محاكمة علاء موسى: شهود عيان يكشفون لـ«الحل نت» هول الانتهاكات في المشافي السورية

محاكمة علاء موسى: شهود عيان يكشفون لـ«الحل نت» هول الانتهاكات في المشافي السورية
أستمع للمادة

خبر محاكمة علاء موسى، الطبيب السوري المقيم في المانيا، تناقلته معظم وسائل الأنباء العالمية. فبعد توقيفه لنحو عشرين شهراً، يواجه موسى اليوم لائحة اتهام طويلة، تضمنّت ثماني عشرة حالة، تمت بين عامي 2011 و2012. قام فيها، بصفته مساعد طبيب، بتعذيب مرضى معارضين للحكومة السورية في مستشفيات عسكرية بحمص ودمشق، وفي سجن تابع للمخابرات العسكرية. وإلحاق أذى بدني ونفسي جسيم بهم. كما أنه متهم بقتل سجين عمداَ، عن طريق حقنه بحقنه سامة.

وقد أعادت الاتهامات المطروحة في محاكمة علاء موسى فتح ملف التعذيب في المشافي التابعة لحكومة دمشق. موقع «الحل نت» تواصل مع عدد من شهود العيان في محافظة حمص، للوقوف على مدى الجرائم المرتكبة في المؤسسات الصحية للسلطات السورية. والدور الذي يلعبه الأطباء والممرضون في تلك الانتهاكات الصارخة لأبسط الحقوق الإنسانية.

محاكمة علاء موسى وذكريات ضحاياه

(ع .م) كان ممن أرجعت إليهم محاكمة علاء موسى كثيراً من الذكريات. فهو معتقل سابق في فرع الأمن العسكري 261، الواقع في حي “المحطة” في مدينة حمص. وقد رفض الكشف عن اسمه الكامل، لأنه يقيم حالياً في منطقة الحولة، التي استعادت القوات النظامية السيطرة عليها.

يقول (ع. م) في شهادته لـ«الحل نت»: «في إحدى المظاهرات، التي خرجنا بها في منطقة الحولة، وتحديداً بتاريخ الرابع والعشرين من نيسان/إبريل 2011. قام عناصر مفرزة الامن العسكري في مدينة “تلدو” بإطلاق النار علينا. ما أدى لإصابتي برصاصة في قدمي. ومن ثم اعتقالي. واقتيادي وأنا أنزف إلى الفرع 261. حيث كان علاء الموسى أحد الاطباء المشرفين على علاج المعتقلين».

ويتابع المصدر حديثه بالقول: «جاء إليّ علاء موسى. بعد وضعي في غرفة تحوي سريراً. وقال لي بالحرف الواحد: “أهلاً بالإرهابي! ومصاب كمان. تكرم عينك. انا رح داويك”. ثم قام باستخراج الرصاصة من فخذي بدون تخدير. وترك الجرح بدون تعقيم أو علاج كافٍ. ومن شدة الألم كنت أتمنى أن أموت لأرتاح. بقيت طوال اليوم والليلة التالية أتألم وأصرخ بشدة. وتعرّضت للضرب من الطبيب علاء، ومن العناصر المساعدين له، بسبب صراخي».

ويواصل (ع.م) سرده. ذاكراً انتهاكات مشابهة لما ورود في محاكمة علاء موسى: «في اليوم التالي طلب الطبيب علاء من عناصر الفرع أن يحضروني الى مكتبه. وقال لي: “شو يا أهل الحولة، بدكم تسقطوا الرئيس؟”. وبدأ بضربي وركلي على بطني ورأسي. والضغط على موضع الرصاصة في قدمي».

 مضيفاً: «كان معنا أيضاً طالب جامعي، من حي “جورة العرايس” في حمص. أصيب في يده بشظية. رفض الطبيب علاء موسى أن يعالجها. حتى بدأ الدود يأكل يده. فقام الأطباء في وقت لاحق بقطعها. أما أنا فقضيت ثلاثة أشهر في الفرع. وبعدها تم تحويلي إلى السجن المركزي في حمص. بعد قيام أخي المقيم في السعودية بدفع مبلغ مالي، وقدره ثلاثمئة ألف ليرة سورية، لمحامية من قرية “القبو” المجاورة لقريتنا. وبقيت في السجن المركزي تسعة اشهر».  

مشفى حمص العسكري وزملاء علاء موسى

خلف أسوار المشفى العسكري في حمص، وداخل أجنحته المختلفة، تمت ممارسة أبشع أنواع التعذيب والتصفية بحق جرحى ومصابي المظاهرات السلمية. لدرجة أن كثيرين سمّوا هذا المشفى “المسلخ البشري”. وأظهر مقطع مصوّر، تم عرضه على القناة البريطانية الرابعة عام 2012، مشاهد صادمة من داخل المشفى. وما كان يتعرّض له المصابون من تعذيب في أسرّتهم. من قبل الأطباء والكوادر الطبية، وعناصر الأمن المتوزعين في كل ركن من المشفى، الواقع في حي “الوعر” غرب مدينة حمص. وربما كان هذا المقطع أولى الإشارات التي لفتت انتباه العالم إلى قضية التعذيب في المشافي السورية. والتي بدأت تظهر كثير من تفاصيلها مع محاكمة علاء موسى.

وظهر في المقطع، الذي تم تصويره في الأشهر الثلاثة الأولى من الاحتجاجات السورية، عدد من المصابين معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي إلى الأسرّة. وقد كان يتم جلب كل من أصيب في المظاهرات في حمص إلى المشفى العسكري، المعروف باسم  “مشفى عبد القادر شقفة”. ليتعرضوا لتعذيب سادي بالسوط والهراوات والصعق الكهربائي. كما يتم ثني أقدام المصابين بطريقة معاكسة لطبيعتها، حتى يتم كسرها. أو ضرب رؤوسهم بالجدران. أو ربطهم بالأسرّة الحديدية. ويمنع عنهم الطعام لأيام. كما يتم ربط أعضائهم الذكرية لمنعهم من التبول. 

محاكمة علاء موسى تشجّع الشهود على الحديث

موقع «الحل نت» استطاع التواصل مع ممرضة من مدينة حمص، كانت تعمل في المشفى العسكري في تلك الفترة، قبل أن تغادر سوريا إلى السويد منتصف العام 2014 رفقة عائلتها. وقد شجعتها محاكمة علاء موسى على تقديم إفادتها. شريطة عدم الكشف عن هويتها، خوفا على والديها، اللذين ما يزالان يقيمان حتى الآن في مدينة حمص . 

تقول الممرضة إن «عمليات التعذيب كانت تجري في كل مكان. من سيارة الإسعاف إلى أجنحة المستشفى وقسم الأشعة، وداخل المراحيض. وصولاً لأقسام العناية المركزة. علاء موسى كان من الأطباء الذين يعذبون المصابين في المشفى العسكري. وهو طبيب مختص بالجراحة العظمية. وكان يضمر حقداً كبيراً على المتظاهرين. ويتلذذ بتعذيبهم. بوصف ذلك نوعاً من إظهار ولائه للنظام. وذات مرة جيء بمصاب للمشفى. فما كان من الطبيب المذكور إلا أن عرّاه وسكب الكحول على عضوه الذكري. ثم أشعل نار قداحته فيه. وجلس يتلذذ بصرخاته وآلامه».

وتتابع الممرضة سردها لقصص صادمة حول تعذيب المصابين في المشفى: «ذات يوم جاء عناصر الأمن بشاب من حي الخالدية الحمصي. أصيب برصاصة في بطنه. وأجريت له عملية فتح بطن، لمعالجة تهتك الأمعاء، امتدت لست ساعات. وعندما كان الطبيب يتابع علاج الشاب، ويركب له قسطرة بولية. جاء عنصر من عناصر الشرطة العسكرية وبدأ بتعذيب الشاب المصاب. وضربه على موضع العملية، بعدما أفاق من التخدير. وحينها أحسست بالشفقة على الشاب وقلت للعنصر: “إذا كنتم تريدون قتله. فلماذا لم تقتلوه قبل أن يتلقى العلاج؟”. فاتهمني بأنني أدافع عن الإرهابيين. وفي اليوم التالي علم مدير المشفى بالموضوع، فقام بجمع كل الأطباء المقيمين والأخصائيين. ونهاهم عن التدخّل بعمل عناصر الشرطة العسكرية أو الجيش. محذراً من مساعدة أي من المصابين المسلّحين الإرهابيين حسب وصفه. مما يشير إلى أن التعذيب كان ممارسة ممنهجة. وليست تصرفات فردية من علاء موسى أو غيره».  

جريمة قتل في المشفى العسكري

وتروى الممرضة  أنها كان شاهداً على جريمة قتل شخص داخل المشفى العسكري، شبيهة بواقعة القتل المذكورة في محاكمة علاء موسى: «اعتادت سيارات الإسعاف، أثناء أحداث مدينة الرستن، على نقل مصابي الأمن والجيش. ولكن ممرضاً وسائقاً نزلا ذات مرة من إحدى السيارات على باب قسم الإسعاف، وهما يصيحان: “أحضرنا مسلّحاً”ً . وكان من أحضراه رجلاَ يلبس جلابية ويمشي على قدميه. ولم يكن هناك ما يدل على إصابته. وتم إدخاله إلى قسم الإسعاف. وحينما حاول أحد الاطباء الكشف عليه، فوجئ بعدد من مستخدمي شركة “البجعة” للتنظيفات، يهجمون على المصاب، وينهالون عليه بالضرب. وهم يصرخون في وجهه: “إرهابيين. مخربين.. تريدون تخريب البلد”. بعد ذلك جاء طبيب اسمه “شعيب النقري”،  مختص في الجراحة العامة، وقال إن الرجل بحاجة لعملية. رغم أنه لم يكن بحاجة لأي تدخل جراحي. فلا آثار للدم أو للإصابة على جسده. باستثناء كدمات الضرب والتعذيب التي تلقاها بعد وصوله إلى المستشفى».

ونتابع أن «المريض المذكور أُدخل بعدها إلى غرفة العمليات. تحت إشراف الطبيب “شعيب”، وابن عمه المدعو “أسامة النقري”. الذي كان في السنة الثانية لاختصاص الجراحة. ومنع رئيس مفرزة الشرطة العسكرية، وهو مساعد أول يدعى “أيمن محمد”، أي طبيب آخر من المشاركة في العملية. وبعد ربع ساعة خرج الدكتور “شعيب النقري”. وطلب من موظفي المشفى تسجيل أن المصاب مات بسبب نزف غير مسيطر عليه. ومن الواضح أنه قتل المريض عمداً. ولكن بطريقة غير معروفة. فربما أُعطاه إبرة بوتاسيوم. أو محلولاً آخر عبر الوريد. ما أدى لوفاته على الفور. كما حصل في حالات كثيرة شهدها المشفى».

أسماء أطباء آخرين شاركوا في القتل والتعذيب

الممرضة أكدت في شهادتها أن «هناك أوامر عليا كانت ترد بخصوص السماح للكوادر الطبية، من ممرضين وأطباء، بفعل ما يريدون مع المصابين. بما في ذلك التصفية المباشرة. ومن الأطباء الذين كانوا يمارسون القتل طبيب ضابط أخصائي بأمراض الدم يُدعى “هيثم عثمان”. وكان مرجعية للأطباء والممرضين القتلة. ويوجههم بما ينبغي فعله بالمصابين. وكانت أوامره أهم من أوامر مدير المشفى, واعتاد على ارتداء البذة العسكرية، وحمل سلاحه معه أينما حل».

وتواصل الممرضة سرد الأسماء التي تتذكرها، علّ أصحابها يواجهون يوماً محاكمة مثل محاكمة علاء موسى: «هناك الدكتور “أسامة فاخري” من طرطوس، الذي كان مختصاً بالجراحة العظمية آنذاك. وكذلك الطبيب “علي حسن”، الذي ظهر في صورة مع أسماء الأسد في مشفى المزة العسكري بدمشق مؤخراً. وكان يقوم بإطفاء السجائر في أجساد المعتقلين. وتوجيه الضربات والركلات لهم».

مختتمةً حديثها بالقول: «لم أعد قادرة على رؤية كمية الإجرام في المستشفى. كنت اضطر لتناول حبوب مهدئة، وقمت بزيارة طبيب نفسي. لكن لم أتجرّأ على أن اقول له السبب الفعلي لما كنت أعاني منه. وكانت غايتي فقط أن يصف لي أدوية تساعدني على النوم. وفور أن استطعت تأمين خروج آمن لي ولزوجي وأطفالي هربت نحو الشمال السوري. ومنه إلى تركيا. حيث بقينا لمدة عام. وبعدها توجهنا للسويد».  

علاء موسى تواصل مع السفارة السورية قبل محاكمته

وكان “المركز السوريّ للدراسات والأبحاث القانونيّة” قد رحّب ببدء محاكمة علاء موسى. مؤكداً على «استمرار مسيرة ملاحقة المجرمين ضدّ الإنسانيّة، ومجرمي الحرب في سوريا، في محاكم ألمانيا والدول الأوروبيّة». واستعرض المركز، في بيان له، سلسلة الاتهامات الموجهة للطبيب السوري. كاشفاً عن معلومات حول اتصالات جرت بينه وبين سفارة حكومة دمشق في برلين. وصف فيها منتقدي الحكومة السورية بأنّهم «مخرّبون ضدّ الأمّة وصراصير».

وأشار المركز إلى أن «مسؤولاً في السفارة السورية ببرلين تناقش مع علاء موسى حول مساعدة محتملة قد تقدمها له السفارة. فقد كان المتّهم يأمل في دعم وتعاون السلطات السوريّة، للحصول على بعض الوثائق الرسميّة، التي سيقدّمها للسلطات المحليّة الألمانيّة لإثبات براءته. كما ناقش مع مسؤول السفارة إمكانية مساعدته بالخروج من ألمانيا».

مقالات قد تهمك: محكمة كوبلنز وجرائم الحرب السورية: بداية لمحاسبة المتورطين أم مجرد عدالة انتقائية؟

وتمّ توقيف علاء موسى بتاريخ الحادي والعشرين من حزيران/ يونيو 2020 من قبل الادعاء العامّ الألمانيّ. وبتاريخ العشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2020 مدّد المدّعي العامّ الألماني مذكّرة التوقيف. وأصدر قرار اتهام بتاريخ السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2021. وأحال الملف لمحكمة  فرانكفورت الإقليميّة، التي حدّدت يوم الأربعاء، التاسع عشر من كانون الثاني/يناير 2022 موعداً لبدء إجراءات محاكمة علاء موسى، التي يتابعها كثير من السوريين والمهتمين بالقضية السورية حول العالم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات