المصير المحطم لآخر يهود العراق

المصير المحطم لآخر يهود العراق
أستمع للمادة

عالقون بين ماض مؤلم ومستقبل مجهول، آخر يهود العراق يلتزمون الصمت حيال أصولهم، خوفا من أن يكونوا هدفا للجماعات المسلحة.

بصوت أجش وهش، مشبع برباطة الجأش، يعترف ميشيل، أحد اليهود القلائل المتبقين في بغداد، بأنه ضائع، رغم إرادته بالبقاء طويلا. “لقد أخفيت دائما أصولي. لم أتمكن أبدا من العثور على فرصة تتيح لي أن أكون على طبيعتي. إذا كنت لا تنوي الكشف عن هويتك، فستبقى إلى الأبد هذا الشخص المجهول الذي يعيش في هذا المنزل بالذات وليس له علاقة بأي شخص”، يوضح هذا الرجل الطويل الحنطي الداكن في الخمسينيات من عمره والحاصل على إجازة في العلاقات الدولية. فعلى عكس والديه وإخوته، الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة قبل وقت طويل من سقوط نظام صدام حسين، لم يغادر ميشيل العاصمة بغداد نهائيا، ولا يعتزم القيام بذلك أبدا، تخليدا لذكرى أجداده الذين بقوا على هذه الأرض بالرغم من الخطر المحدق.

لقد ترك له أهله أربعة مبان مصنفة كتراث تاريخي تقدر قيمتها بعدة ملايين من الدولارات. لا يحق له بيعها، لكنه يؤجرها لتدر عليه ذهبا، لذلك فهو ليس بحاجة ​​للعمل. وذلك وفق ما أفاد به تقرير نشرته صحيفة “سود ويست” الفرنسية، وترجمه موقع “الحل نت”.

بعد سبع سنوات من “الحب الخفي والمحظور” مع امرأة مسلمة، غرق ميشال في مستنقع الكحول، تقضم قلبه ذكرى تلك المرأة التي لا تعرف، حتى اليوم، شيئا عن أصوله وأسباب ابتعاده عنها. فخوفا من خيانة يهوديته، ولكن أيضا من مواجهة عشيرة محبوبته، تخلى ميشيل عن فكرة الزواج منها.

عازب إلى الأبد، يصف ميشيل العراق بأنه سجنه الذهبي. “نحافظ على سرية كل ما يتعلق بصلواتنا وأعيادنا الدينية وحفلات الزفاف، حتى لا نتعرض للتمييز العنصري. لا يزال هناك عدد قليل من اليهود في العراق، لكنهم وقعوا تحت حكم الجماعات الإسلامية التي أبعدتهم عن هويتهم. لا أعرف التفاصيل ولا أجرؤ على سؤالهم”، يضيف ميشيل.

وكانت الدبلوماسية الأميركية قد أحصت ثمانية يهود في بغداد في نهاية عام 2009، بينما أكد إدوين شكر، وهو يهودي من أصل عراقي منفي في بريطانيا، قبل عام أن أربعة يهود فقط من الجنسية العراقية ومنحدرين من أبوين يهود ما زالوا يعيشون في العراق، ما عدا أولئك الذين يعيشون في مناطق الحكم الذاتي الكردية في شمال العراق.

ولطالما كانت هذه البلاد موطنا لواحدة من أكبر وأقدم الطوائف اليهودية في الشرق الأوسط، حيث تعود أصولها إلى 2600 عام. وقد تمت كتابة “التلمود البابلي” في مدينة أور جنوب العراق. وفي ظل الحكم العثماني، بلغت نسبة السكان اليهود 40 بالمئة.

وعندما أقيمت دولة إسرائيل عام 1948، كان في العراق ما لا يقل عن 150.000 يهودي. لكن وما بين عامي 1950 و1951، خلال ما يسمى بعملية “إسقاط الجنسية”، وهي شرط مسبق للمغادرة دون عودة، قرر 120.000 منهم المغادرة إلى الدولة اليهودية. وبعد ذلك، استولت الدولة العراقية على ممتلكاتهم. بعد اتهامهم بالخيانة لصالح إسرائيل وباتوا ضحايا للقمع العنيف من قبل “حزب البعث”، فر يهود العراق بشكل جماعي من جديد في العام 1969، تاركين كل شيء وراءهم مرة أخرى.

لكن ميشيل لم ينس. فأجداده، الذين ربوه، غرسوا فيه حب الوطن وثقافة السرية، سلاحهم للبقاء. “بصفتك يهوديا يعيش في العراق، فإن عليك أن تحافظ على عدم الظهور، وأن تحافظ كذلك على الحد الأدنى من العلاقات الممكنة، لأن الرؤية الإسلامية تربط بين اليهودي والصهيونية. وهذا أمر مفهوم، لأن الفكرة التي لديهم عن اليهودية هنا تفسر من خلال أفعالهم وردود أفعالهم على أفعال إسرائيل”، يقول ميشيل.

لم يعترف العراق قط بدولة إسرائيل. وعلى عكس الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، الموقعين على اتفاقيات إبراهام لتطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية في عام 2020، تدعم بغداد رسميا القضية الفلسطينية وترفض أي تقارب مع تل أبيب.

وقد بدأ مجلس النواب العراقي، مؤخرا، في ظل زخم التيار الصدري الفائز في الانتخابات التشريعية، القراءة الأولى لمشروع قانون يهدف إلى “قطع الطريق أمام كل من يريد إقامة أي علاقة مع الكيان الصهيوني المحتل، بفرض عقوبة رادعة عليه”، بحسب المكتب الإعلامي في البرلمان.

وفي شهر أيلول/سبتمبر 2021، اجتمعت حوالي 300 شخصية شيعية وسنية في ندوة في أربيل، شمال العراق، وطالبت بدخول بغداد في عملية سلام مع الدولة اليهودية. وقد تسببت هذه المبادرة في احتجاجات حقيقية، ثم صدرت الأوامر بالقبض على المشاركين.

وبين كأسين من العرق، يحلم ميشال بأن يصبح رجلا حرا. “ما كنت أطمح إليه دائما هو أن أعيش في العراق بهويتي الخاصة. لقد سئمت من التظاهر بأنني لست ذلك الشخص. آمل أن تتعايش الأديان والطوائف المختلفة في هذا البلد وأن يتم احتواء اليهود مرة أخرى”، يختتم ميشيل حديثه للصحيفة الفرنسية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية