بات من النادر أن تمر بجانب مقهى في دمشق دون أن تجد عددا من الشباب يجلسون إلى طاولاته يلعبون النرد ويدخّنون الأرجيلة أو “النرجيلة”، وغالبا ما يأتي الشباب إلى المقاهي، ويمضون أوقاتا طويلة في تدخينها حيث تبدو وسيلة جيدة للهروب من المنزل والمشاكل اليومية.
على الرغم من التحديات الاقتصادية التي يواجهها السوريون، إلا أن حبّ تدخين الأرجيلة ظل عادة ثابتة لدى الكثيرين، لكن مؤخرا ارتفعت أسعارها في المطاعم والمقاهي، علاوة على ارتفاع أسعار مستلزماتها لتحضيرها في المنزل.
حدوث تحول في عادات التدخين لدى السكان هو التوقع الأبرز مع استمرار تشكيل الأسعار المرتفعة عبئا على جيوب السوريين، إذ إن ارتفاع أسعار الأرجيلة وعدم القدرة على تحمّل التكاليف سيؤديان إلى انخفاض معدلات التدخين بين السكان السوريين.
تكاليف ملتهبة للأرجيلة
أسعار الأرجيلة في دمشق بحسب ما نقله موقع “أثر برس” المحلي أمس الثلاثاء، تبدأ من 150 ألف ليرة سورية للنوعية المقبولة وهي من أكثر الأنواع المرغوبة لأن سعرها نوعا ما يناسب شريحة كبيرة من مدخّنيها الذين يرغبون باقتنائها؛ وهناك أنواع بـ 150-300 ألف وحتى أن هناك أنواع نحاسية وصل سعرها إلى 800 ألف حسب الحجم.

تحضير الأرجيلة في المنزل وخاصة لطلبة الجامعات بات الخيار الأرجح، لأنها بنظرهم أوفر بكثير من الذهاب لتدخينها مع الأصدقاء في أحد المطاعم، فإذا كان سعر المعسل “التبغ المنكه” تقريبا 8 آلاف ليرة والفحم 4000 ليرة وعلبة القصدير 4000 ليرة فهي أوفر من دفع 15 ألف ليرة لتدخين لمرة واحدة، إذ إن باكيت المعسل يصنع ما يقارب 4 أو 5 رؤوس أرجيلة حسب كبر أو صغر رأس الأرجيلة.
وفقا لحديث أصحاب المحلات فإن هناك معسل يأتي مهرّبا مثل ماركة “النخلة” الذي يُباع بـ 12500 للباكيت الواحد والمعسل الإماراتي الذي يطلبه العديد من الزبائن يبلغ سعر الباكيت منه 15 أو 16 ألف حسب سعر الصرف لأنه يأتي بشكل تهريب.
كما سجلت أسعار المعسل 7500 ليرة لمعسل “مزايا”، أما معسل التفاحتين “نخلة” تراوح سعرها بين 12500 و13500، فهذه المواد مرتبطة بارتفاع الدولار فبين عشية وضحاها ترتفع أسعار المواد ما بين 1000 و1500 ليرة لكل صنف.
أما كيس الفحم الصغير فوصل سعره إلى 3 آلاف ليرة بمعدل 4 فحمات أما الكيس الكبير فبلغ سعره 12 ألف ليرة بوزن 800 غرام أي أقل من كيلو، مع العلم أن السعر يختلف بحسب النوعية، وفقا للموقع المحلي.
“رُبّ ضارة نافعة”
بين السخرية والجد، يبدو أن ارتفاع أسعار الأرجيلة أدى إلى قلق متزايد بين السوريين بشأن القدرة على تحمّل تكاليف هذا النوع من التسلية الذي كان يتمتع به على نطاق واسع في يوم من الأيام. إذ بات العديد من الأفراد يعيدون النظر في عادات التدخين لديهم ويبحثون عن أنشطة ترفيهية بديلة أكثر فعالية من حيث التكلفة.

في حين أن حبّ الأرجيلة لا يزال قويا لدى البعض، إلا أن الضغوط المالية الناجمة عن ارتفاع الأسعار أجبرت بعض السوريين على تقييم أولوياتهم. ولا سيما من ذوي الدخل المنخفض.
فانخفاض قيمة العملة المحلية، أثّر بشكل مباشر على الدخان المستورد، هذا فضلا عن ارتفاع الدخان المصنّع محليا نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث أفادت تقرير سابقة، بوصول سعر “باكيت الحمراء الطويلة” إلى 4000 ليرة سورية، بعد أن كان سعره لا يتجاوز 3300 قبل أسابيع.
على مستوى منفضة سجائر كريستالية متوسطة الحجم فقد بلغ سعرها حوالي 60 ألف ليرة سورية، تليها منفضة سجائر بحجم أكبر وصل سعرها إلى 90 ألف ليرة.
الزيادة في الأسعار شملت كذلك عُلب السجائر المستوردة، وتراوحت بين 200 إلى 1000 ليرة، حسب النوع، وجاءت الزيادة بقرار من موزّعي الجملة، سواء للتبغ المعروف المصدّر أو المهرّب، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الصرف في السوق السوداء، علما أن التبغ المصنّع من قبل المؤسسة العامة لصناعة التبغ لا يرتبط بسعر الصرف كونه من مصدر رسمي ولم تعدل أسعاره من قبل المؤسسة حتى الآن.
في حال كان الموظف الحكومي يدخن أرخص نوع دخان وفق التسعيرة الجديدة بمعدل علبة في اليوم سيكون بحاجة 66 ألف ليرة شهريا، ولن يبقى من راتبه أكثر من 50 ألف ليرة، أي أنه سيُنفق أكثر من نصف راتبه فقط على السجائر، بينما لو كان من مدخّني “الحمراء الطويلة” وحصل عليها وفق النشرة الرسمية، سيكون بحاجة إلى 90 ألف ليرة.
نسب المدخنين في سوريا تزداد
على الرغم من إصدار الرئيس السوري بشار الأسد مرسوما عام 2009، يقضي بمنع التدخين وبيع منتجات التبغ وتقديمها في الأماكن العامة، بالإضافة إلى منع الإعلان والدعاية عن منتجات التبغ وتعاطيه حيّز التنفيذ، إلا أن تنفيذه بقي معلّقا.

المركز السوري لأبحاث التدخين في دراسة نُشرت نتائجها مؤخرا، كشف أن تفشي عادة تدخين السجائر بنسبة 60 بالمئة لدى الرجال و23 بالمئة لدى النساء، إضافة إلى ازدياد تدخين النرجيلة بنسبة 20 بالمئة من الرجال و6 بالمئة عند النساء.
كما أشارت الدراسة إلى تعرّض 98 بالمئة من غير المدخنين لدخان السجائر. والغريب أن أغلب السوريين يعتبرون التدخين سلوكا طبيعيا، كما يعتقدون أن النرجيلة أقل ضررا من السجائر.
معظم المقاهي والمطاعم العامة في سوريا تقدّم الأرجيلة، ويحاول أصحابها جذب الزبائن بأنواع جديدة من المعسل ممزوجا بنكهة الفواكه. فيما يؤكد مختصون أن ظاهرة الأرجيلة ليست جديدة على المجتمع السوري، فقد ارتبطت منذ القِدم بمناسبات اجتماعية معينة، وكان لها طقوسها الخاصة خلال النزهات.
رئيس “الاتحاد المهني لعمال الصناعات الغذائية والتبغ” ياسين صهيوني، كشف في وقت سابق عن إنتاج ما قيمته أكثر من 241 مليار ليرة من التبغ من المؤسسة العامة للتبغ، وبيّن صهيوني في تصريح لصحيفة “الوطن” المحلية، أن الخطة الإنتاجية للمؤسسة قُدّرت لكامل عام 2022 بـ 8000 طن قيمتها 232.499 مليار ليرة.
عما إذا كانت العوامل الثقافية والاجتماعية تفوق الاعتبارات المالية وتؤثر على قرارات الأفراد بالاستمرار في التدخين على الرغم من ارتفاع الأسعار، يعتقد مختصون أن الأرجيلة في الماضي تلبي حاجة اجتماعية روحية، وكانت تنتشر في الاجتماعات التي تُعقد للبحث في المشاكل الاجتماعية والسياسية لفئة من الناس في ذلك الوقت، لكن عودة هذه الظاهرة بكثافة في السنوات الأخيرة وخاصة لدى الشباب، جاءت كرد فعل على ضغوط الحياة المعيشية.
في حين أنه من السابق لآوانه قياس التأثير طويل المدى لارتفاع أسعار الأرجيلة على معدلات التدخين، فإن المشهد المتغير يشير إلى انخفاض محتمل في عادات التدخين بين السوريين. نظرا لأن القدرة على تحمّل التكاليف أصبحت اعتبارا رئيسيا، فمن المرجّح أن يعطي الأفراد الأولوية للأنشطة التي تقدم قيمة أكبر لأموالهم. وفي نهاية المطاف، قد يُسهم هذا التحول في خيارات ترفيهية أكثر صحة وتنوعا، مما يؤدي إلى تحول إيجابي في عادات ونمط حياة السوريين.

