الرغبة في الإنجاب لدى الفتيات سببٌ آخر للخضوع

الرغبة في الإنجاب لدى الفتيات سببٌ آخر للخضوع

«كلما رأيت طفلاً أشعر بلهفة قوية تجاهه، بدأت هذه المشاعر تجتاحني منذ أن أصبحت في السادسة والعشرين من العمر، عواطف غريبة لا أستطيع وصفها تجعلني أبكي أحياناً فقط بسبب رغبتي بأن يكون لدي طفل».

“هديل العيد” (اسم مستعار)، تبلغ من العمر واحداً وثلاثين عاماً، وهي معلمة في مدرسة ابتدائية تحكي عن رغبتها بامتلاك طفل، وكيف يؤثر ذلك على حياتها، تتابع: «أصبحت الآن في سنّ خيارات الزواج فيه قليلة وصعبة، فلا يمكنني الانسجام مع أي رجل كان من الممكن أن أستلطفه في العشرينات، نعم أفكر بأن أتزوج بأي رجل فقط من أجل الإنجاب، ليس لدي وقت كثير لأضيعه».

ليست “هديل” وحدها، فهناك المئات من النساء اللواتي يفضّلن الزواج بأي رجل على أن يبقين دون زواج ويفقدن فرصة الإحساس بلذة الأمومة وإشباع تلك الرغبة لديهن، حيث أن غريزة الأمومة تعتبر غريزة عميقة لها أبعاد نفسية على المرأة من الصعب الإلمام بها وإحاطتها، وقد تدفع هذه الغريزة النساء في بعض الأحيان للمجازفة والزواج فقط للتمتع بها وتجربها، دون أن تؤخذ بالحسبان العواقب التي قد تترتب على مثل هذا الزواج.

اختلاف الرغبة بين الجنسين

لا يمكننا نفي وجود هذه الرغبة بالإنجاب لدى الرجل، فالتكاثر جزء من طبيعتنا كبشر، وهناك عومل عديدة تدفعنا لاشعورياً باتجاهه، لكن من المؤكد بأن هذه الرغبة تتملك النساء بشكل أكبر وخاصة في إحدى مراحل حياتهنَّ بقوة، لتؤثر على قرارتهنَّ وتعاملهنَّ مع الظروف فيما يناسب تحقيق تلك الرغبة وإغفال الجوانب الأخرى، يحكمهنَّ في ذلك العمر البيولوجي للإنجاب والذي هو قصير مقارنة بالرجال، بالإضافة لعدم إمكانية إنجاب أطفال خارج إطار الزواج فيما يستطيع الرجل ذلك.

عالم الأمومة هو عامل نفسي غير موجود لدى الرجل، وقد تعاني المرأة من مشاعر أمومية مفرطة ليصبح هدفها في الحياة هو الإنجاب والذي تدفعها إليه غريزتي البقاء والموت، فهي بحاجة لشعورها بالبقاء واستمرارها بجزء منها يكبر أمامها وخوفها من الوحدة والموت، ورغبتها بالخلود يجعلها بحاجة لإنجاب أطفال يملؤون حياتها ويشعرونها بأهميتها، وقد تكون رغبة الإرضاء الجنسية متحولة في بعض الأحيان للرغبة بالحفاظ على النوع، فهذا الترابط بين الوظيفتين الجنسية والإنجابية يجعل من الصعب على المرأة فهم حاجتها وتفكيك التعقيد الموجود في طبيعتها البيولوجية أساساً.

الدوافع والمعوقات

«من الممكن أن أتزوج من أجل الإنجاب فقط في مرحلة معينة من عمري، وهذا يتبع لعدة عوامل، فإذا لم أستطع إيجاد شريك مناسب وبدأت أتقدم بالعمر أكثر سأتزوج من أجل الإنجاب، وأشعر بنفسي بأنني أستطيع أن أربي طفلي كما أشاء في حال لم تنجح العلاقة أو تستمر».

“عبير ممدوح” (اسم مستعار)، متخرجة من كلية الصيدلة، تتحدث عن إمكانية زواجها من أجل الأطفال، وتضيف: «هناك أسباب كثيرة تدفع الفتاة في المجتمع السوري للتفكير بهذا، فالأوضاع الاقتصادية العامة تجعل الرجال غير قادرين على التفكير بالزواج، بالإضافة لوجود معدل عالٍ من النساء العازبات، والنساء يخشين دائماً من تقدمهنَّ في العمر، فيلجأن للزواج، وخاصةً في سن ما بعد الثلاثين بهدف الإنجاب».

تختلف الدوافع بين امرأة وأخرى، إلا أن فكرة الزواج من أجل الإنجاب أصبحت موجودة في المجتمع السوري، بغض النظر عن سلبياتها، لكن الظروف العامة تدفع بالنساء لاتخاذ مثل هذا القرار، “لمى حسين” في السابعة والثلاثين من العمر تعمل محاسبة مالية في إحدى المؤسسات، تقول: «مؤخراً عرضت على أحدهم الزواج، ما كان يدفعني لذلك هو خوفي من أن أكبر أكثر دون أن أنجب وأبقى وحيدة، كان لقراري أسباب عدة، منها شعوري بالعجز عن العيش مع عائلتي وقناعتي بأنني سأبقى وحيدة، بالإضافة لذلك أعيش حالة مادية جيدة ولدي منزل وهذا جعلني أفكر بالأمر، قوبل طلبي بالرفض، ومع ذلك مستعدة للزواج بأي رجل لأشعر باستقرار وأنجب أطفالاً».

قد تتزوج الفتاة برجل مطلق أو أرمل أو متقدم في العمر من أجل الإنجاب، دون أن تفكر بطبيعة العلاقة بينهما وما الذي يمكن أن تكون عليه، وما تأثير ذلك على الأبناء، قد يبدو قرار مثل هذا عادياً بالنسبة للعلاقات الأسرية الموجودة في المجتمع السوري، والتي تنشأ بمعظمها من زواج تقليدي وعلاقة سيطرة من قبل الرجل وتبعية المرأة له، لكن ما يجب أن تأخذه النساء اللواتي يقررن الزواج بهدف الإنجاب بعين الاعتبار، هي الإمكانيات التي لديهنَّ لحماية هذا الطفل والقدرة على تربيته دون أن يكون ضحية لزواج لا يمتلك كامل الشروط لتأسيس عائلة متوازنة.

الإنجاب الفردي

تلعب الظروف الاجتماعية والاقتصادية دائماً عاملاً مهماً في عملية التكاثر، فبعض الحالات تتطلب إنجاب مزيد من الأبناء وفي حالات أخرى العكس، لكن هل يؤثر ذلك على رغبة المرأة في الأمومة؟ يبدو ذلك صعباً عندما يهيمن هذا الشغف العميق والمدعو “أمومة” على الحالة الشعورية للمرأة، وتصبح غير قادرة على تخطيه أو رفضه، فهو ينبع من مكان عميق في داخلها يتحكم بأفعالها ويجعلها عاجزةً عن التحكم به، لذلك تلجأ النساء دون شعور منهنَّ بالقبول بأي زواج مهما كان شكله، قد يلبي هذه الرغبة بداخلهن، ويمنحهنَّ ذلك الإحساس بالخلود والبقاء، في ذات الوقت تلجأ بعض النساء في مجتمعات أخرى للإنجاب الفردي وهو الحصول على طفل من غير زواج، عن رأي المجتمع والفتيات بذلك في مجتمعنا، تقول “سهى سالم” (اسم مستعار)، وهي فتاة غير متزوجة في التاسعة والعشرين من العمر: «لا يمكن لذلك أن يكون مقبولاً أو حتى صحياً في مجتمعنا، فحتى الأبناء الذين يولدون لزوجين متحابين لا يستطيع هذان الوالدان في معظم الأحيان تربيتهم بشكل سليم، ماذا لو كانت امرأة وحدها تقرر إنجاب طفل وتربيته، من الصعب أن ينتج هذا الإنجاب حالة إنسانية صحية، في المجتمعات الأخرى لا تقوم النساء بخطوة كهذه حتى يتأكدن من قدرتهن على ذلك، لا يمكن لنساء ما زلن تابعات أن يفعلن المثل».

هنا يلعب وضع المرأة بشكل عام دوراً كبيراً فيما يمكنها فعله وتجربته، فالإنجاب الفردي مرفوض دينياً ومجتمعياً، ولكننا لا يمكننا إغفال هذه الحاجة لدى الفتيات اللواتي لم يحصلن على زواج وبدء يتقدم بهنَّ العمر، ما الحلول التي يمكن أن تقدم لهن، وكيف من الممكن مساعدتهنَّ في توجيه هذه المشاعر باتجاه صحيح، وهل يعتبر الزواج من أجل الإنجاب حلاً ناجحاً لذلك، خاصة وأنه سيؤدي بالمرأة لتقبّل أي نوع من الاضطهاد بسبب قرارها هذا والخضوع لممارسات الزوج وأفعاله؟

من المؤكد أن الموضوع بحاجة إلى بحث عن حلول أكثر سلامة وراحة، تبقى مواضيع كهذه مغيبة ومن الصعب طرحها، لكنها موجودة وبكثرة في المجتمع السوري، وغالباً ما ينتج عنها أزمات نفسية وشعورية لدى النساء، وتركهنَّ حبيسات أنفسهنَّ يعانين من حاجة ملحة للشعور بأمومتهنَّ ولا يجدن متنفساً لها، فيصبحن عصابيات منكمشات على أنفسهنَّ يعشن حياتهنَّ بوجود ضئيل وحزين.