في ظل رفض أميركي للعملية العسكرية التركية المحتملة في مناطق من الشمال السوري، تتعقد صورة المشهد في الشمال السوري خلال الفترة المقبلة، وتبرز احتمالات عدة خارج احتمالية شن العملية العسكرية التركية، قد يكون من أبرزها اصطدام مخططات أنقرة هناك بذلك الرفض الذي يوازيه رفض روسي قد يضع أنقرة في مأزق إصرارها على شن العملية والتي حددت لها موعدا مسبقا معلنة أنها ستبدأ خلال فترة عيد الأضحى (الأسبوع المقبل).

 تساؤلات عدة ستكون محط التفكير خلال الأيام المقبلة، لعل أبرزها يتمحور حول طبيعة المواقف التي ستواجه أنقرة إذا ما أعلنت فعليا عن بدء عمليتها العسكرية المحتملة.

تعزيزات عسكرية

رغم الرفض الدولي لتهديداتها العسكرية، أرسلت تركيا، فجر الثلاثاء تعزيزات عسكرية، إلى مناطق نفوذها في الشمال السوري ضمن مناطق ما يطلق عليها “درع الفرات“، والخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني” السوري المعارض والمدعوم من أنقرة.

ونقل موقع “العربي الجديد” عن مصادر عسكرية تأكيدها أن: “رتلا يضم دبابات ومدرعات وراجمات صواريخ ومدافع للجيش التركي وصل إلى مدينة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي قادما من الأراضي التركية عن طريق معبر الراعي، وهو الرتل الثاني الذي يصل إلى المنطقة خلال أقل من 24 ساعة“.

كذلك شهدت المنطقة تحليقا مكثفا لطائرات الاستطلاع التركية، تخلله قصف لمناطق خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، فيما اعتبره مراقبون أن ذلك يأتي تمهيدا للبدء بالعملية العسكرية التركية.

قد يهمك: أزمة غذاء عالمية بصناعة روسية؟

الكاتب السياسي، حيان جابر، اعتبر خلال حديث لـ”الحل نت” بأن العملية التركية لا يمكن أن تتم دون موافقة أميركية ورسية، بحكم عوامل كثيرة، وفق تعبيره.

جابر اعتبر أن تغيير في المواقف تجاه العملية التركية سيكون بعد تقديم تنازلات مباشرة من قبل أنقرة، وهو أمر يستبعده كثير من المراقبين مستشهدين بالموافقة التركية على دخول فنلندا والسويد وهي آخر الأوراق التي كان يمكن لأنقرة المساومة عليها خلال الفترة الحالية، لا سيما وأن الانتخابات العامة في تركيا باتت على الأبواب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لن يقحم نفسه في مأزق سياسي كبير على الصعيد الداخلي.

وأضاف جابر “تبدو العملية التركية اليوم مستبعدة أو مؤجلة قليلا، نظرا لتكلفتها الباهظة، فثمن الموافقة الأميركية أو الروسية على العملية هو اصطفاف تركي واضح مع أحدهما، وهو ما تحاول تركيا تجنبه بشتى السبل حتى الآن”.

رفض أميركي

تواجه تركيا رفضا أميركيا للعملية العسكرية، التي هدد بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أكثر من شهر، بحجة إقامة “المنطقة الآمنة” في سوريا.

رفض واشنطن تجدد قبل أيام حيث أكد البيت الأبيض، عقب القمة الأميركية التركية في مدريد على هامش اجتماعات “الناتو”، على أن كلا من الرئيسين، جو بايدن، ورجب أردوغان، اتفقا على أهمية الاستقرار في سوريا، بالإضافة إلى العديد من المواضيع التي نوقشت، وتم الاتفاق عليها خلال اللقاء.

ومنذ أن أطلق أردوغان تهديداته، أكد المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، ساميويل وربيرغ، في مقابلة صحفية خاصة مع موقع “الحل نت” أن واشنطن تدين أي تصعيد في الشمال السوري، وتدعم الإبقاء على خطوط وقف إطلاق النار الحالية في سوريا، مبديا القلق الشديد للولايات المتحدة بشأن التقارير حول زيادة النشاط العسكري المحتمل في شمال سوريا، لما في ذلك من تأثير على المدنيين السوريين.

ورغم وجود العديد من خطوط الاتصال والمصالح بين واشنطن وأنقرة، إلا أن التحركات العسكرية التركية في سوريا، شكلت نقطة خلاف كبير بين الجانبين، حيث عبرت الولايات المتحدة مرارا عن قلقها من خطط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لشن عمليات عسكرية جديدة على الحدود الجنوبية لبلاده، قائلة إن “أي هجوم جديد في شمال سوريا سيقوض الاستقرار في المنطقة ويعرض القوات الأميركية للخطر“.

وبالعودة إلى رأي الكاتب السياسي، حيان جابر، فإن الموقف الأميركي من العملية التركية المحتملة مرتبط بمساهمة تركيا في حصار روسيا وعزلها، “طبعا قد يعني ذلك غض نظر أميركي؛ عن عملية عسكرية تركية محدودة يتبعها توقيع اتفاق سياسي وأمني يضع حد ولو مؤقت لما تسميه تركيا مخاطر تهدد الأمن القومي التركي”.

موقف روسيا؟

على الجانب الآخر تواجه أنقرة أيضا رفضا من قبل روسيا لشن أي عملية عسكرية في الشمال السوري، إذ تحاول موسكو تسجيل موقف أمام حلفائها في دمشق وطهران، فضلا عن انزعاجها المتكرر من تصرفات تركيا، كان من بينها إغلاق الحدود الجوية التركية أمام طائراتها، وموافقة أنقرة على انضمام السويد وفنلندا إلى “الناتو” الأمر الذي سيشكل بالتأكيد نقطة يقف عندها مستقبل العلاقات الروسية التركية.

ما يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو ما ألمحت له موسكو، هو خطر وقوع صدام عسكري بين تركيا من جهة، والقوات التابعة لدمشق والقوات الحليفة لإيران من جهة ثانية.

مثل هذا السيناريو حصل بالفعل قبل عامين ويمكن أن يتكرر مجددا، وما يزيد مخاطره أن دمشق وطهران تسعيان بشدة إلى منع تركيا من السيطرة على مزيد من الأراضي، بقدر ما أن الحياد العسكري الروسي في أي عملية تركية جديدة سيفيد تركيا، إلا أن موقف موسكو لا يزال حيويا في منع تطور الأحداث إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، وقد تؤدي إلى انهيار كامل لاتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، وفق الباحث السياسي محمود علوش.

وضمن السياق الروسي يشير حيان جابر، إلى أنه وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، قد اختلفت أولويات روسيا، “روسيا اليوم تتعرض لحصار خانق، لذا باتت أولوية روسيا كسر الحصار الاقتصادي أو حتى السياسي، الأمر الذي يفرض على روسيا مساومات باهظة في أكثر من مجال ومنطقة ومنها سوريا. من هنا قد تساوم روسيا تركيا على العملية المحتملة مقابل تحالف أو تقارب سياسي واقتصادي يكسر عزلتها”.

وكان المحلل السياسي، زياد سنكري، المقيم في واشنطن، قال لـ“الحل نت” في وقت سابق، أن الموقف الأميركي رافض للخطوة التركية باعتبار أن أي هجوم جديد، سيزيد من تقويض الاستقرار الإقليمي وسيعرّض القوات الأميركية المنضوية في حملة التحالف ضد تنظيم “داعش” للخطر، كما أن الولايات المتحدة حريصة على حماية حلفائها المحليين في مناطق الشمال الشرقي من سوريا؛ لكن في نفس الوقت تحرص على عدم توتر العلاقات مع تركيا، خاصة في وجود خلافات كثيرة مع أنقرة.

حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تبدأ العملية، لكن من الواضح وفق المعطيات أن عوامل التسخين التركية قد لن ترقى إلى مستوى شن عملية عسكرية مفتوحة في ظل الرفض الأميركي ومن بعده الروسي المدفوع بغضب موسكو من عدم اكتراث أنقرة لمصالح روسيا بعد غزوها لأوكرانيا.

اقرأ أيضا: ما قصة المنافسة الإسرائيلية التركية بسبب اليونان؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.