز ” REMPEC” الاقليمى لمكافحة تلوث البحر المتوسط تقريراً قال فيه إنه «خلال الأشهر الماضية رصدت الأقمار الصناعية انسكابات نفطية حول ناقلات النفط الإيرانية، والتي سببت تلوثاً في ميناء بانياس، لكنها لم تكن بحجم التسريب النفطي الآخير».

وأشار المركز إلى أن «هذه الانسكابات كانت بفعل تعرض سفن إيرانية إلى هجمات مجهولة بعد أن تفرغ الناقلات حمولتها، إضافة إلى التسرب النفطي خلال تفريغ السفن الإيرانية حمولتها لسفن أصغر ومن ثم نقلها إلى ميناء بانياس، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية في شهر حزيران الماضي وجود تلوث قرب محطة توليد الطاقة الموجودة قرب مصفاة بانياس بعد تفريغ مياه الصرف الصحي».

تهديد للحياة البيئية

وعن آثار التسرب النفطي على البيئة، نشر “المعهد العالي للبحوث البحرية” في سوريا تقريراً بعد حادثة التسرب النفطي في المحطة الحرارية في بانياس، وأكد أن «انتشار الفيول على سطح البحر، ومع انجراف البقعة بعيداً وبفعل عمليات التبخر والانحلال والأكسدة الضوئية سيؤدي ذلك إلى أضرار على الكائنات البحرية، ويشكل خللاً على صعيد كيمياء البحر».

وأوضح التقرير أن «أن التلوث يؤدي إلى حدوث السمية الحادة والتي تؤدي بدورها إلى نفوق جماعي للكائنات البحرية في حال تراكم التلوث، أما أثرها على الإنسان فهي تساهم في زيادة الأمراض المناعية والاضطرابات العصبية، وزيادة حدوث طفرات وراثية تؤدي إلى تشكل السرطانات عند الإنسان خصوصاً سرطان الجلد».