إعادة تقييم الموقف الأمريكي في سوريا

إعادة تقييم الموقف الأمريكي في سوريا
أستمع للمادة

حملت الأحداث الدولية في أفغانستان وأوكرانيا مجموعة من التساؤلات المنطقية حول مستقبل النظام الدولي وطبيعته مع بروز مجموعة مؤشرات حول مآلات القطبية الأمريكية الواحدة مع الفراغ الجيواستراتيجي الذي خلفته واشنطن من خلال تعاطيها الخجول مع ملفات مهمة مؤثرة في عملية إدارة المنظومة الدولية أو التحكم بها، ربما أبرزها الملف السوري.

وهذا ما قد يدفع للتساؤل عن ماهية الدور الأمريكي الجديد في سوريّا، في ظل هذه الأحداث المُتسارعة في العالم.

 وذلك، عبر إعادة تقييم وتقدير سلوك/ موقف واشنطن السياسي في سوريا، والمحددات التي تنطلق منها في التعامل مع الملف من خلال هذه الورقة .

النظام السوري في أدبيات الخارجية الأمريكية:

تمسكت واشنطن، على مدار سنوات الثورة السورية، بموقفها “السياسي” حول ضرورة رحيل رئيس النظام السوري، واتسم هذا الموقف بثباتٍ وصلابة. فاستندت واشنطن، بشكل أساسي مع تسليمها بأهمية الدور الروسي في الملف السوري ، وفقدان الأمل بالخيار العسكري على ضوء عدم وجود مؤسسة عسكرية منظمة هيكلياً وتنظيماً وتلتزم بالقواعد السلوكية الخاصة بواشنطن وتتقاطع مع أهدافها، على تحصيل الزخم السياسي في المنظومة الدولية مستغلةً انتهاكات قام بها النظام في الإطار الإنساني بالترافق مع الضغط الكبير من قبل المنظمات الدولية الحقوقية في هذا الشأن ولا سيما بعد مجازر الكيماوي، أهمها؛ الغوطة الشرقية (2013) التي تبعها التوافق على القرار الأممي (2118)، ومن ثم خان شيخون التي رافقها ضربة أمريكية عسكرية هي الأولى من نوعها ضد وحدات النظام.

وقد تبعت هذه الإجراءات تبني الأمم المتحدة القرار الأممي (2254)، تحت الفصل السادس في العام (2015) والذي يُعتبر مرجعية أساسية للعملية السياسية السورية، وحظي بتوافقٍ روسي-أمريكي بعد جولة مباحثات طويلة.

 مع ذلك، لم يُترجم هذا القرار إلى معطياتٍ عملية بسبب الخلافات الدائمة على القواعد الإجرائية بين وفود النظام والمعارضة السورية. واستمرت واشنطن في استثمار الورقة السياسية للضغط على موسكو وطهران بصرف النظر عن التفاهمات التي عقدوها على مستويات مختلفة.

إذ مثّلت الورقة السياسية لواشنطن، الخيط الذي من خلاله تمتلك القدرة على إعاقة إنتاج النظام على الطريقة الروسية والإيرانية. ومن ثم طوّرت أدواتها لتشمل الجانب الاقتصادي بعدما أقرت في كانون الأول/ ديسمبر، 2019 “قانون قيصر” بعد محاولات عديدة تبلورت تحت مظلة القانون (H.R.31) الذي أقرته إدارة ترامب، ليُعيق إمكانية إنتاج النظام وعودته لمحيطه العربي في ظل بروز بعض المواقف المتجددة من قبل بعض الدول العربية، عبر إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع النظام.

بالفعل نجح القانون الذي عُدّ أول تشريع أمريكي ضد النظام في إعاقة تسريع وتيرة النظام لمحيطه الإقليمي وشهدت الليرة السورية فقداناً لقيمتها هو الأكبر في التاريخ الحديث، كذلك تراجعت قدرة النظام السوري على إقرار ميزانية متوازنة، حيث أقرت حكومته ميزانية العام (2020) بـ 5.3 مليار دولار في حين بلغت الميزانية عام (2021) 6.8 مليار. بالرغم من أنَّ الأرقام بالنسبة إلى العملة السورية كانت في عام (2022) أعلى بـ 13,325 مليار ليرة سورية ولكن فقدان الليرة لقيمتها أدى لخفض قيمة الميزانية مقابل الدولار.

هذا ماعدا الاعتماد بشكل مفرط على اقتصاد السوق السوداء، ولجوء النظام لتجارة المخدرات عبر ميناء اللاذقية والحدود الجنوبية لسوريا عبر الأردن حيث تبلغ حجم هذه التجارة 3.5 مليار دولار، أي خمسة أضعاف الصادرات السورية “القانونية”، إضافةً للاعتماد على ملف المساعدات الإنسانية وإرغام الجهات المانحة “مجموعة دول بروكسل” العاملة في مناطقه إلى التعامل معه بـ “عملة مشفرة” غير حقيقة بهدف الحفاظ على وجود العملة الصعبة في أسواقه.

لكن، هذه العقوبات ساهمت بزعزعة أمن الدول الملاصقة لسوريا مثل؛ الأردن ولبنان، مما دفع إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، لاستثناء الدولتين من هذه العقوبات ولا سيما في خضم “خط الغاز” العربي الذي يمر عبر سوريا، ويغذي بيروت وعمّان. ما منح النظام والدول العربية مساحة جديدة لتمتين العلاقات الدبلوماسية إلى علاقات سياسية تمثلت بعودة العلاقات مع بعض الدول. في إشارةٍ لوجود تحوّلٍ يشهده الملف السوري على ضوء السياسة الأمريكية المُتجددة إزاء الدعوة العامة من قبل الأردن لنهجٍ إقليمي يفضي لتحولات سلوكية محدودة من قبل النظام، وبروز مسار “خطوة بخطوة”.

لكن، مع فقدان إجراء العقوبات الاقتصادية للنتائج المرغوب بها، بعد التطورات التي رافقته، عادت واشنطن لتعيد النظر بضرورة البحث عن سبلٍ من شأنها أن تُبقي عملية عودة النظام لمحيطه العربي وتجاوزه للمحددات التي وضعها، أهمها؛ عدم السماح بتجاوز أُطر العمليات السياسية والقرارات الدولية -بصرف النظر عن سيرها- لذلك ركّزت على مسار المساءلة والمحاسبة باعتباره مدخلاً لإعادة التوازن للملف بعد موافقة الكونغرس على قانونٍ للكشف عن ثروة بشار الأسد من خلال مشروع القانون (6507) بحيث تُكشف خلال 90 يوماً.

في المحصلة، يمكن القول إنَّ، الخارجية الأمريكية تتعامل مع النظام السوري، على أساسٍ سياسي واقتصادي مع انسحابها التدريجي عسكرياً بعد إيقاف دعم المعارضة السورية -سوى في منطقة التنف- وربما هذا يرجع لتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط التي وصفتها الإدارات المتعاقبة من بعد أوباما “منطقة الحروب الأبدية” ولكن لا يمكن الجزم بأنَّ الانسحاب قد يُنهي تلك الحروب. على سبيل المثال؛ عزز سحب الرئيس الأمريكي “رونالد ريغان” قوات المار ينز الأمريكية من بيروت عام (1984) سلطة حزب الله وأدى لسيطرة قوات غير حكومية “مصنفة على قوائم الإرهاب” على سيادة ومؤسسات الدولة.

لم يكن الانسحاب من العراق (2011) أفضل حالاً فقد حوّل البلاد إلى بؤرة لقوات غير حكومية وكاليّة/ إيرانية ومنطلق عمليات ضد مؤسسات الدولة بعد خفض الأعداد من 150.000 إلى 50.000 وصولاً للصفر تقريباً، ومن ثم أفغانستان (2021) مروراً بسوريا، وبالفعل لقد أدى اتفاقية “كيري-لافروف” تحديداً حول مدينة حلب لوضع المعارضة السورية أمام خيارات محدودة عبر اللجوء إلى تركيا بعد حصارٍ فرضته القوات الروسية- الإيرانية والنظامية على حلب الشرقية. وفي النظر للمدينة اليوم يُرى بأنّها مدينة تقبع تحت النفوذ الإيراني بشكل كامل.

الثورة السورية ملف أم ورقة في الملف النووي الإيراني:

نقلت إيران صراعها مع واشنطن إلى سوريّا، وقد أقرّت الإدارة الأمريكية بالأمر مع بداية الثورة، حيث زجّت طهران بكل ثقلها في الملف للحفاظ على مصالحها التي تمرُّ عبر النظام السوري، وبالفعل لم يخفِ رئيس الوزراء السوري “المنشق” رياض حجاب طبيعة العلاقة بينهما.

في حين، إيران أثبتت ذلك على أرض الواقع فبقيت لحين التدخل الروسي “العسكري” عام (2015) الدولة الأولى والوحيدة التي تقاتل بشكل علني مع النظام وهذا يرجع لمدى أهمية سوريا على صعيد المشروع الإيراني في المنطقة. تحركت الإدارة الأمريكية على أساس الأطماع الإيرانية في سوريا مستخدمة سياسة عرجاء تقوم على إحداث توازن في الملف عسكرياً مع استنزافٍ للقوات الإيرانية، وهذا كان لأجل هدفٍ واضح وهو “الاتفاق النووي”.

بالنسبة للخارجية الأمريكية، في عهدة الرئيس أوباما، كان من أولوياتها التعاطي مع الملف الإيراني عبر استخدام “الدبلوماسية القسرية” وصولاً لعرقلة جهود طهران في امتلاك السلاح أو على الأقل تأخيرها قدر الإمكان ريثما يتم بلورة سياسة مُتناسقة للتعامل مع تلك المخاطر.

بالفعل، مع توقيع الاتفاق النووي مع إيران تحوّل الملف السوري لمجرد ورقة سياسية لابتزاز إيران في حال انحرافها عن المسار الجديد، وهذا ما ساعد الأخيرة فرض نفوذها بشكل كبير و/ أو على الأقل تثبيت المكاسب التي حققتها على مدار السنوات الأولى من الثورة، ولا سيما مع صعوبة مواجهة النفوذ الروسي الجديد أو مزاحمته، وربما كانت الاتفاقيات المعقودة بين الإدارتين الأمريكية والروسية، تصبُّ في خضم عرقلة أيّ محاولات إيرانية لتعزيز سيطرتها، وخير دليل على ذلك؛ اتفاق الجنوب السوري الذي يركز على ضرورة إبعاد القوات الإيرانية عن الحدود الجنوبية، والجنوبية الغربية من سوريّا، مسافة 80 كيلومترات على الأقل (2018).

لكن، مع مجيء إدارة ترامب، انسحبت واشنطن، من الاتفاق النووي وذلك في 8 أيار/ مايو، 2018 معلنةً بأنَّه خطيرٌ ولا يمكن تنفيذه وهو من طرفٍ واحدٍ فقط، وعادت على إثره العقوبات الأمريكية، دون أن يوثّر ذلك عملياً على الملف السوري، بسبب قرار الانسحاب المجمع عليه لدى الرؤساء المتعاقبين في واشنطن.

وخلال حقبة الرئيس السابق بات القصف والاستهداف الإسرائيلي متكرراً على أهدافٍ إيرانية في سوريّا، في محاولةٍ لتطوير أدوات الردع على هامش تبعات تحرر طهران من شروط مسبقة في إطار الاتفاق النووي.

ثمّة اعتقاد، بأنَّ الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة النفوذ الإيراني قد تُعبّر ولو جزئياً عن تقليص التزاماتها اتجاه حليفتها تل أبيب من حيث التهديد/ الخطر الإيراني. وهذا لا يلغي الدعم اللا متناهي من قبل إدارة ترامب لإسرائيل، سيما في إطار “الاتفاق الإبراهيمي” والاعتراف بهضبة الجولان السورية، كجزءٍ من السيادة الإسرائيلية بالرغم من وجود قرار في الأمم المتحدة بموجب القرار 242 الصادر عام (1967) بكونها أرضٍ سوريةٍ.

على كل حال، شهد العام (2019) تصعيداً غير مسبوقٍ من حيث الضربات العسكرية الإسرائيلية ربما أهمها؛ في 21 كانون الثاني/ يناير، مستهدفةً “مخازن أسلحة وموقع مختلفة قرب دمشق. وفي 17 أيار/ مايو، من ذات العام شنّت ضرباتٍ مماثلة، حيث توجد مستودعات أسلحة تابعة لإيران وحزب الله، وفي شهر حزيران/ يونيو، شنت عدة ضربات قرب دمشق والقنيطرة وحمص. وفي العام (2020) وفي تقريرٍ صادرٍ عن الجيش الإسرائيلي بأنَّه نفّذ 50 ضربة عسكرية في سوريّا ضد مواقع إيرانية وقوات تابعة لحزب الله اللبناني.

في المقابل، كانت الضربات خلال العام (2021) أكثر تركيزاً، فبحسب بعض التقارير المحلية شُنت 28 ضربة عسكرية واسعة، طالت 57 موقعاً، حيث كانت أهم تلك الضربات نهاية العام 2021 في 7 كانون الأول/ ديسمبر، عندما تم استهداف ميناء اللاذقية لأول مرّة في تاريخ سوريا.

أشار ذلك لمدى الجديّة الإسرائيلية والتهاون الأمريكي مع محاذير الأخيرة. تحاول واشنطن، استدراك هذه الفراغات من خلال إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران مستخدمةً الضربات الإسرائيلية، كمحدد أساسي للضغط بهدف إرضاخها. إذ يؤكّد ذلك على أنّ الملف السوري، مجرد ورقة سياسية على هامش المصالح والتخوفات الإسرائيلية.

إدلب.. بعين الإدارة الأمريكية:

أدى إيقاف دعم المعارضة العسكرية السورية، إلى تفرّد تركيا بتلك المهمة انطلاقاً من ادعاءات و تقاطعات الأمن القومي التركي. لذلك، اتخذت أنقرة على عاتقها حماية آخر مناطق المعارضة، بعد توافقاتٍ مع موسكو وإيران في إطار مخرجات آستانة (7) الذي قضى إلى ظهور مفهوم أمني جديد “خفض التصعيد”. وعلى مدار السنوات قضمت روسيا وإيران المنطقة تلو الأخرى دون قدرة تركيّة على إلزام الأطراف بإيقاف العمل العسكري. ولكن منطقة إدلب، كان لها معطيات مختلفة مع ارتباطها الجغرافي بعمقِ الحدود التركية. ومع توقيع مذكرة سوتشي (2018) ومن ثم بروتوكول سوتشي (2020) تحوّلت إدلب بشكل واضح إلى النفوذ التركي، تشاطر واشنطن، وجهة النظر التركية وتدعم جهودها في إطار عدم حسم الملف لصالح إيران وروسيا، أو إحداث موجة جديدة من عبور اللاجئين لأراضيها ومن ثم لأوروبا، الأخيرة من جهتها تدعم هذه المساعي لذات الأهداف. مع هذا، لم يدعم حلف شمال الأطلسي، العمليات التركية في إطار “درع الربيع” لإيقاف الزحف الروسي للحدود التركيّة، وهذا يترك علامات استفهام عديدة حول هذا الموقف غير المدعم بإجراءات تنفيذية وربما لولا بروز سلاح الطيران المُسير التركي (بيرقدار TB2) لكانت المعادلة العسكريّة والسياسية مختلفة.

ربما هذا ما أعاد صياغة التوجهات التركية، نحو موسكو لبناء تفاهمات مشتركة ليس فقط على صعيد مدينة إدلب وإنما على صعيد ملفات إقليمية مختلفة، إذ نجحت في تطبيق إستراتيجية تقاطع/ ترابط الملفات وفق أهدافٍ تحقق التوازن الذي قد يُجنب إدلب، معركة عسكرية على المدى القصير والمتوسط. بالتالي، يمكن القول إنَّ واشنطن وأوروبا تدعم الهدف الأساسي من الوجود التركي في مدينة إدلب دون تأييد لتطور العلاقات مع روسيا.

بالرغم من الحرب الأوكرانية، إلّا أنَّه من غير الوارد “حتى اللحظة” وجود بعض التغييرات في السياسة الأمريكية، حيّال هذه المنطقة. مع عدم وجود رغبة حقيقة بإعادة مشهد حرب الوكالة/ العصابات للصدارة -على الأقل حاليًا- بعد فشله عملياً لمجموعة أسباب؛ ربما أهمها ما عدا الاستقطاب المتطرف، عدم وجود تصوّر مكتمل لدى الغرب إزاء نظام ما بعد الأسد وهذا مرتبط بالأساس بالاطمئنان المستقبلي أي، بلورة سياسة مشتركة في الحد الأدنى بين غرب أوروبا وواشنطن، التقارب مع تركيا بعدة ملفات أهمها؛ تطمينات الإسلام السياسي، والتوسع ما بعد المحيط الحيوي وفي إطاره، وكذلك، القدرة على ضبط فصائل المعارضة السورية تنظيميًا وسلوكيًا ومقاطعة الهدف النهائي مع الرؤية/ المصالح الأمريكية.

الحرب على الإرهاب والشراكة مع الإدارة الذاتية:

مثّل إعلان ترامب، عزمه الانسحاب من سوريّا وذلك، في 18 كانون الأول/ ديسمبر، 2018 إحدى الخطوات الأمريكية غير المسبوقة، فكانت تلك المرّة الأولى التي تقوم بها واشنطن بإخلاء مواقعها بشكل كامل من مناطق تتمركز بها.

بالفعل بعد عامٍ كامل بدأت القوات بالانسحاب التدريجي من مواقعها باعتبار أنَّ المهمة التي أوكلت لتلك القوات انتهت. وفي تشرين الأول/ أكتوبر، 2019 أعلنت وزارة الدفاع إخلاء قاعدتين عسكريتين من القوات الخاصة في شرق الفرات وبعد ستة أيام نفذت الانسحاب الأكبر لألف جندي ليقل عدد القوات إلى النصف، ليُصبح عدد القوات حوالي الـ (900) منتشرة في شرق سوريّا 50% منها حول حقول النفط بهدف منع وصول التنظيمات الإرهابية وقوات النظام السوري لتلك الآبار، إضافةً لريفي دير الزور وريف الحسكة الشمالي الشرقي مع غيابهم عن مدينة الرقة.

وقد، نُفذ الانسحاب بالتزامن مع تنفيذ أنقرة لعملية عسكرية في شرق الفرات بالتحديد في ريف الرقة “تل أبيض” و “رأس العين. والتي فتحت الأبواب اتجاه عقد تفاهمٍ ثلاثي بين واشنطن وروسيا وتركيا وفق بروتوكول سوتشي الخاص بشرق الفرات (2019).

في الحقيقة، تنطلق واشنطن من محددات مختلفة في هذه المنطقة، في إطار حفظ الأمن والسلم الدوليين للقضاء على تنظيم داعش، بالشراكة مع التحالف الدولي وتقويض النفوذ الإيراني لضمان أمن تل أبيب. كذلك، تسعى للحيلولة من تواجد القوات التركية في المنطقة إلّا بالتفاهم معها، أو استعادة القوات النظامية للسيطرة عليها. وقد أكّد الأمر، البيت الأبيض، لحالة الطوارئ الخاصة بسوريّا، بعد عزمه الانسحاب الكامل وذلك أتى بالتزامن مع عودة التهديدات التركية، بشنّ عملية عسكرية في مناطق الفراغ الأمريكي.

في سياق تضارب المصالح مع إيران، يُرصد بأنَّ طهران وقواتها التي تقاتل بالوكالة في سوريّا طوّرت تكتيكها العسكري بشكلٍ ملحوظ على الأقل من حيث المسيرات والصواريخ التي تنطلق من مناطق تسيطر عليها في ريف دير الزور جنوب نهر الفرات، لتستهدف قاعدة “العمر” التابعة للتحالف الدولي بقيادة واشنطن في مثلثٍ يعتبر محور ارتكاز دولي في السيطرة على الحدود التي تربط سوريا بالعراق والأردن. حيث، تدعم واشنطن قوات سورية معارضة مثل؛ جيش المغاوير في المنطقة.

لعلّ هذه الاستهدافات المتكررة تُشير بأنَّ هناك الكثير من العقبات التي تعرقل عملية الانسحاب الأمريكي الكامل. هذا ما عدا استمرار خطر تنظيم داعش في البادية، وكذلك الأمر في إطار مخيم الهول. بالتالي، ما تزال هناك مجموعة من المبررات متوفرة لبقاء القوات الأمريكية في سوريّا ومن غير المرجح أن يحدث أيّ تغييرٍ قريب في المنطقة. وبرغم دعمها للإدارة، ولكن واشنطن لم تبد الكثير من المرونة في إشراك الأخيرة في إطار العملية السياسية باعتبارها شريك محلي لـ “مكافحة الإرهاب”.

النتيجة:

بصرف النظر عن التقديرات المختلفة بشأن تراجع أو تقدم قوة الولايات المتحدة ولا سيما في خضم الحرب الأوكرانية، يمكن التأكيد على أنَّ واشنطن تعيش مرحلة “غموض استراتيجي” فهي ما زالت مترددة بشأن الانسحاب الكامل من منطقة الشرق الأوسط وخاصةً سوريّا، وهذا يمكن تأكيده من خلال القرارات المتخبطة المتعلقة بقرار الانسحاب ثم تمديد حالة الطوارئ من قبل إدارتي ترامب و بايدن.

في المقابل، أعربت الإدارة الأمريكية الحالية بشكل متكرر بانَّ تركيزها ينصب بشكل أساسي على المحيط الهادئ وبالتحديد منطقة (إندو باسيفيك) بدلاً من شرق المتوسط، وذلك في إطار الحد من نفوذ جمهورية الصين الشعبية وتنافس الهيمنة على مقدرات العالم.

لذلك، ترى واشنطن، بأنَّه من المهم أن تركز على جغرافية بحر الصين والحلفاء هناك مثل؛ اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايون، بهدف تدعيم مبادرة “الحزام والطريق” ومن الواضح إيلاء بايدن، أهمية للمنطقة في سياساته الخارجية عبر الاجتماعات المتكررة التي يُجريها في تحالف كواد (QUAD) بهدف تعزيز آليات الاحتواء الأمنية للنفوذ الصيني في آسيا، وربما إجراء بايدن، لاجتماعٍ فيزيائي لأول مرّة يؤكد أولويات الخارجية ، وآخر أجرته الدول على هامش الحرب الأوكرانية في 5 آذار/ مارس، 2022.

ثمّة اعتقاد، بأنَّ معاهدة أوكس (AUKUS) والتي أغضبت بطبيعة الحال فرنسا ونشب عنها “أزمة الغواصات” مؤشرٌ على جديّة واشنطن، في تعميق تحالفاتها التقليدية عبر إعادة التموضع وتمتين تحالف “العيون الخمسة” وهي الدول الناطقة باللغة الإنكليزية بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية.

لقد استشعرت واشنطن بمدى حجم التهديد الصيني من خلال إغراق الأخيرة القارّة الأوربية بالديون من خلال استخدام إستراتيجية ” فخ الدين” فبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الاتحاد الأوربي (2020) بحدود (709) مليار دولار مقابل (691) بين واشنطن والاتحاد. هذا ما عدا نسبة العجز لصالح بكين والذي يُقدر بـ (219) مليار دولار.

وهذا يدفع للاعتقاد، بأنَّ واشنطن، بالفعل لم تعد مهتمة بمنطقة الشرق الأوسط، وهذا ما تشير له علوم المستقبليات حول توجهها صوب المحيط الهادئ والهندي، وإيلاء الاهتمام بالمحليّة الأمريكية، دون أن يعني ذلك سماحها بالسيطرة على مقدرات الشرق الأوسط على الأقل من حيث الثروات الباطنية.

فهي تُمانع ذلك من خلال تحالفات تقوم بها مع دولٍ مختلفة في المنطقة على رأسها؛ تركيا، إسرائيل، السعودية، وهذا بالمناسبة يندرج في سياق مزاحمة الصين وعرقلة جهود منظمة “شنغهاي” لذلك، ربما لن يكون هناك تغييرات كثيرة في الملف السوري، وستبقى واشنطن محافظة على خيوط الملف الأساسية والمناورة بالأوراق المختلفة الاقتصادية والسياسية والمساءلة والمحاسبة دون أن تنخرط بعمل عسكري مكلف.

المراجع/Reference

(1) الأمم المتحدة، مجلس الأمن، القرار رقم 2118، 21 آب/ أغسطس، 2013 الرابط: https://cutt.ly/hFZ7MQi

(2)  الأمم المتحدة، مجلس الأمن، القرار رقم 2254، 18 كانون الأول/ ديسمبر، 2015 الرابط: https://cutt.ly/ZFZ727z

(3) U.S. Congress legislation, “H.R.31 – Caesar Syria Civilian Protection Act of 2019”, Shabait, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/jFZ5qxr

(4) سانا، مجلس الشعب يقر مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2022، 4 كانون الأول/ ديسمبر، 2021، الرابط: https://cutt.ly/dFZ7XdL  

(5) عربي بوست، قانون أمريكي للكشف عن ثروة الأسد “غير المشروعة” أقره الكونغرس لمواجهة أنشطة رئيس النظام الفاسدة، 10 كانون الأول/ ديسمبر،2021، الرابط: https://cutt.ly/fFZ3LFJ

(6) RONALD REAGAN, Presidential Library & Museum, “White House Statement on the Situation in Lebanon”, Shabait, 10/2/1984, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/CFZ821x

  (7) The Washington Post, “Joe Biden’s claim that he got ‘150,000 combat troops out of Iraq’”,  Shabait, 22/7/2019, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/LFZ40tB

(8)  نون بوست، خالد الخطيب، مرحلة جديدة من توسيع النفوذ والسيطرة.. إيران الحاضرة بقوة في حلب، 10 تشرين الأول/ أكتوبر، 2021، الرابط: https://cutt.ly/bFZ7EAI

(9)  المدن، سامي خليفة، حزب الله يرسّخ انتشاره جنوب سوريا بأربع قواعد عسكرية، 21 آب/ أغسطس، 2019، الرابط: https://cutt.ly/kFXyYgg

(10) The new York Times, Mark Landler, “Trump Abandons Iran Nuclear Deal He Long Scorned”, Shabait, 8/5/2018, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/5FXuW2f

(11)   الأمم المتحدة، مجلس الأمن، القرار رقم 242، 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، 1967. الرابط: https://cutt.ly/fFXigd7

(12) Independent عربي، أبرز الضربات الإسرائيلية في سوريا منذ اندلاع الحرب فيها، 6 شباط/ فبراير، 2020. الرابط: https://cutt.ly/FFXowBC

 (13) ALARABIYA NEWS, “Israel says it hit 50 targets in Syria in 2020 including govt, Iran, Hezbollah forces”, Shabait, 24/2/2020, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/cFXoBQI

(16) Military Times, Lolita C. Baldor, The Associated Press and Robert Burns, “The Associated Press, General says US troops to remain in Iraq”, Shabait, 10/12/2021, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/cFXlYdU

  (18) The white house, “Letter to the Speaker of the House of Representatives and the President of the Senate on the Continuation of the National Emergency with Respect to the Situation in and in Relation to Syria”, Shabait, 7/10/2021, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/vFXzBZw

 (20) The white house, “Fact Sheet: Quad Leaders’ Summit”, Shabait, 14/9/2021, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/RFXcskX

(21) The white house, “Joint Readout of Quad Leaders Call” Shabait, 3/3/2022, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/5FXcZLp

(22) The International Association of Accounting Professionals, ” China-EU trade sees strong growth in 2021″, Shabait, 27/9/2021, accessed on 16/4/2022, at: https://cutt.ly/gFXvTlV

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة