معاناة جديدة لسكان دمشق.. أزمة قريبة في توفير المياه

معاناة جديدة لسكان دمشق.. أزمة قريبة في توفير المياه
أستمع للمادة

يعاني “أبو أحمد” الذي يقيم في دمشق من عدم وصول مياه الشبكة الرئيسية إلى شقته في الطابق الرابع، فيما ذهبت جهوده سدى، في تشغيل “شفاط الماء” بسبب عدم تزامن تقنين الكهرباء مع تقنين المياه، ما يضطره للاعتماد على مياه الصهاريج التي تستهلك ربع راتبه الشهري.

يمثل أبو أحمد شريحة واسعة من سكان العاصمة، خاصة قاطني الأبنية الطابقية الذين ستزداد معاناتهم أكثر، في ظل مقترحات للحكومة السورية تتعلق بفرض ضرائب كبيرة على مخالفات استخدام المياه مثل تشغيل مضخات السحب الكبيرة (شفاطات المياه المنزلية)، غسيل السيارات، سقاية المزروعات، وتغيير ملكية العداد، إضافة للتأخر عن دفع الفواتير المتراكمة.

تفاقم كارثي للأزمة

ارتفعت ساعات التقنين التي طالت ضخ مياه الشبكة الرئيسية، في عشوائية غير مبررة تنتهجها الحكومة لإيصال الماء إلى أحياء محددة بشكل دائم تقريبا، فيما يشكو سكان بعض الأحياء الدمشقية الأخرى من طول فترة التقنين التي قد تصل إلى أيام متواصلة.

ومن المفترض بحسب مقترحات وزارة الموارد المائية فرض ضرائب على ما تسميه الحكومة حالات استخدام غير مشروع للمياه، ومن أبرز هذه الحالات استعمال مضخات المياه التي تدعى محليا بـ”الحرامي”، والتي يلجأ إليها السكان لإيصال الماء إلى الطوابق المرتفعة لكنها تساهم أيضا في منع وصولها إلى المنازل التي لا يستخدم أصحابها هذه المضخات.

يقول محمد العبد الله، الباحث في مركز عمران للدراسات ل”الحل نت”: “يمكن النظر إلى إجراءات الحكومة بهذا الخصوص من زاويتين أولاهما محاولتها منع استجرار كميات كبيرة من المياه من خلال هذه الشفاطات التي تؤدي إلى خلل في توزيع المياه بين الأحياء السكنية، وبالتالي تفادي تزايد السخط الشعبي من عدم توفر المياه خاصة في الأحياء العشوائية والفقيرة في أطراف العاصمة، أما الزاوية الأخرى فتتعلق بالتمهيد لرفع أسعار المياه “.

رغم تدهور جودة المياه من الشبكة الرئيسية وانقطاعها لفترات طويلة بسبب التقنين، إلا أنها تبقى مصدرا أساسياً لكثير من العائلات ذات الدخل المحدود غير القادرة على شراء المياه من الصهاريج، أو المياه المعبأة مع الارتفاع المتزايد في كلفتها.

وتفيد مصادر محلية من دمشق لـ”الحل نت” بأن أسعار صهريج الماء يصل إلى 20 ألف ليرة سوريّة، فيما يضطر السكان المحرومون من مياه الشبكة الرئيسية إلى شراء مياه الشرب من صهاريج خاصة تبيع كل 5 لتر ب100 ليرة سورية. أما شراء العبوات الجاهزة التي تنتجها الشركة العامة لتعبئة المياه (بقين،الفيجة) والتي تجاوز سعر الليتر الواحد منها خلال أزمة مياه الشرب في الصيف الماضي 1000 ليرة، فهي خارج القدرة الشرائية للمواطن بمراحل عديدة.

رفع أسعار المياه في سوريا

لا يستبعد المراقبون أن تقوم الحكومة برفع تسعيرة المياه أسوة بالمواد الأساسية الأخرى ورفع الدعم عنها لأسباب ترتبط بالضائقة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة ومحاولة البحث عن أي مصادر للإيرادات.

وبالتالي يمكن النظر إلى أزمة المياه في دمشق وريفها إلى كونها امتداد للأزمات الأخرى التي يعيشها المواطنون. ويمكن عدها أيضاً بمثابة أداة تحاول الحكومة من خلالها الضغط على المجتمع الدولي للتخفيف من العقوبات المفروضة عليه وإعادة قبوله مع التدهور المتزايد في الخدمات الأساسية في مناطقه وازدياد المعاناة الإنسانية للمدنيين.

يوضح الباحث الاقتصادي سمير طويل خلال حديث لـ”الحل نت” بأن أزمة الكهرباء ووصول فترات انقطاعها إلى مستوى غير مسبوق انعكست سلبا على ضخ مياه الشبكة. مضيفا أن تراكمات الفشل في إدارة ملف المياه يحفز الحكومة كل فترة من الزمن على فرض ضرائب أو المبالغة في حجم ضرائب سابقة إضافة لفرض قوانين صارمة وتنشيط قوانين قديمة تتعلق بسوء استعمال المياه، وصولا إلى رفع أسعار المياه التي تضخ عبر الشبكة الرئيسية.

تدني حصة المواطن السوري من المياه

ساهمت مواسم الجفاف المتعاقبة التي مرت على سوريا في تفاقم أزمة المياه. وتفيد دراسة صادرة في العام 2015 عن مركز عمران للدراسات أن سورية تصنف ضمن الدول التي تعاني أزمة مياه تتمثل في ندرة مواردها المائية وتدني جودتها وانخفاض حصة الفرد السنوية من المياه دون الحد العالمي 1000م3 ،وقد ساهمت السياسات التي اتبعتها الحكومة في تعميق الأزمة نتيجة فشلها في تنمية الموارد المائية وترشيد استخدامها.

يرى الباحث محمد العبد الله، مُعد الدراسة أن عوامل عديدة ساهمت في خلق الأزمة. فخلال الأعوام الماضية وبسبب الآثار التي خلفها النزاع على البنية التحتية تضررت الموارد المائية بشكل كبير وازداد الفاقد المائي نتيجة لتعطل شبكات المياه والمضخات وسرقتها والاستجرار غير المشروع للمياه الجوفية، إلى جانب هجرة الخبرات الفنية في مجال المياه إلى خارج القطر. كل هذه العوامل وغيرها أثرت بشكل حاد على توفر المورد المائي وتنميته بالشكل المناسب للسكان.

قيام الحكومة السورية خلال الأعوام الماضية باستخدام المياه كسلاح موجه ضد معارضيها من خلال حرمان بعض المناطق من المياه كما حدث في عين الفيجة وغيرها من المناطق بعد قيامه بتدمير الشبكات والمضخات وتخريبها، أدى إلى خسائر تقدر بملايين الدولات. وهذا ما يظهر جلياً في عدم قدرة الحكومة على استعادة المرافق المائية قبل عام 2011، بسبب الكلفة المادية المرتفعة لإعادة تأهيلها. وعدم قدرتها أيضاً على تنفيذ مشاريع مائية جديدة لسد الاحتياجات المائية الحالية رغم وعوده المقدمة في هذا الصدد. بحسب الباحث محمد العبد الله.

في السياق، تؤكد المعلومات التي أوردتها “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” إلى أن النزاع الدائر في سوريا أدى إلى تدمير مرافق المياه في أنحاء البلاد. حيث “يشكل الحصول على مياه الشرب المأمونة تحديًا يؤثر على ملايين الناس في أنحاء سوريا، التي أصبحت الآن تعاني من نقص في مياه الشرب بنسبة تصل إلى 40 بالمئة، عما كانت عليه قبل عقد من الزمان”.

مكاسب الحكومة السورية من الموارد المائية

تسعى الحكومة السورية للاستفادة اقتصادياً من الموارد المائية، وذلك من خلال وجهة نظر ابتزازية تنظر إلى المياه كأي سلع أخرى يمكن الاتجار بها وتحقيق مكاسب مادية كبيرة.

يلمح سمير طويل، إلى سياسة التربح التي تنتهجها الحكومة السورية من استثمار مياه نبعي الفيجة وبقين في مجال إنتاج المياه المعبأة وتصديرها نحو الخارج فضلا عن طرحها في السوق المحلية. ويضيف أن أسعار المياه المعبأة تعد مرتفعة جدا ما يجعلها تدر مكاسب مادية جيدة لخزينة الحكومة.

من جانبه، يشير الباحث، محمد العبد الله، إلى أن الحكومة تحاول عبر شبكاتها الخاصة في دمشق وريفها تعظيم الاستفادة المادية من هذه السلعة لدعم الخزينة ولكن على حساب معاناة المواطنين.

“حصرت الحكومة استثمار مياه الينابيع وتعبئتها من خلال الشركة العامة لتعبئة المياه، كما تحكمت بأسعارها التي ارتفعت بشكل مطرد خلال الأعوام الماضية، وكذلك حصرت توزيعها عبر صالات المؤسسة السورية للتجارة، كما رفضت الحكومة في عام 2018 السماح بدخول القطاع الخاص إلى الاستثمار بتعبئة مياه الشرب، ما يؤشر لوجود احتكار واضح للاستفادة المادية من إنتاج هذه السلعة وبيعها والتحكم في أسعارها”.

يؤكد العبد الله أن تجارة المياه عبر الصهاريج المنتشرة لبيع المياه في المحافظة وريفها ترتبط بمجموعة من الشبكات التي تمتلك صلات بالحكومة ما يؤكد انتفاعها من هذه التجارة. وبالتالي: علاقة الحكومة بأزمة المياه وحرصها على استمرارها.

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار اقتصادية