إلى جانب هاجس النمو السكاني المتنامي الذي تشهده الهند وتخشاه الصين، يبدو أن نيودلهي صاعدة بقوة لأن تكون منافسة أكثر قوة مما هي عليه الآن بوجه بكين في القارة الآسيوية، حيث المضي بحراك دبلوماسي واستراتيجي متناسق لتدعيم قائمة حلفائها الدوليين، وحجز مقعد دائم في “مجلس الأمن” الدولي، الذي تحظى الصين بعضويته الدائمة.

هذه المساعي الهندية التي تبدو واضحة أنها ترنو لمواجهة الصين، لاسيما بعد توتر العلاقات بين البلدين عام 2020 على خلفية تجدد الصراع الحدودي التاريخي في جبال الهيمالايا والذي قُتل على إثره 20 جنديا هنديا و4 جنود صينيين على الأقل؛ حيث قوبل بدعم كبير من واشنطن التي تعمل هي الأخرى بشكل حثيث على الحد من نفوذ بكين، وذلك من خلال تعزيز علاقاتها مع حليف إقليمي بحجم نيودلهي.

على هذا الأساس، عززت الولايات المتحدة علاقتها بالهند، بما فيها تقديم عروض لها لشراء أسلحة أميركية متقدمة، مع إمكانية تصنيعها محليا، كما ألحقت نيودلهي بالتحالف الرباعي المناهض للصين في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، المعروف باسم “كواد“، والذي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وهو ما يفرض على الهند التصدي للنفوذ الصيني.

مساع الهند وأميركا المشتركة لتحجيم الصين

من جانبها، تحاول الهند ضمن حراك واسع، إعادة تعريف وجودها في القارة الآسيوية والعالم، من خلال تقديم نفسها كبديل نوعي للصين في سلسلة سلاسل التوريد العالمية، وذلك إلى جانب الترويج لنفسها كمكان مناسب للشركات الغربية الراغبة في الخروج من الصين، سواء بسبب الخلافات الغربية مع بكين أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تداعيات سياسة صفر “كوفيد”، وهو ما نجحت فيه حتى الآن إلى حد بعيد، حيث تمكنت من استقطاب شركات أميركية كبيرة.

علاوة على ذلك كله، تحظى الهند اليوم بتأييد كبير من الولايات المتحدة الأميركية للحصول على مقعد دائم في “مجلس الأمن” الدولي، حيث أكد الرئيس الأميركي جو بايدن، أن واشنطن تؤيد منح الهند العضوية الدائمة في المجلس بعد إصلاحه، وجاء ذلك في بيان مشترك صدر عن لقاء جمع الرئيس الأميركي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في واشنطن أمس الخميس.

إذ أكدت كل من الولايات المتحدة الأميركية والهند، بحسب ما نقل عن الرئيس الأميركي في البيان؛ عزمهما على التصدي لأي محاولات من جانب واحد تهدف إلى تقويض المنظومة المتعددة الأطراف، حيث شدد الزعيمان على ضرورة تعزيز وإصلاح المنظومة المتعددة الأطراف حتى تتماشى مع الواقع المعاصر بشكل أفضل.

بناء على ذلك، لا يزال الجانبان متمسكَين ببرنامج الإصلاح الشامل لـ “لأمم المتحدة”، بما في ذلك عن طريق توسيع دائرة الأعضاء الدائمين وغير الدائمين في “مجلس الأمن”، في حين أشار البيان إلى أن الهند ستستضيف في عام 2024، قمة الحوار الأمني الرباعي “كواد”.

عزل الصين دوليا

ذلك جاء في أعقاب اللقاء المشترك الذي جمع مودي مع بايدن، خلال زيارة بدأها الضيف الهندي إلى الولايات المتحدة الأميركية الثلاثاء الماضي، لمناقشة العلاقات في مجالي الدفاع والتكنولوجيا، في محاولة لمواجهة المد الصيني، حيث حضر زعيم أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض أمس الخميس، هي الثالثة فقط للرئيس الأميركي منذ تنصيبه، وذلك بينما اعتبرتها نيودلهي فرصة “تاريخية” لتوسيع وتعزيز العلاقات.

الرئيس الأميركي يستقبل رئيس الوزراء الهندي/ إنترنت + وكالات

إلى ذلك، وللوقوف على دلالة الدعم الأميركي لعضوية الهند الدائمة في “مجلس الأمن”، تحدث موقع “الحل نت” مع المختص في العلاقات الدولية محمد اليمني، وقال إن ذلك يندرج تحت محاولات الولايات المتحدة الأميركية في تعزيز علاقاتها مع الهند، لاسيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تسعى واشنطن إلى عزل الصين وروسيا إقليميا ودوليا.

اليمني أشار في حديثه إلى أن واشنطن تسعى إلى ارتباطات وثيقة مع الفواعل الدولية والإقليمية التي تمثل قوة اقتصادية كبيرة، وهذا ما تمتاز به نيودلهي، مبينا أن دعمها لعضوية الهند في “مجلس الأمن”، يحمل دلالات كثيرة أهمها إنهاء أي محاولات لتقارب روسي أو صيني مع نيودلهي، ذلك إلى جانب محاولات الرئيس الأميركي جو بايدن، تحقيق نجاحات داخلية وخارجية لبلاده يعزز فيها حضوره في الانتخابات القادمة، بخاصة وأن الانتخابات الأميركية القادمة ستكون فيها المنافسة شديدة.

هذا وتتسم العلاقات الصينية الهندية بطابع تنافسي معقّد، بحسب اليمني، الذي أشار إلى أن نيودلهي تسعى لتقزيم أي دور صيني سواء على مستوى بلادها أو محيطها، حيث حظرت الهند تطبيقات صينية شهيرة مثل “تيك توك” كما عزلت شركات الاتصالات الصينية من شبكة الجيل الخامس، ومن تلك المظاهر أيضا عدم لقاء رئيس الوزراء الهندي بالرئيس الصيني بشكل ثنائي على هامش  قمة “منظمة شنغهاي للتعاون” في أيلول/سبتمبر الماضي، حيث كانت هذه المرة الأولى التي لا يجتمع فيها قادة البلدين، ناهيك عن رفض الهند الانضمام إلى اتفاقية “الشراكة العابرة للمحيط الهادئ”.

خبير العلاقات الدولية، لفت إلى أن حصول الهند على عضوية دائمة في “مجلس الأمن” له أهمية كبيرة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، مشيرا إلى أن دول العالم قد تحملت معاناة كبيرة على إثر “كوفيد 19″، بالإضافة إلى ما تسبب به الغزو الروسي، وفي حال انضمام الهند إلى “مجلس الأمن”، فإن ذلك سيخفف كثيرا عنها حيث سيساعدها في تحقيق نجاحات عدة ويتيح لها مساحة كبيرة من العلاقات، وبالطبع هذا ليس في صالح الصين.

علاقات هندية أميركية متنامية

في السياق، تحاول نيودلهي تخفيف اعتمادها على المعدات العسكرية الروسية من خلال تنويع وارداتها ودعم إنتاجها المحلي، مقابل ذلك أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، خلال زيارة أجراها مطلع الشهر الحالي إلى نيودلهي، وضع خريطة طريق جديدة طموحة للتعاون الصناعي الدفاعي مع الهند، وربط محللون هذا الإعلان بإعلان متوقع خلال الفترة المقبلة حول خطة نوقشت منذ فترة طويلة بمليارات الدولارات للإنتاج المشترك للمحركات النفاثة في الهند.

رئيس وزراء الهند يؤكد التزام بلاده بالتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية/ إنترنت + وكالات

بناء على هذا المسار، تريد واشنطن أن يكون للهند ثقل استراتيجي يوازن نفوذ الصين، وتراها شريكا مهما، حيث ترى الولايات المتحدة الأميركية أن نيودلهي مستعدة للوقوف أمام بكين في قضايا مثل قضية تايوان، وسلاسل التوريد، فضلا عن توفر اليد العاملة وبيئة مناسبة للشركات الكبرى.

على هذا النحو، يقول مسؤولون بإدارة بايدن إنه سيجري الإعلان عن اتفاقيات ضخمة فيما يتعلق بأشباه الموصلات والمعادن النادرة والتكنولوجيا، والتعاون في مجالي الفضاء والدفاع، مع الهند، مشيرين إلى أن المبيعات ستؤذن بدخول حقبة جديدة في العلاقات بين البلدين.

بعض الاتفاقيات تهدف إلى تنويع سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على الصين، بينما تهدف اتفاقيات أخرى إلى التحكم في سوق التكنولوجيا المتقدمة، التي ربما تُستخدم في ساحات المعارك مستقبلا، كما تسعى الولايات المتحدة إلى التصدي للنفوذ الصيني المتنامي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من خلال تعزيز العلاقات الدفاعية مع دول مثل الهند واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، إلى جانب دول في أنحاء منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات