ماهية محركات الدور التركي قبل الثورة؟

ماهية محركات الدور التركي قبل الثورة؟

لعبت تركيا دورا محوريا في الشأن السوري منذ قرابة عقدين من الزمن، أي منذ المرحلة التي سبقت الموجة الثورية الأولى، حيث كانت تركيا حليفا رئيسيا لنظام الأسد في المرحلة التي سبقت الثورة، بينما أصبحت بعد أشهر الثورة الأولى أحد أهم الدول التي تعارض نظام الأسد. وهو ما يجعلنا أمام مسار طويل ومعقد من التدخلات التركية في الشأن السوري، مسار يبدو للوهلة الأولى متعرجا بين النظام والمعارضة، في حين يكشف التدقيق به عن حقيقته المباشرة وربما الفجة أيضا، وهو ما سوف نحاول تسليط الضوء عليه، من خلال التدقيق أولا في توجهات الدور التركي قبل وبعد الثورة.
حملت السنوات التي شهدت تقاربا بين النظام التركي والسوري عديد المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كفتح الأسواق أمام مختلف السلع التركي التي غزت الأسواق المحلية بسرعة البرق حتى تمكنت من الإطاحة بأعرق الصناعات السورية ولاسيما الخشبية “الموبيليا” و القماشية. إذ بلغ حجم التبادل التجاري السوري- التركي 2 مليار دولار في العام 2010، والذي كان متوقعا له الارتفاع خلال بضعة سنوات حتى يصل إلى 5 مليار دولار وفق تصريحات أردوغان. في حين بلغ التبادل التجاري السوري الإيراني عام 2010 أقل من 600 مليون دولار، وكذلك نجد على صعيد الاستثمار الخارجي مشاركة إيران في العام 2010 كثالث أكبر مستثمر في سورية بعد كل من السعودية وتركيا الأكثر استثمارا.
كما ساهمت تركيا في رسم العلاقات والسياسة الخارجية السورية، لاسيما تجاه الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، إذ لعبت تركيا دورا وسيطا مع كل منهما، بغرض تطوير علاقاتهما مع نظام الأسد عبر السعي إلى توقيع اتفاق شراكة سورية أوروبية مع الأول، والتوصل إلى اتفاق سلام مع الثانية. طبعا فتح تأثير تركيا الاقتصادي والسياسي الباب أمامها للتدخل أيضا تشريعيا، كما في التشريعات المتعلقة بالشأن الاقتصادي وذات التأثير على أهداف السياسية الخارجية السورية والتركية، مثل إقرار ضريبة الرفاهية، وقانون حظر التدخين في الأماكن العامة. وصولا إلى تغيير دور الدولة الاجتماعي والتنموي من خلال تحرير الأسواق ورفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية، وشبه رفعه عن المواد التموينية الأساسية، من خلال تقليص كمياتها وتقنين توزيعها، وصولا إلى البدء في خصخصة القطاع الطبي والتعليمي التي كانت جارية على قدم وساق.
أما بخصوص سياسات النظام الداخلية، لم تؤثر تركيا في المرحلة التي سبقت الثورة على سياسات الأسد الداخلية، من حيث الحريات العامة والمناخ الديمقراطي، وإن لعبت دورا وسيط بين النظام وتنظيم الإخوان المسلمين، وتم تداول بعض الأنباء حول تحقيق تقدم واضح في هذا الشأن، تقدم قد يفتح المجال أمام تنظيم مشاركة الأخوان في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية. كما شهدت الساحة الداخلية السورية بعض التحولات الدالة على ذلك، من خلال زيادة دور مؤسسات وشخصيات دينية في المجالات التوعوية والخيرية وأحيانا في مجال الخطاب والحضور السياسي الهامشي كما في الانتخابات البرلمانية مثلا، إذ عملت غالبيتها على رسم علاقة جديدة و تحالفية بين تيار الإسلام السياسي في سورية ونظام الأسد المسيطر على زمام الحكم منذ سبعينات القرن المنصرم.
طبعا لم يخلو النفوذ التركي في سورية من مظاهر التدخل في رسم حدود سورية الجغرافية وفي التأثير على تماسك بنيتها الاجتماعية، والتي بدأت منذ انصياع نظام الأسد للضغوط التركية المطالبة بتسليم الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، حيث وقعت تركيا وسوريا في العشرين من أكتوبر 1998 اتفاق أضنه الجديد، الذي أجبر حافظ الأسد على طرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني من قاعدتهم في سوريا، وفي ترحيل عبد الله أوجلان، ما ساهم في مساعدة تركيا على اعتقاله في كينيا في شباط/ فبراير من العام التالي. طبعا لم تقتصر اتفاقية أضنه على ذلك فقط، بل نصت في ملحقها الثالث على” يعتبر الطرفان أن الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أياً منهما ليس له أية مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر”، ما يمثل تنازل صريح عن جزء من الأراضي السورية وبالتحديد عن لواء وخليج اسكندرون، الأمر الذي ترافق مع تعديل خرائط سورية بما يتوافق مع الاتفاق،كما في المناهج التعليمية والمطبوعات الرسمية، أي بعد اقتطاع لواء وخليج اسكندرون منها.
في حين نص المحلق الرابع على” يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في الاتفاق، يعطي تركيا الحق باتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم”، وهو ما منح الحكومة التركية اليوم ذريعة قانونية لشن حملاتها العسكرية العدوانية، وقضم مزيد من الأراضي السورية، بل وتهديد السلم الاجتماعي السورية عبر انتهاك حقوق جزء من البنية الاجتماعية السورية التاريخية؛ كرد سورية؛ انطلاقا من مصالح الطبقة المسيطرة في تركيا الأمنية والاقتصادية والسياسية ودون أي اعتبار لمصالح وتطلعات الشعب السوري بكافة تنوعاته.
من كل ذلك نجد أن بدايات الدور التركي في سورية تعود إلى نهاية القرن المنصرم وبالتحديد إلى ما بعد اتفاق أضنه، الذي مهد لتوغل تركي في السنوات القليلة التي أعقبته بعد توقيع اتفاق التجارة الحرة في العام 2004. ونلاحظ من التدقيق في الدور الذي لعبته تركيا في هذه الفترة تبعاته السلبية على جميع الأصعدة، من أثاره الاقتصادية التي وجهت ضربة قوية لأهم القطاعات الإنتاجية السورية، كصناعة الأنسجة والأثاث المنزلي، إلى الزراعة والصناعة عامة لاسيما بعد رفع الدعم عن المحروقات، الأمر الذي ساهم في إغلاق العديد من الورش والمعامل أو إلى تقليص إنتاجها وبالتالي عدد العاملين بها، كما ساهم في تراجع الصادرات الزراعية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد الهجرة نحو المدن.
وصولا إلى أثار التدخل التركي السياسية ولاسيما على الصعيد الخارجي، إذ رعت تركية توجهات نظام الأسد الساعية إلى الانخراط في النظام العالمي، وسعيه من أجل توقيع اتفاق سلام مع الدولة الصهيونية على حساب مصالح الشعب السوري، وتحقيق التقارب والتماهي مع التوجهات الأوروبية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر البوابة التركية طبعا. الأمر الذي فاقم التناقضات الاجتماعية السورية وراكمها حتى باتت دافعا ومحرضا للاحتجاج والاحتقان الاجتماعي والسياسي داخل سورية، الأمر الذي مهد الطريق أمام انفجار الحركة الثورية وامتدادها على مساحات جغرافية واسعة وبمشاركة كتلة اجتماعية وازنة إن لم تكن الكتلة الأكبر.
طبعا لا يعني ذلك إعفاء نظام الأسد من مسؤولياته تجاه أوضاع سورية الكارثية، بل هو المسؤول الأول والرئيسي عنها، لكن ما يعنينا من استعراض حقائق ومعطيات الدور التركي في سورية قبل الانفجار الثوري، هو مسارها وأهدافها الساعية إلى تحقيق مصالح الطبقة المسيطرة في تركية على حساب مصالح الشعب السوري وربما التركي، أي لم تكترث تركيا بمصالح الشعب السوري قبل الثورة بل على العكس ساهمت توجهاتها واشتراطاتها السياسية والاقتصادية في تأزيم الوضع السوري ومضاعفة المشاكل والأزمات الداخلية، ما سرع من انفجار الكتلة الشعبية. الذي حمل معه؛ أي الانفجار الثوري؛ تبدلا في مواقف النظام التركي داخل سورية.
ما يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذا التبدل، بمعنى هل أحدثت الثورة السورية تغيرات جذرية في أولويات وتوجهات النظام التركي، أم يمكن اعتباره تبدلا شكليا لا يمس جوهر التوجهات التركية التي سبقت الثورة؟

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة