مصارف التمويل الصغير في سوريا: لتنشيط الاقتصاد المتهالك أم لغايات إيرانية؟

مصارف التمويل الصغير في سوريا: لتنشيط الاقتصاد المتهالك أم لغايات إيرانية؟
أستمع للمادة

يُلمح مراقبون إلى وجود أهداف خفية تقف خلف خطط الحكومة السورية لتعزيز دور مصارف التمويل الصغير، والتي تم إطلاقها عبر القانون رقم 8 بداية العام 2021، حيث تمنح هذه المصارف قروضا تشغيلية للأفراد المنتجين بقيمة تصل إلى أكثر من 15 مليون ليرة سورية.

وفيما أعلن مصرف بيمو الفرنسي-السعودي عن إطلاق خدمات التمويل الصغير، مؤخرا، يشير المراقبون إلى أن بعض الأهداف من وراء المضي في منح التراخيص لهذا النوع من البنوك تتمثل في استقطاب التمويل الخارجي من خلال البعد الإنساني، في حين لا يمكن نفي استفادة الحكومة وأمراء الحرب من المصارف كقنوات لتبييض الأموال التي جمعت على مدار سنوات الحرب الطويلة.

وأعلن عن تأسيس مصرف “بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر”، في نيسان/أبريل 2021 بهدف تقديم قروض تشغيلية لأكبر شريحة ممكنة من صغار المنتجين، وأصحاب الأعمال الصغيرة ممن يستطيعون ممارسة عمل اقتصادي وإقامة مشاريع جديدة أو التوسع بمشاريع قائمة. وأطلق البنك خدمات التمويل الصغير في مقره الرئيسي بريف دمشق مؤخرا.

ويعد المصرف ثالث البنوك التي أطلقت ضمن قطاع التمويل الصغير، ويمنح إلى جانب مؤسستي “التمويل الصغير الأولى”، و”الوطنية للتمويل الصغير”، قروضاً تشغيلية للأفراد المنتجين بقيمة متناهية الصغر تصل لحدود الـ15 مليون ليرة سورية بكفالة أو دون كفالة، مع إعفاءات من جميع الرسوم على كل العقود أو العمليات مع المصرف، وهو ما يقلل من كلفة القرض.

محاولة لاستقطاب التمويل الخارجي

يقرأ محمد العبد الله وهو باحث اقتصادي في مركز “عمران للدراسات” خلال حديث لـ”الحل نت” العمل على فكرة التمويل الصغير في سوريا من زاوية أنها محاولة لتحفيز بعض الجهات الداعمة الخاصة والدولية والحكومية لتقديم الدعم المالي لهذه المؤسسات، وبالتالي استقطاب التمويل الخارجي من خلال البعد الإنساني، على اعتبار أن هذه المصارف هي كيانات خاصة ذات بعد تنموي واجتماعي وغير تابعة للحكومة وغير خاضعة للعقوبات الدولية، والتمويل المقدم لها سيوجه لدعم الفئات الفقيرة والمستضعفة من المجتمع، وبالتالي تخفيف أثر التداعيات الاقتصادية والأزمات التي يعيشها السكان في مناطق الحكومة.

من جانب آخر، يشير العبد الله إلى أن هذا القانون قد يمثل خطوة متقدمة على صعيد عملية إعادة الإعمار، فالحكومة تحاول جاهدة إشاعة حالة الاستقرار في مناطقها وأن الوقت قد حان للبدء بالخطوات الأولى لهذه العملية. حيث تمثل مصارف التمويل الصغير إحدى الممكنات الأساسية لعملية إعادة الإعمار في مراحلها الأولى المتمثلة بالتعافي المبكر بغض النظر عن حجم التمويل المتاح لديها أو المؤشرات الاقتصادية المتردية التي تعيشها مناطق سيطرة حكومة دمشق. وبالتالي صدور قانون الترخيص لها في هذا التوقيت قد يكون فرصة استثمارية مستقبلية لحلفاء الحكومة في الداخل والخارج عند البدء الفعلي لعملية إعادة الإعمار والاعتماد الكبير على أنشطتها.

هل هناك أهداف خفية؟

في ذات الوقت، يمكن أن تأخذ نوايا الحكومة السورية منحى آخر، يتنافى مع الهدف المعلن وهو تحقيق الاستفادة المالية لأكبر شريحة ممكنة من صغار المنتجين وأصحاب الأعمال الصغيرة.

يشير العبد الله إلى أنه “لا يمكن تجاهل مآرب الحكومة من السماح بتأسيس هذه النوعية من المصارف وإعادة التجربة السابقة لوكالة الأونورا، والتي استطاعت عبر أجهزتها الأمنية من الاستفادة بشكل كبير من القروض المتناهية الصغر التي كانت تمنحها الوكالة”.

كان للقروض تلك، لها دور بارز في تمويل أجهزة الأمن السياسي والمخابرات العامة قبل وبعد عام 2011، حيث أسهمت القروض المتناهية الصغر التي منحت للعاملين في القطاع الأمني من تمكينهم اقتصادياً وصمودهم في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. يضيف العبد الله أن “هذا ينسحب أيضاً على مختلف المنظمات التي تبوأت العمل الإنساني كمنظمة البستان والأمانة السورية للتنمية، والتي قدمت التمويل المتناهي الصغر للأفراد الموالين للحكومة”.

في السياق، لا يستبعد الباحث أن تكون هذه المصارف كقنوات لتبييض أموال الشبكات المرتبطة بالحكومة والتي جمعت مبالغ طائلة من التهريب والاتاوات وغيرها من طرق الكسب غير المشروع. وبالتالي محاولة منها لتمويه مصادر كسبها هذه عبر الاستثمار في مثل هذا النوع من المؤسسات الموجهة للنشاط التنموي.

سوق مناسبة لهذا النوع من المصارف

في ظل الجمود التجاري، وحالة التردي التي يعاني منها الاقتصاد السوري، لم لا يكون الإعلان عن إطلاق مصارف التمويل الصغير مناسبا لقدرة السوق ومدى تحملها؟

يقدم خالد التركاوي الباحث الاقتصادي في مركز “جسور للدراسات” قراءة مؤيدة للفكرة، منطلقا من أن القضية برمتها لا تتعلق بشيء مخفي وإنما بقدرة السوق الصغيرة، التي تناسب هذا النوع من المصارف.

ويضيف التركاوي خلال حديث لـ”الحل نت” بأنه “لم يعد هناك تجار كبار كثر في الأسواق ولا مؤسسات تقترض بقروض ضخمة، القروض كلها اليوم لشراء مولدة وتجهيزات كهربائية وعدة عمل وفي أحسن أحوالها قد تصل لتمويل جزء من ثمن المنزل. تشجيع المهن والشركات الصغيرة هو المطلوب وأعتقد أن هذا قرار المصارف الخاصة وليس قرار الحكومة”.

يتابع التركاوي أن المصارف التي تحولت بموجب القانون كمصارف للتمويل الصغير تستفيد من هذا القانون كونها لا تجد عملا في المجال المصرفي التقليدي، أي أنها تحاول التأقلم مع السوق. مضيفا أنه يتوقع أن الطلب عليها لن يكون كبيراً بسبب نوعين من المخاطر تتعلقان بانخفاض قيمة العملة، و طبيعة السوق، وبالتالي حتى خطوة التحول هذه قد لا تكون مجدية ولكن قد تغطي على الأقل مصاريف بعض المصارف العاملة في سوريا.

من جانبه يوضح محمد العبد الله أنه ومن وجهة نظر اقتصادية، تلعب مؤسسات التمويل الصغير في فترة ما بعد النزاع دورا هاما ومكملا لعمل بقية المصارف التقليدية نظراً لطبيعة تخصصها وخدماتها في مجال الإقراض الصغير والمتناهي الصغر وحجم الطلب الكبير على هذا النوع من التمويل، ومنحها الأفراد ذوي الدخل المحدود وعديمي الدخل القدرة على النفاذ المالي وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على تنشيط الواقع الاقتصادي.

لكن واقع الحال في سوريا يشير إلى محدودية عدد المصارف المؤسسة في هذا المجال، وانخفاض حجم رأس المال للمصارف التي تم تأسيسها، بشكل لا يتناسب والحاجة الفعلية للطلب الموجود في السوق المالي، ما يقلل من الأثر الاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه حتى الوقت الحاضر.

ما هو دور إيران؟

إذا كانت مصارف التمويل الصغير تحقق مكاسب للحكومة السورية سواء كانت خفية أو معلنة، مع ملاءمتها لحاجة السوق الصغيرة، فإن المعلومات التي حصل عليها “الحل نت” تؤكد تغلغل إيران في هذا النوع من المصارف ضمن سياق السيطرة على قطاع المصارف بشكل أعم.

يقول خالد التركاوي إن “إيران تشرف على إعادة هيكلة القطاع المصرفي بشكل مباشر عبر مكتب المرشد في دمشق وهي تهدف في النهاية للتغلغل داخله وتطوير شبكتها المصرفية للاستفادة من النظام المصرفي السوري كما كانت تفعل في لبنان”.

بدوره، يشير محمد العبد الله إلى أن “بعض الأذرع المحسوبة على إيران تحاول التغلغل في المجتمعات المحلية من خلال تقديم القروض والتمويلات الصغيرة والمتناهية الصغر بهدف كسب قاعدة شعبية كبيرة لها ضمن هذه المجتمعات. وبالتالي السيطرة على التوجهات السياسية لأبناء هذه المناطق. ويلاحظ بشكل واضح الأنشطة المجتمعية المتزايدة للشبكات الإيرانية ومحاولتها استقطاب المجتمعات المحلية عبر المساعدات المادية في العديد من المدن السورية الكبرى كحلب وحمص ودمشق، وبالتالي شرعنة هذه المساعدات من خلال هذه المصارف”.

بناء عليه يمكن اعتبار هذه المصارف بمثابة وسيلة لتجسيد النفوذ الإيراني بمباركة الحكومة السورية، خاصة أن إيران أبدت اهتمامها مؤخرا بالاستثمار في القطاع المصرفي السوري بشكل علني لتأسيس مصرف إيراني سوري مشترك كذراع مالي لها في سوريا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار اقتصادية