مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية.. ما تبعات ذلك على الصعيد الإقليمي والدولي؟

مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية.. ما تبعات ذلك على الصعيد الإقليمي والدولي؟
أستمع للمادة

فيما يقترب رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو، من الانتهاء من تشكيل حكومته اليمينية الجديدة، فإن هناك تخوفات بشأن سياساتها المحتملة تجاه الملفات الداخلية والخارجية الشائكة، بالإضافة إلى أطر العلاقات الإسرائيلية مع دول الجوار، ولعل أبرزها العلاقات مع جمهورية مصر العربية.

نتنياهو شكّل حكومة ائتلافية دينية بعد توقيع اتفاقا مع حزب “نوعام” بزعامة آفي ماعوز، على أن يصبح نائبا لرئيس الوزراء ورئيسا لـ”هيئة الهوية اليهودية الوطنية” في مكتب رئيس الوزراء، لكن حقيبة وزارة الدفاع لا تزال محل خلافات بعد أن أُسندت حقيبة الداخلية إلى حزب “القوة اليهودية” بزعامة إيتمار بن غفير، رغم الضغوط الداخلية والخارجية، وفق وسائل الإعلام.

بصرف النظر عن الأسماء المذكورة أعلاه التي ستدخل الساحة السياسية قريبا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية مع قرب انتهاء نتنياهو تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة. وماذا ستحمله هذه الحكومة الدينية اليمينية من حيث الرؤية والأفكار والتصورات التي ستعمل بها في الفترة المقبلة، خاصة أن تراكم حكم نتنياهو في الحكومة الإسرائيلية فرض نمطا واحدا من العلاقات.

لذلك، يجدر أيضا التساؤل عما إذا كانت ستحدث أي تغييرات في العلاقات المصرية الإسرائيلية، والشكل المتوقع لتعاملات الحكومة الإسرائيلية الجديدة مع مصر، بجانب فرص احتمالية عدم التزام الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ الاتفاق الثلاثي بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لنقل الغاز إلى أوروبا، التي من شأنه أن يُدخل العلاقات المصرية الإسرائيلية لمرحلة من التوترات، وأخيرا، إذا حدث تغيير في العلاقات المصرية الإسرائيلية، فماذا ستكون التداعيات على الصعيدين الإقليمي والدولي.

تغييرات في سياسة إسرائيل

نتنياهو قام بإحراز تقدّم في تشكيل حكومة ائتلافية دينية بعد أن وقّع اتفاقا مع حزب “نوعام” بزعامة آفي ماعوز، ما يذلل العقبات أمام ميلاد الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

بحسب وسائل إعلام، سيصبح ماعوز نائبا لرئيس الوزراء ورئيس “هيئة الهوية اليهودية الوطنية” في مكتب رئيس الوزراء. في الماضي كان قد تسبب في جدال بتصريحات معادية للمثليين، ويرى أن نماذج الأسرة البديلة تهديد للمجتمع اليهودي. في حين ترى ميراف ميخائيلي، من حزب “العمل الديمقراطي الاشتراكي” أن إسرائيل تسير إلى “عصر الظلمات”، بتعاون نتنياهو مع متطرفين وشوفينيين وسياسيين مناهضين للمثلية. وقالت إن ذلك “يشعر المرء بالغثيان”، متعهدة بشن حرب حازمة ضد الحكومة الجديدة، وفقا لصحيفة “العرب“.

حزب “الليكود”، خرج كأقوى حزب في الانتخابات البرلمانية التي جرت في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث حصد 32 مقعدا من 120 مقعدا في “الكنيست”.

بحسب المراقبين، هنالك غياب للنخبة الحقيقية داخل الأحزاب الإسرائيلية، فأغلب الشخصيات الموجودة في “الليكود” باعتباره الحزب المؤسس لا تحظى بحضور شعبي وهي غير معلومة للجمهور، كما أن الشخصيات التي طُرحت في الخريطة الحزبية للكتل اليميني لا تزال تحتاج إلى خبرات حقيقية، وبالتالي فإن إسرائيل بالفعل في حال من الارتباك ليس سياسيا وحزبيا فحسب، بل يمتد الأمر إلى الوضع الأمني في ظل استمرار المواجهات في الضفة الغربية مما قد يؤدي إلى تفجر الموقف بأكمله في أي وقت، وفقا لـ”اندبندنت“.

قد يهمك: البحر الأسود بؤرة توتر تُضاف لاستراتيجية “الناتو” الطويلة.. ما الأسباب؟

أما في إطار مدى احتمالية حدوث تغييرات في العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بقيادة نتنياهو، يرى الباحث السياسي والخبير في العلاقات الدولية، محمد نبيل الغريب، أنه لا يوجد نوع من التغيير في طبيعة العلاقات مع مجيء رئيس وزراء جديد في إسرائيل، سواء كان من اليمين المتطرف كـنتنياهو أو حتى اليسار الإسرائيلي. بل هناك مبادئ راسخة في حدود الأدوار التي تنطلق منها السياسة الخارجية المصرية تجاه إسرائيل، وأهمها “رفض التوسع اليهودي من خلال الاستيطان في الضفة الغربية وجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو المطالبة بإقامة دولتين على أساس اتفاقيات أوسلو ومدريد، أو من عبر وساطة القاهرة المستمرة والمتكررة في قطاع غزة لتهدئة الأوضاع في حال النزاع بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل”.

بحسب تقدير الغريب الذي تحدث لموقع “الحل نت”، “ستظل مصر دائما تلعب دورها التاريخي في الملف الفلسطيني وتطالب بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، هذا بالتوازي مع أي تحولات قد تشهدها فلسطين في ضوء تولى نتنياهو سدّة الحكم وتشكيل حكومة يمينية متطرفة”.

شكل التعامل مع مصر

الباحث السياسي، محمد نبيل الغريب، بحسب منظوره، فإن هناك بُعدين تنطلق منهما إسرائيل دائما في سياستها وتعاملها مع مصر. البعد الأول، يتعلق بضرورة الاستراتيجية من خلال احتفاظ إسرائيل بالدور المصري الحيوي في الوساطة الدائمة عند اندلاع المواجهات بين إسرائيل وقطاع غزة، وقد لوحظ نجاح الدور المصري في هذا الجانب على مدى الفترات والسنوات الماضية وهذه نتيجة طبيعية للثقة من الجانب المصري للعب هذا الدور، وإنهاء هذه المواجهات سواء من الجانب الفلسطيني أو الإسرائيلي.

البُعد الآخر، وفق الغريب، يتعلق بالديناميات التي تحكم العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” للسلام عام 1978، مما يعني أن هناك نموذجا سياسيا يمكن أن تسترشد به أي خطوات تتعلق بعمليات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المستقبل، بالإضافة إلى الدور الإقليمي لمصر كدولة ذات وزن إقليمي لها موقع جيوسياسي مهم وحدود تربط بين فلسطين وإسرائيل، بالتالي يمكن أن تكون شريكا في التسويات السياسية في أي وقت. إذاً هنالك قناعة كاملة في العمق الإسرائيلي لحيوية الدور المصري في الملف الفلسطيني، ولا يمكن تهميش القاهرة في أي أحداث تحدث بين إسرائيل وفلسطين، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، على حدّ تعبير الغريب.

غير أن مراقبين آخرين يرون أن العلاقات المصرية الإسرائيلية، يمكن أن تعاني مع تولي نتنياهو من أزمة ثقة حقيقية في ظل رؤية نتنياهو بأن مصر تجاوزته في الساحة السياسية والحزبية ولم تدعم استمراره، بل وقدمت لكل من نفتالي بينت ويائير لبيد، الفرصة التي لم تمنحه إياها، وهو ما سيدفعه للحذر في التعامل المباشر على المستوى الثنائي، وإن كان متوقعا استمرار التزامه بما تم إقراره من الحكومة السابقة مع القاهرة.

قد يهمك: التوتر بين حركة “إم 23” وكينشاسا.. ما الانعكاسات المحتملة أمام الاتحاد الإفريقي؟

كما أن هناك إشكاليات أخرى منها ما قد تمارسه الحكومة الإسرائيلية الجديدة من ضغط على مصر لإتمام بعض المتطلبات، ومنها الاستمرار في تصدير الغاز وتسييله بمصر في مقابل التعجيل بتوسيع نطاق “الكويز” إلى مناطق الصعيد، ومعروف أن هذه المفاوضات التي تتم بين الجانبين في شأن هذا الأمر بدأت في الحكومة السابقة على مستوى الوزراء المعنيين، وبالتالي من المحتمل أن ترفض الحكومة الإسرائيلية الجديدة أي متطلبات أمنية جديدة مع مصر خارج سياق التزامات “معاهدة السلام” بين البلدين، بخاصة أن اليمين الإسرائيلي الذي سيحكم رافض تماما لأية تنازلات أمنية، بل ويطالب بالعودة لسيناء أو اقتطاع مساحة منها لإقامة الكيان الفلسطيني، ومن الوارد ‌إفساح الطريق لأطراف عربية أو إقليمية أخرى للعب دور في الساحة الفلسطينية على حساب الدور التاريخي لمصر، مثل دفع الجانب التركي والقطري للعمل، وهو ما قد يخصم من مساحة الحركة المصرية في الملف الفلسطيني بأكمله.

هذا الأمر بالتأكيد له تداعيات وتبعات إقليمية ودولية، خاصة وأن المنطقة ككل تشهد تجاذبات وتوترات بين الحين والآخر، هذا فضلا عن تدخلات الدول الأخرى في الملف الفلسطيني والذين لهم أدوار سلبية بهذا الصدد، ولعل أبرزهم إيران وأذرعها.

لذلك، يستبعد الباحث السياسي، حدوث تغيير جوهري في العلاقات المصرية الإسرائيلية من شأنه أن يؤدي إلى انهيار العلاقات أو يؤدي إلى تصعيد عسكري يهدد الصعيدين الإقليمي والدولي. بل إن جمهورية مصر العربية ستظل حازمة في موقفها الموجه لإسرائيل فيما يتعلق بالمقدسات، وسياسة إسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية، ولعب دور الوساطة في الملف الفلسطيني ككل.

فرص حدوث توترات

في إطار احتمالية عدم التزام الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ الاتفاق الثلاثي بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لنقل الغاز إلى أوروبا، الأمر الذي قد يُدخل العلاقات المصرية الإسرائيلية لمرحلة من التوترات، وهو الاتفاق الذي وقّع في ظل الحكومة السابقة ويقتضي الشروع في مرحلة التنفيذ خلال الأشهر المقبلة، قال الغريب، إن هذا الاتفاق جاء برضى تام من جميع الأطراف لإمداد الاتحاد الأوروبي بالغاز اللازم عن طريق مصر وهذا بسبب امتلاك مصر للبنية التحتية عبر محطات الإسالة في دمياط وإدكو، وهذا الخط المصري الإسرائيلي، عسقلان- العريش، قد تم إنشاءه في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عام 2008، وتوقف بعد ثورة كانون الثاني/ يناير في مصر عام 2011، ولكن تم إعادة تشغيل هذا الخط بموجب اتفاق ثلاثي تم بين الأطراف الثلاثة تحت مظلة “منتدى غاز شرق المتوسط”، هذا من جانب.

من ناحية أخرى، ليس من مصلحة إسرائيل تعطيل الاتفاقية، لأن هناك أرباحا قياسية تُقدر بنحو 260 مليون دولار في عام 2021 حققتها إسرائيل من تصدير الغاز. بالإضافة إلى شحّ للغاز في الأسواق الأوروبية وارتفاع أسعار الغاز هناك نتيجة لتوقف إمدادات الغاز الروسي على إثر الغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته.

لذلك، حدوث أي خروقات للاتفاقية مستبعد، ذلك لأنه ليس من مصلحة الأوروبيين أيضا تأخير مثل هذه الاتفاقية لمواجهة نقص الإمدادات في الأسواق.

يبدو أن القاهرة ستتعامل مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية الجديدة بحزم وحذر، وتبدو احتمالات وسيناريوهات التصعيد التي قد تؤثر على مصالح إسرائيل العليا، سواء مع مصر أو مع دول الإقليم مثل الأردن، غير مرجحة، خاصة وأن العالم ككل يمر بالعديد من المتغيرات وعلى عدة مستويات.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة