الصين والهند.. في الطريق للاصطدام؟

أستمع للمادة

في الوقت الذي تشهد فيه الحدود الهندية الصينية تجاذبات من حين إلى أخر، يبدو أن التدافع بين الجارتين في طريقه إلى أن يشتد مجددا، غير أن هذه المرة ستمثل تايوان نقطة الخلاف بين الدولتين، لاسيما في ظل استمرار بكين لمحاولات التضيق على تايوان وسط رفض غربي.

موقع “بلومبيرغ” وفي مقال نشره حديثا، سلّط الضوء على موقف الهند الذي يمكن أن تلعبه من التنافس الصيني الأميركي والدور المحتمل الذي قد تلعبه نيودلهي إذا أقدمت الصين على غزو جزيرة تايوان.

المقال أشار إلى أن الهند قد لا يكون باستطاعتها استعراض قوتها العسكرية شرق مضيق ملقا، بيد أنه لفت إلى أن الهند من الناحية النظرية تستطيع القيام بأشياء كثيرة في حال تعرض تايوان للغزو، وذلك من خلال التعاون من واشنطن والدول المعنية بمسألة تايوان.

إذ أنه في حال سمحت الهند للولايات المتحدة وحلفائها المعنين بقضية تايوان باستخدام جزيرتي أندامان ونيكوبار اللتين تقعان في خليج البنغال الشرقي، سيسهل فرض حصار على إمدادات النفط الصينية، وذلك إلى جانب ما يمكن أن تلعبه البحرية الهندية بالمساعدة في إبعاد السفن الصينية عن المحيط الهندي.

الدور الهندي بمواجهة محاولات تمدد النفوذ الصيني لا ينتهي عند هذا الحد، حيث يشير المقال إلى أن الجيش الهندي قد يلعب دورا أكبر من خلال إعادة جذوة التوتر في جبال الهيمالايا على الحدود الهندية الصينية، وتشتيت انتباه بكين بذلك.

اقرأ/ي أيضا: فوز الجمهوريين بأغلبية مجلس النواب الأميركي.. ما سياستهم الخارجية؟

سياق الصراع بين الهند والصين

في أكتوبر/نوفمبر 1962، خاضت الهند والصين حربا في جبال الهيمالايا على حدودهما المتنازع عليها، والتي بلغت ذروتها بخسارة الهند حوالي 45,000 كيلومتر مربع من الأراضي في لاداخ.

وقد تحسنت العلاقات خلال السنوات الستين التي تلت الحرب، وأقام البلدان علاقات اقتصادية قوية، وانخرطا في جولات مفاوضات أسفرت عن اتفاقات بشأن تدابير بناء الثقة، وخطوات إلى الأمام لحل نزاعهما الحدودي.

مع ذلك، فإن الحدود التي تمر عبر تضاريس وعرة وغير مأهولة بالسكان لا تزال غير مستقرة، ووصلت الأمور إلى ذروتها في يونيو 2020، عندما انخرط الجنود الهنود والصينيون في مواجهة عنيفة في وادي غالوان في لاداخ، وهي المرة الأولى منذ 45 عاما التي تُسفك فيها الدماء.

في حين لفت مقال “بلومبيرغ”، إلى أن الهند حتى لو لم تقدم دعما عسكريا، فإن بإمكانها الإسهام دبلوماسيا من خلال حشد إدانة لغزو تايوان في الدول النامية، علما بأن نيودلهي سبق أن اتهمت بكين علنا بـ“عسكرة” مضيق تايوان خلال الأزمة التي أعقبت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان في أغسطس/آب الماضي.

الدور الهندي الذي يمكن أن تلعبه في هذا النزاع، ينطلق من مصلحة مباشرة لها في بقاء تايوان مستقلة، فالصين التي تواجه تحديات أمنية على حدودها البرية والبحرية قد تنصرف إلى التركيز على تسوية خلافاتها الحدودية مع الهند عندما تنتهي من ضم تايوان، وفق المقال.

اقرأ/ي أيضا: تمديد اتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية أربعة أشهر.. ما تأثيره على أزمة الغذاء العالمية؟

مخاوف هندية وأطماع صينية

نيودلهي تعتقد أن تحول اهتمام الصين نحو الجنوب بمجرد حل مشكلتها في تايوان، وهو ربما يدفعها إلى الوقوف إلى جانب تايوان، وفق المقال، بيد أنه ومع الاحتمالات السالفة الذكر، أنه على الرغم من سعادة الحكومة الهندية بالدعم الذي تلقته من الولايات المتحدة للتعامل مع مشكلتها مع الصين والمتعلق بالخلاف بين البلدين بشأن الحدود في جبال الهيمالايا، فأن ذلك لا يعني أن موقفها سيكون محسوما في الرد الجميل.

غير أن التنبؤ بما ستقوم به الهند على وجه التحديد عند نشوب صراع في تايوان لا يمكن تحديده حاليا، لكن التقييم الأقرب للدقة قد يكون في انخراط الهند في الصراع، على العكس مما كانت تلتزم به من الحياد إزاء أي صراع بشأن تايوان، لكنها اليوم قد تقف مع تايبيه والمعسكر الداعم للديمقراطية، لما يترتب على ذلك الأمر من مخاطر.

من خلال ذلك المنظور، فإن الإنفاق العسكري الصيني يجسد مقامرة لإخضاع مناطق كثيرة من العالم لإرادة بكين، من أجل أن تحصل على امتيازات الوصول إلى الموارد، ولكن إذا فشل هذا الرهان فسوف تكون بكين قد أنفقت كمية كبيرة من رأس المال، الذي كان من الممكن استخدامه لتعزيز اقتصادها، ما سيترك البلاد عالقة في فخ الدخل المتوسط، وما يتيح للهند فرصة الصعود.

مقابل ذلك، عززت الولايات المتحدة علاقتها بالهند، بما فيها تقديم عروض لها لشراء أسلحة أميركية متقدمة، مع إمكانية تصنيعها محليا، كما ألحقت نيودلهي بالتحالف الرباعي المناهض للصين في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، المعروف باسم “كواد“، والذي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وهو ما يفرض على الهند التصدي للنفوذ الصيني.

من جانبها، تُقدم الهند نفسها حاليا كبديل للصين في سلسلة سلاسل التوريد العالمية، وتروّج نفسها كمكان مناسب للشركات الغربية الراغبة في الخروج من الصين، سواء بسبب الخلافات الغربية مع بكين أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تداعيات سياسة صفر كوفيد.

اقتراب الهند والصين من لحظة الصراع

التنافس الصيني الهندي يُتوقع أن يكون، واحدا من أهم حلقات التوتر إشكالية في العالم، في ظل حقيقة أن البلدين لديهما أسلحة نووية وأكبر جيشين بريين في العالم، وتقودهما حكومتان ذواتا نزعات قومية متشددة، مع مصالح اقتصادية واسعة تربطهما.

وبسبب شراكة الهند القوية المستمرة (والمتنامية) مع الولايات المتحدة، فإن سياسة الرئيس الصيني شي جين بينغ، الخاصة بالهند، تنظر إلى نيودلهي من منظور تنافسي عالمي، وإن لم يكن يعتبرها منافسا كاملا. وتضيف هذه الرواية إلى العلاقات الحساسة والمتوازنة بدقة بين الصين والهند، فيما يتعلق بخط السيطرة الفعلية في لاداخ، وولاية أروناتشال براديش الهندية، ومسألة التبت.

إضافة إلى تلك التطورات، تقترب اللحظة التي ستتجاوز فيها الهند الصين بوصفها الأمة صاحبة أكبر تعداد سكاني في العالم، وفي الوقت ذاته يراهن العالم على هذه اللحظة، التي ستكون مؤشرا لبداية أفول نجم بكين وصعود نجم نيودلهي.

تُعد الهند حاليا موطنا لأكثر من 1.39 مليار شخص، أربعة أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة وأكثر من 20 ضعفا للمملكة المتحدة، بينما يعيش 1.41 مليار شخص في الصين، ولكن مع وجود 86000 طفل يولدون في الهند كل يوم، و49400 في الصين، فإن الهند في طريقها لتصبح أكبر دول العالم سكانا في عام 2023، وستصل إلى 1.65 مليار شخص بحلول عام 2060.

اقرأ/ي أيضا: تصعيد إيراني أذربيجاني بسبب ممر “زانجيزور”.. المؤشرات والمآلات

تصعيد إيراني أذربيجاني بسبب ممر “زانجيزور”.. المؤشرات والمآلات

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة