سنوات شاقة على إعادة الحياة لحلب

سنوات شاقة على إعادة الحياة لحلب
أستمع للمادة

بعد خمس سنوات من انتهاء المعارك في مدينة حلب، التي دمرت جزءا كبيرا منها. تتباطأ اليوم عملية إعادة إعمار المدينة الشمالية، في ظل عدم وجود رجال، فبين ميت ومفقود ومهاجر، تتحمل النساء المزيد والمزيد من الأعباء والمسؤوليات.

في صباح شتاء قارس، يتجمع ستة عمال حول موقد نار عند سفح مبنى دمرته قذائف القوات الحكومية وحليفتها الروسية، وفق ما أفاد به تقرير لصحيفة “لاكروا” الفرنسية، وترجمه موقع “الحل نت”.

يجلسون على كتل خرسانية مغبرة، وهم يتناولون القهوة قبل أن يمسكوا بأدواتهم الثقيلة ويتجهون إلى سوق حلب الشهير. وهناك، مع هروب الشمس من بين الأنقاض، تفسح القضبان الخرسانية المفككة والأحجار السوداء المجال أمام جولة فيما كان أكبر سوق مغطى في الشرق الأوسط (بطول 13 كم).

فهذا السوق القديم (البازار)، الذي كان يجتذب الزوار من جميع أنحاء العالم، تعرض لأضرار بنسبة 60 بالمئة و30 بالمئة منه تدمّر بالكامل، وفقا لـ “اليونسكو”، خلال معارك حلب، من آب 2012 إلى كانون الثاني 2016. وبعد خمس سنوات، نرى المدينة القديمة، والتي دُمرت بشكل كبير، تبعث من جديد تدريجيا.

منذ استعادة حكومة دمشق السيطرة على المدينة بالكامل، أفسحت الإصلاحات، التي تم إجراؤها للتعامل مع الأمور الأكثر إلحاحا، المجال لأعمال الإنشاءات والتي من المأمول أن تستمر. ويتم تمويل معظم المشاريع من قبل الأفراد أو المنظمات. وهكذا يتم تنفيذ أعمال ترميم سوق الأحمدية من قبل المنظمة السورية غير الحكومية الأمانة السورية للتنمية – بدعم من الدولة – بالتعاون مع مؤسسة “الآغا خان” ومحافظة حلب. وهنا، كما هو الحال في مناطق سيطرة حكومة دمشق، تعقّد العقوبات الدولية تسليم المواد اللازمة. كما أن الدول الغربية والعربية على حد سواء ترفض حتى الآن تمويل إعادة الإعمار.

“بعد عام ونصف من العمل، تم ترميم حوالي 4 كيلومترات من السوق”، يوضح فارس، الشاب الحلبي المهتم بالتاريخ، وهو يتجول في خان البندقية، وهو واحد من 27 خان بالمنطقة، والذي يدين باسمه لمعاهدة تجارية وقعت في بداية القرن الثالث عشر مع مدينة البندقية الإيطالية. وفي بعض الساحات والأزقة ذات الأسماء الساحرة –مثل سوق النساء والذهب والتوابل- لم تعد الروائح التي ظهرت قبل بضع سنوات أكثر من موجات من الغبار.

فسوق العطارين (سوق الأعشاب) دمرته الحرائق بالكامل. لكن لا يمكن إعادة البناء بالسرعة التي تم تدميرها، و يتابع بأسف: “سيكون السؤال الكبير هو ما إذا كان التجار سيعودون للاستقرار هنا؟ لقد فر الكثير منهم إلى الخارج أو في أي مكان آخر في البلاد، بالإضافة إلى أولئك الذين تمكنوا من إعادة فتح أعمالهم في مكان آخر في المدينة”.

وفي وسط إحدى الحارات التي تم تجديدها، يوجد متجر واحد مفتوح، حيث يقف ياسين، 63 سنة، أمام الدكان الصغير الخاص به ويقول: “لدي الكثير من الزبائن. يشتري كل الناس اللحوم بالمال الذي يصلهم من تركيا أو ألمانيا. لقد صليت ودعيت كثيرا كي يدعم الرئيس والسيدة الأولى هذا السوق”، مدعياً أنه قاتل إلى جانب ماهر الأسد، الأخ الأصغر للرئيس السوري، خلال الحرب.

لكن تفاؤل ياسين المزعوم يتعارض مع البؤس السائد في المدينة والتي كانت القلب الاقتصادي لسوريا. فأمام القلعة المهيبة، زهرة العمارة العسكرية الإسلامية في العصور الوسطى، والتي تم تحويلها إلى موقع عسكري استراتيجي خلال الحرب، يتربص أطفال منتظرين المارة، على أمل الحصول على شيء يأكلونه أو على ورقة نقدية تحمل صورة بشار الأسد، والتي لم يعد لها قيمة تذكر.

“نلاحظ بأن هناك إفقار جذري، بالرغم من أن سوريا بلد يمكننا أن نأكل فيه طعاما تقليديا مع القليل من دبس البندورة والزعتر على الخبز. لكن لتحضير طبق كما كان من قبل، أصبح من الضروري الآن احتساب 20 ألف ليرة للأسرة الواحدة!”، يقول المطران السرياني الكلداني انطون عودة.

بالنسبة للأسر التي لم تشحذ بعد، تتخلل الحياة اليومية التقنين الذي تفرضه حكومة دمشق. “إنهم يعطوننا ما يسمونه بالبطاقة الذكية للسكر والغاز والبنزين، لكن لا يوجد شيء ذكي فيها، وهي ليست كافية على الإطلاق”، يضيف منير ضاحكا، وهو أب لثلاثة أطفال.

لقد طال انتظار إعادة البناء الاقتصادي الذي يدعو إليه الجميع. ونسمع الكثيرون وهم يلقون باللوم على العقوبات الدولية. “قلة قليلة من الناس يمكنهم دفع فواتيرهم. هذه العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا تقتل الناس ببطء، ناهيك عن الأزمة في لبنان والتي فاقمت أوضاع الذين لا يزالون يملكون المال هناك”، تقول ممرضة راهبة من “مستشفى القديس لويس”.

لكن الحق يقع كذلك على الهجرة، حيث تضيف الممرضة “كان هناك 4000 طبيب قبل الحرب في حلب، ولم يتبق سوى 1800 طبيب. في مستشفانا وحده، غادر أكثر من عشرة من بين حوالي 40”. وهناك شعور مؤلم بغياب الرجال في عدة قطاعات. فهم إما ماتوا في المعارك أو “مفقودون”، مثل حوالي 100 ألف سوري. والجميع اليوم يفتقر إلى النسيج الاجتماعي بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب.

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية