“داعش” والقضاء التركي: هكذا عاش قاضي التنظيم حراً يدير متجراً  للطيور في عنتاب

“داعش” والقضاء التركي: هكذا عاش قاضي التنظيم حراً يدير متجراً  للطيور في عنتاب

في بلدٍ مثل تركيا، يقبع معارضون سياسيون وصحفيون في غياهب السجون لسنواتٍ عديدة دون إدانة، في الوقت الذي يسرح ويمرح قادة تنظيم “داعش” ومقاتليه في المدن التركية دون حتى ملاحقتهم قضائياً، بينما تقول أنقرة إنها تحارب الإرهابيين.

إذ يرى مراقبون أن هناك تساهلاً من جانب القضاء التركي تجاه القضايا المتعلقة بعناصر تنظيم داعش، والتي اتسمت بمعظمها بشذوذ قضائي، بعد إثبات إطلاق سراح معظمهم، مستفيدين من تخفيف الأحكام بموجب أحكام (الندم الفعال).

العيش حرّاً في عنتاب

ففي قضية “جمال عبد الرحمن علوي” سوري الجنسية، والذي يُعتقد أنه أمر بحرق جنديين تركيين حتى الموت، بعد أن أَسَرَهُما التنظيم في سوريا، التزمت الحكومة التركية الصمت، رغم الغضب الشعبي على وسائل التواصل الاجتماعي.

واتضح أن “علوي”، الذي يُعتقد أنه كان قاضياً في “داعش”، أو قاضي المحكمة الإسلامية في شمالي سوريا، عاش حراً يدير متجراً للطيور في مقاطعة “عنتاب” الحدودية التركية، بحسب تقريرٍ لـ (Al-Monitor). ولا يزال ملفه قيد التحقيق فيما يتعلق بعملية الإعدام الشنيعة.

وكشف الصحفي الاستقصائي “إسماعيل صايماز” منتصف أيلول الجاري، أن القضاء التركي حاكم “علوي” بعد إلقاء القبض عليه حزيران 2020،  لكن المحكمة في “غازي عنتاب” أفرجت عنه في شهر آذار، في انتظار المحاكمة.

وقضت المحكمة حينها بأنه تم جمع أدلة كافية في القضية، وأن المشتبه به لم يكن في وضع يسمح له بإخفاء الأدلة، مستشهدةً أيضاً بأعذار شخصية وعائلية من قبل المتهم.

فضح القضية

بعد الاحتجاج العام، الذي أعقب تقرير “صايماز”، أُعيد اعتقال “علوي” في الـ 18 أيلول الجاري، ولولا هذا التقرير، لكان “علوي” بالتأكيد سيواصل إدارة متجره في “غازي عنتاب” وربما الانخراط في أنشطة أخرى أقل علنية، بحسب تقرير الموقع الأميركي.

ولو لم يكن الصحفي الشهير “صايماز” هو من فضح القضية، لكان كاتب التقرير الآن وراء القضبان لانتقاده السلطات، كما تظهر القضايا السابقة التي تورط فيها صحفيون محليون.

وعندما أفرجت المحكمة عن علوي في شهر آذار، منعته حينها إجراءات الرقابة القضائية من السفر إلى الخارج، لكن رُفِعت تلك الإجراءات في شهر حزيران، وبعبارة أخرى، حصل “علوي” على فرصة كبيرة لمغادرة البلاد بشكلٍ قانوني.

وتشير حقيقة بقائه في “غازي عنتاب” إلى أنه شعر بالأمان في تركيا، وربما كان يعتمد على تساهل القضاء التركي معه.

وإن كانت التقارير الإعلامية تشيد بمطاردة قوات الأمن والمخابرات التركية أعضاء “داعش” الهاربين بعد هزيمة التنظين في سوريا والعراق، فإن ما يحدث بعد تسليم المشتبه بهم إلى القضاء، قصة مختلفة.

عددٌ قليل منهم فقط ينتهي بهم المطاف خلف القضبان، بينما يُطلق سراح الغالبية بعد الاستجواب. وحتى في حال اتهامهم رسمياً، فإن قلة قليلة منهم ما زالوا وراء القضبان أثناء محاكمتهم.

تركيا آمنة للإرهابيين

أدى قطع العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة ودمشق وغياب التعاون السريع مع بغداد إلى تحقيقات ومحاكمات مطولة. وهكذا، أصبحت تركيا دولة آمنة نسبياً في نظر مسلحي التنظيم الذين ارتكبوا جرائم في سوريا أو العراق.

الافتقار إلى الدعم السياسي للقضايا المتعلقة بتنظيم داعش، قد يكون عاملاً آخراً لإفلات عناصره من السجون، حيث يخضع القضاء التركي اليوم لسيطرة الحكومة إلى حد كبير.

وتتلاشى تصريحات الحكومة العرضية حول محاربة داعش مقارنة بحماستها لتضييق الخناق على المعارضة والنقد السياسي.

علاوةً على ذلك، ظهرت مجموعة منظمة من المحامين الأتراك الذين يتعاطفون مع داعش والحركات المتطرفة المماثلة ويشنون حملات ضد المسؤولين القضائيين بسبب قرارات لا ترضيهم.

وعليه، فإن كل هذه العوامل، تؤدي إلى ضعف في التصدي للتنظيم والجماعات الجهادية العنيفة الأخرى، بغض النظر عن مدى صعوبة محاولة الأمن تعقب المشتبه بهم والقبض عليهم. وقضية علوي هي مثال صارخ عن كيف يمكن أن تؤول إليه أمور الإرهابيين في تركيا.