على رأس وفد اقتصادي وسياسي كبير، التقى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، مع نظيره السوري بشار الأسد، بعد وصوله إلى سوريا أمس الأربعاء، في زيارة تستغرق يومين وهي أول زيارة يقوم بها رئيس إيراني إلى دمشق منذ عام 2010.
بعد الاستقبال الرسمي للرئيس الإيراني، وقّع الزعيمان 15 اتفاقية تعاون في مجال النفط وقطاعات أخرى، في إشارة إلى استمرار الجهود لتعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما. لكن دلالة توقيع هذه الاتفاقيات هي أبعد من المتوقع بحسب خبراء، حيث تشير إلى رغبة إيران المتزايدة في توسيع وجودها الاقتصادي داخل سوريا، وتحديدا الساحل السوري.
زيارة رئيسي تأتي في الوقت الذي انفتحت فيه بعض الدول العربية، بما في ذلك مصر والسعودية القوتين الإقليميتين، على الأسد، وزار وزراء خارجيتها دمشق في الأسابيع الأخيرة. لكن ما هو التأثير المحتمل لهذا التوسع في السكك الحديدية على التجارة بين إيران وسوريا، ولماذا ينظر إلى توسيع السكك الحديدية كمحاولة أخرى من قبل إيران لتطوير نفوذها السياسي في المنطقة، وعليه كيف تنظر الدول المجاورة واللاعبون الإقليميون الآخرون إلى العلاقات الاقتصادية المتنامية بين إيران وسوريا.
التركيز على التجارة والتوسع
أحد تطلعات إيران الاقتصادية الرئيسية يتمثل في توسيع شبكة السكك الحديدية إلى العراق وسوريا المجاورتين، وربطها في نهاية المطاف بميناء اللاذقية السوري على البحر المتوسط. هذا من شأنه أن يوفر دفعة كبيرة في التجارة بين البلدان. بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إليها على أنها وسيلة لإيران لزيادة نفوذها السياسي في المنطقة.

في السنوات الأخيرة، بذل النظام الإيراني جهودا كثيرة لإبراز البُعد الاقتصادي للعلاقات مع سوريا، لكن وفقا لتقارير غربية مختلفة وإسرائيلية على وجه الخصوص، فإن الوجود العسكري في سوريا أكثر أهمية بالنسبة لطهران.
الخبير في السياسة الخارجية الإيرانية، بيير بهلوي، أوضح لـ”الحل نت”، أنه مع توقف الحرب في سوريا نلاحظ أن إيران تبذل جهودا متضافرة لترسيخ نفسها بقوة أكبر في سوريا. على وجه التحديد، يبدو أن إيران تأمل في زيادة وجودها على الساحل السوري، حيث تعكس هذه السلسلة من الاتفاقيات النفطية والتجارية طويلة الأجل نواياها الاقتصادية.
قبيل زيارته إلى دمشق، قال الرئيس الإيراني في تصريحات متلفزة، إن “العلاقات بين إيران وسوريا استراتيجية تماما وسوف تستمر”. فيما بيّن مساعد الرئيس الإيراني، محمد جمشيدي لوكالة أنباء “تسنيم” قبل الزيارة، أنهم يسعون إلى إيجاد تعاون اقتصادي مستدام في سوريا، بحيث تتمكن طهران في النهاية من الحضور الملموس على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
جمشيدي اتهم الحكومات الإيرانية الماضية بعدم الرغبة في دفع العلاقات مع سوريا، وأضاف، “في الفترات الماضية، بعض الحكومات اعتقدت أنه من أجل الحصول على صلاحيات ومصالح اقتصادية، يجب منح صلاحيات جيوسياسية مقابلها، أي التنازل عن قوة إيران الإقليمية من أجل الحصول على مصالح اقتصادية”.
لكن حكومة رئيسي بحسب جمشيدي لا تعتقد هكذا، بل تسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب حفاظها والتزامها بالقدرة الاستراتيجية والإقليمية. تأكيد المسؤول الإيراني على ضرورة دفع العلاقات الاقتصادية مع سوريا، يأتي في وقت نقلت فيه صحيفة “كيهان” عن الرئيس السابق لـ “لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية” بالبرلمان الإيراني، حشمت فلاحت بيشه، قوله إن ديون إيران المستحقة على سوريا بلغت 30 مليار دولار.
من جهته، قال حسن شمشادي، الأمين العام لـ “الغرفة التجارية الإيرانية السورية المشتركة”، في مقابلة مع موقع “نود اقتصادي” الإيراني، “طلبنا من منظمة الملاحة تقديم دعم لخط الشحن إلى سوريا، لكنهم لم يلتفتوا إلى مطالبنا”، مشيرا إلى أنه “لسوء الحظ لا يوجد خط ملاحي منتظم بين إيران وسوريا”.
وجود إيراني على الساحل السوري
مع استمرار إيران في سياستها التوسعية، فإن الحديث عن زيادة النفوذ في سوريا مقلق للعديد من الدول في الشرق الأوسط. فالنمو الاقتصادي الذي يسعى إليه الطرفان يمكن أن يمهّد الطريق لاستحواذ طهران على التجارة والاستثمار في سوريا.

بحسب ما صرحت به وسائل الإعلام السورية، فإنه خلال زيارة الرئيس الإيراني الأخيرة إلى دمشق، وقّعت إيران وسوريا 15 اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم في مختلف القطاعات، بما في ذلك النفط والكهرباء والزراعة والصناعة. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتقوية تحالفهما الاستراتيجي.
القطاعات التي تشملها الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقّعة بين إيران وسوريا تشمل النفط والغاز والكهرباء والزراعة والصناعة والنقل والمصارف.
وفقا لحديث بهلوي، فإن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة لتوسيع شبكتها عبر العراق وسوريا المجاورتين من خلال بناء خطوط سكك حديدية تربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا. سيؤدي ذلك إلى إنشاء طريق تجاري جديد يمكن أن يسهّل نقل البضائع بين إيران وأوروبا.
يمكن أن يكون لتوسيع السكك الحديدية تأثير كبير على التجارة بين إيران وسوريا، لأنه وفق تحليل بهلوي سيوفر طريق نقل أسرع وأكثر فعالية من حيث التكلفة للبضائع. وهذا يمكن أن يزيد حجم التجارة بين البلدين ويساعد على تعميق علاقات طهران الاقتصادية.
توسيع السكك الحديدية ينظر له بمقتضى حديث بهلوي، على أنه محاولة أخرى من جانب إيران لتطوير نفوذها السياسي في المنطقة. من خلال بناء البنية التحتية للنقل في البلدان المجاورة، يمكن لإيران زيادة وجودها الاقتصادي والسياسي في المنطقة وتوسيع نطاق نفوذها.
إيران أرسلت عشرات المستشارين العسكريين وآلاف المقاتلين المدعومين من مؤسساتها العسكرية من جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى سوريا للقتال إلى جانب الجيش السوري. وعملت على خلق شريان الحياة الاقتصادي للحكومة السورية، حيث أرسلت وقودا وخطوط ائتمان بمليارات الدولارات.
الصفقة الحالية بنظر الخبير في الشؤون الإيرانية مهمّة لطهران خصوصا مع التقارب العربي والخليجي مع الطرفين سوريا وإيران، حيث تستغل الأخيرة المآلات التي وصل إليها الاقتصاد السوري، فقد بات بأدنى مستوياته على الإطلاق خلال العقد الماضي، مع تصاعد التضخم وهبوط العملة وانقطاع التيار الكهربائي.
طهران تنفذ سياسة جديدة؟
زيارة الرئيس الإيراني جاءت بتوقيت استثنائي، بخاصة بعد كثافة الضربات الإسرائيلية من جهة، على مواقع إيرانية في سوريا، كان آخرها عشية الزيارة، إذ قصفت تل أبيب مطار حلب الدولي شمالاً وأخرجته عن الخدمة.
باحثون في الشؤون الإيرانية، يرون أن طهران تريد إرسال رسالة عبر زيارة رئيسي لدمشق، فهناك خشية إيرانية من ممارسة ضغوط كبيرة عليها بوجودها في هذا البلد، لا سيما بعد كثرة الضربات الإسرائيلية على مواقعها ومنها المطارات، وهذه الزيارة تثبت أن فك الارتباط بين دمشق وطهران لا يمكن أن يحصل على رغم كل أوجه تقارب عودة سوريا للحضن العربي.

المستشار الاقتصادي السوري أسامة قاضي، رجّح أن تزيد هيمنة إيران على سوريا، بعد زيارة الرئيس الإيراني، وتوقيع الاتفاقات الاقتصادية طويلة الأجل، التي ستُدرج ضمن الديون المدرجة على سوريا باسم خطوط الائتمان، ما يعني برأيه “زيادة سيطرة إيران وتبعية الحكومة السورية”.
الاتفاقات المعلنة والتي وصفت بـ”طويلة الأجل” تضمنت أيضا بناء محطات لتوليد الكهرباء بكلفة مليار يورو، واتفاقات لتصنيع الفوسفات، وأخرى لمنشآت لتصنيع الحُبيبات البلاستيكية.
قيمة صادرات إيران إلى سوريا العام الماضي بلغت وفقا لأرقام رسمية إيرانية، نحو 147 ألف طن من البضائع غير النفطية، بقيمة 243 مليونا و168 ألف دولار، مسجلة نموا بنسبة 10.6 بالمئة من حيث الوزن و11.4 بالمئة من حيث القيمة، قياسا بالعام الذي سبقه.
مثل سوريا، تخضع إيران لعقوبات غربية أدت إلى جانب عقود من سوء الإدارة إلى انخفاض عملتها الوطنية إلى مستويات متدنية جديدة. فشلت أشهر من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إزاحة رجال الدين الحاكمين، وتوقفت المحادثات بشأن عودة طهران إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية، والتي رفعت العقوبات مقابل فرض قيود على برنامج إيران النووي، منذ فترة طويلة.
سبق للرئيس السوري بشار الأسد، أن قام بزيارتين إلى طهران، الأولى في الأول من شباط/فبراير عام 2019، والثانية في أيار/مايو عام 2022 حيث التقى الرئيس الإيراني والمرشد الأعلى علي خامنئي.
الدول المجاورة لسوريا واللاعبون الإقليميون الآخرون ينظرون إلى العلاقات الاقتصادية المتنامية بين إيران وسوريا بريبة، حيث يسود الاعتقاد أن علاقات إيران الاقتصادية المتوسّعة مع سوريا على أنها تهديد لأمنها ووسيلة لإيران لزيادة نفوذها الإقليمي، لذا فإن وصول طهران إلى الساحل السوري، سيكون له تداعيات سياسة قد تحدّ من انفتاح دمشق على الدول العربية.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

