بائعة الترمس – جائزة الحل للإبداع الصحفي

  • تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة القصة الصحفية (المركز الثالث) للصحفية المصرية، صفاء عزب. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).


    لفت نظري شكلها وأنا أنتظر ابنة إحدى قريباتي أمام باب المدرسة الإعدادية، كانت شاردة بعينين تركزان على التلميذات وهن في طريق الخروج من البوابة الرئيسية، لدرجة أنها لم تنتبه لي وأنا أمد يدي لها بثمن كيس من الترمس الذي تبيعه في الشارع. وسألتها مازحة فيما تشردين “سرحانة في إيه” فضحكت ضحكة حزينة وهي تقول لي: أبدا بس افتكرت بنتي لما كانت في نفس السن. فسألتها عن أولادها؛ قالت لي: “عندي بنت وولدان، وابنتي هي التي تفوقت والتحقت بكلية الهندسة”. فسألتها بدهشة وهل عندك ابنة تدرس الهندسة! قالت لا.. بل هي الآن تعمل مهندسة.

    كانت “أم عزيز” تتحدث بمرارة ولا تبدو سعيدة رغم ذلك الإنجاز الكبير، وقبل أن أسألها عن السبب قالت لي: “التعليم حاجة مهمة وبيعمل للإنسان قيمة وربما يجعله يتحكم في مصائر غيره من غير المتعلمين في الأسرة  الواحدة”. كلما نظرت لهؤلاء البنات وهن بملابس المدرسة أشعر بالحسرة لأنني أتذكر نفسي عندما تزوجت وأنا في نفس السن لم أكمل الثالثة عشرة عاما.

    سألتها لماذا لم تتعلمي طالما أنك تحبين التعليم، فقالت بأسى يكسو وجهها الحزين: “لقد أكرهوني على الزواج من شخص لم أكن أعلم عنه شيئا، نحن ريفيون نعيش في الصعيد ولايسمحون للبنت بالتعليم إنما للولد فقط فكان أخي الأكبر هو الذي تعلم حتى حصل على الدبلوم، وعند أول عريس طرق بابي تمت الموافقة دون أخذ رأيي، لدرجة أنهم كانوا يناقشون الأمر فيما بينهم ويفاضلون بيني وبين أختي الأصغر، لكنهم قرروا مصيري دون أن يشركوني ووقع اختيارهم علي”.

    بدأت أم عزيز حياة الجحيم مع زوجها الذي كان هو أيضا طالبا في المدرسة صغير السن ليس له أي خبرة في الحياة سوى أن يثبت رجولته كما أخبروه ليلة الزفاف. وتضيف بائعة الترمس أم عزيز، “تلك الليلة التي كانت أشبه بمذبحة شاركت فيها أمي وحماتي مع زوجي حتى تحولت فيها إلى حيوان جريح ينزف أمامهم وهم يزغردون ابتهاجا بشرف ابنتهم الطفلة، بينما كنت أشعر أن كرامتي هي التي كانت تنزف حتى ضاعت ولم أعد قادرة على النظر في وجوههم بعد ذلك اليوم لشعوري بالانكسار والإهانة والحرج، ومن يومها ولم أشعر بوجودي ولا بأي قيمة لنفسي مع زوجي وأهله الذين عشت معهم بحسب التقاليد”.

انطلقت أم عزيز تحكي عن نفسها وكأنها كانت محرومة من الكلام وممن يسمع شكواها، وقالت: “كنت أتمنى أن أتعلم حتى أستطيع فهم زوجي والتعامل معه وفق ما يرضيه فقد كان دائم الغضب والسخط علي، ولا يمر يوم إلا ويسبني وكل أهلي، ويلعن اليوم الذي تزوجني فيه. عشت ما تبقى من سنوات طفولتي زوجة مقهورة من زوج يكرهها، ومع ذلك فهو لا يطلقني بحجة تربية ابني الذي أنجبته، كنت أشعر بكراهيته الشديدة وهو يضربني بلا رحمة وكأنه ينتقم مني لدرجة أنه أصابني إصابات بالغة في كل أجزاء جسمي. وكلما كنت أغضب لبيت أهلي كان أخي الأكبر يجبرني على العودة، وفهمت بعد ذلك أنه يحاول إبعادي عن بيت العائلة الذي يسيطر عليه حتى لا أطالبه بميراثي من أبي”. 

بسبب هذا الميراث وقعت مشكلات كبيرة بين زوج أم عزيز وشقيقها، فالأول يطالب بحق زوجته الذي يحتاجه بدوره لمساعدته على المعيشة خاصة مع إنجاب طفلتهم الثانية ومع نجاحه في الالتحاق بالجامعة وما يتطلبه ذلك من نفقات أكبر من طاقته.

“أما أخي فكان يرفض إعطائي نصيبي في الميراث كوني امرأة لا حق لها في ذلك حسب التقاليد هناك، كما يرى أنه لا يحق لزوجي التدخل في هذا الأمر باعتباره لا يخصه حسب اعتقاده، بينما ضعت أنا بين الاثنين بسبب خلافهما وتأنيب كل واحد منهما لي على أني أناصر الآخر ومحاولته الانتقام مني كل على طريقته”.

توقف الحديث حينما جاءت مجموعة من البنات وهن يضحكن بانطلاق ويطلبن أكياس من الترمس مقابل جزء من مصروفهن. رغم كم الحزن الدفين في نفسها كانت أم عزيز تبتسم بحنان وحب للتلميذات وتمزح معهن وهي تقول لهن “إوعوا تتخطبوا أو تتجوزوا دلوقتي.. لازم تكملوا تعليمكم وتشتغلوا كمان عشان متبقوش زي خالتكم أم عزيز!”.

التفتت لي وقالت “لقد تحملت كل أنواع المذلة والإهانة من أجل ابنتي عندما وجدت فيها ما يبشر بمستقبلها الناجح، ربما لو كانت مثل شقيقيها كنت بقيت بعيدة عنهم وعن بيتي بعد أن طردني زوجي منه وطلقني للمرة الثانية. لقد كانت صورة ابنتي أمام عيني وهي بمنصب كبير تأمر وتنهي ولا يتحكم فيها أحد، وكنت أعد الأيام لأصل لهذا اليوم حتى أطمئن عليها لأن شقيقيها الذكور يمكنهما العمل في أي شئ لأنهم “رجالة”، لكنها بنت مكسورة الجناح وكنت أخشى أن تصبح مثلي، والحمد لله أنها تفوقت ونجحت في كلية الهندسة وأصبحت مهندسة قد الدنيا”.

كان هناك زخم من التساؤلات التي تفرض نفسها أثناء حواري مع الخالة أم عزيز مثل: كيف تكون ابنتها مهندسة وهي تنتظر تلك الجنيهات القليلة كل يوم من حصيلة بيع الترمس أمام مدرسة البنات؟ وأين دور الزوج في الإنفاق عليها وحمايتها من العوز؟ واتفقت معها أن يكون لنا لقاء آخر.

في المرة الثانية ذهبت إليها في نفس المكان الذي تفترشه أمام المدرسة وهي تبيع الترمس للتلميذات، وألقيت عليها التحية فردتها وهي مبتسمة وعلى وجهها أمارات السعادة والرضا، ولما سألتها عن ذلك فقالت لقد اتصلت ابنتي بي وسمعت صوتها واطمأننت على أخبارها. وبدا من كلامها أن زوجها وأولادهما يعيشون في محافظة أخرى غير المحافظة التي تعيش هي فيها. لم يكن ذلك طبيعيا خاصة بالنسبة لأسرة ريفية تتمسك بالتقاليد التي لا تسمح للأم أن تعيش بعيدا وحدها. وسألتها عن سبب ابتعادها والعيش بمفردها فقالت: “لا أعيش بمفردي أنا أعيش مع أهلي هنا في الريف، أعيش مع أخي وزوجته وأولاده لكنهم لم يطيقوا أن أعيش معهم وأشاركهم “اللقمة”  رغم أنهم لازالوا يحتفظون بميراثي، وشعرت من معاملتهم لي أني ثقيلة عليهم خاصة وأن زيارتي لهم هذه المرة طويلة ومستمرة ففكرت في أي عمل أتكسب منه “لقمة عيش كريمة” بدون إهانة ولا مذلة وكانت المشكلة أنني لا أجيد القراءة ولا الكتابة كما أنني لم أتعلم أية مهنة ففكرت في تربية الطيور وبيعها لكني خسرت بسبب كساد التجارة. وكان الحل الذي فكرت فيه طويلا هو أن أبيع الترمس على باب المدارس لأنه مشروع لا يحتاج إلى رأسمال كبير وسهل بالنسبة لي، واخترت هذا المكان لحبي الشديد للعلم وتقديري للتعليم فأحببت أن أكون قريبة من التلميذات وأراهن وهن يخرجن من المدرسة لأشبع إحساسي بالحرمان من التعليم وأنا في مثل أعمارهن”.

وعندما سألتها عن زوجها وأولادها وسبب ابتعادها عنهم لمعت الدموع في عينيها وقالت أنا “نفدت بجلدي وهربت من الجحيم” كدت أموت عدة مرات وهو يحاول الضغط على رقبتي ليخنقني لولا تدخل الأولاد. أنا أعرف أنني لست الأم الجيدة التي يمكن أن ترفع من شأن أولادها ولا الزوجة المتعلمة التي كان زوجي يحلم بها خاصة بعد أن تولى وظيفة محترمة، وكنت أرتكب أخطاء خارجة عن إرادتي مما جعل زوجي عصبيا غاضبا لأي سبب، وليس لديه وسيلة تفاهم معي إلا السب والضرب والإهانة أمام أبنائي لدرجة أنهم صاروا يتطاولون علي كما يفعل أبوهم، ومع ذلك كنت أتحامل على نفسي حتى يكبروا ويعتمدوا على أنفسهم وخاصة ابنتي.

“ذات يوم وقعت مشكلة كبيرة بسبب موقف مع الجيران وفوجئت به يضربني بكل قوة ولما حاولت الدفاع عن نفسي ألقى علي يمين الطلاق وكانت الطلقة الثالثة فقلت أن كل شئ قد انتهى وطلبت أن أسافر لأهلي وحاولت ابنتي مرارا الاتصال بهم لتخبرهم عما حدث حتى يأتي أخي ويأخذني معه لأنني لا أعرف أحدا غيره، لكنه للأسف لم يأت وتجاهل الأمر وتهرب مني بحجة مرض ابنه وزعم أنه معه بالمستشفى ثم أغلق تليفونه حتى لا نتصل به مرة أخرى”.

هنا أصبحت أم عزيز بين نارين، لا تعرف ماذا أفعل وكيف تتصرف وهي لا تملك حتى أجرة السفر، فاضطرت للرضوخ للأمر الواقع والانتظار مع أولادها بينما ينفصل زوجها عنهم، غير أنه حكم عليها بألا تخطو عتبة المنزل وألا يراها أحد من أي نافذة في المنزل، “لدرجة أن متطلبات المنزل كلها كان هو وابنتي يقومان بشرائها بينما كنت أنا مجرد خادمة في المنزل. ومع ذلك رضيت وقنعت ومكثت بالبيت عدة سنوات دون أن أرى الشارع، ولكني بدأت أتعب نفسيا وأصابتني أمراض في جسمي بسبب إحساسي بالقيد والاختناق والعجز عن عمل أي شئ حتى مع أولادي كنت أشعر أنني بلا قيمة”.

كلما وقعت أية مشكلة في البيت مع الأولاد كانت أم عزيز الضحية فكان أبوهم يأتي ويضربها بكل قوته، ما زاد شعورها بالمهانة أنها تعيش في بيت رجل يكرهها، بخاصة وأنها أصبحت بلا حل، ما دفعها لتطلب منه أن يعطيها ورقة طلاقها حتى تستطيع الحصول على معاش والدها المتوفى لتنفق منه على نفسها، وتقول حول ذلك مضيفة “لقد سخر مني ورفض، وحتى الآن لم أحصل على ورقة طلاقي، وبسبب رفضه حرمني من معاش والدي ولم يعد لي مورد رزق إلا ثمن أكياس الترمس التي أبيعها”.

لما سألتها عن سبب رفض الزوج توثيق الطلاق طالما أنه طلقها للمرة الثالثة، ولم تعد تحل له خاصة بعدما تزوج بأخرى، قالت أم عزيز “السر في المؤخر والقايمة، لأن أهلي عندما زوجوني له فرضوا عليه مبلغا كبيرا وكمية من الذهب ضمن المؤخر، كما أجبروه على التوقيع على قائمة منقولات الزوجية، على الرغم أنني كنت أعيش في بيت حماي وعلى أثاثهم القديم لكنها عادات الزواج في الأرياف للضغط على الزوج وإجباره العيش مع ابنتهم وعدم تطليقها، وإلا يدفع لهم قيمة هذه المستحقات”.

استطردت أم عزيز، قائلة بأنها تحملت ضغوطا كبيرة حتى فقدت القدرة على الاستمرار في هذا العذاب والقهر وفكرت في الهرب من البيت، لكنها تراجعت من أجل ابنتها “حتى انتهت الأمور عندما كدت أموت بين يديه وأنا أطالبه أن يطلقني ويتركني لحال سبيلي، لكنه أصر على الرفض وبضغط من ابنتي وافق أن أسافر وحدي إلى أهلي واشترط علي عدم الاتصال بأبنائي”.

بطبيعة الحال تبادر إلى ذهني التفكير في الخلع بعد أن أصبح وسيلة قانونية متاحة للمرأة لشراء حريتها من زوج تبغضه ولا يريد تطليقها، وعرضت الأمر على أم عزيز فسكتت قليلا ثم قالت: “من أدراك أنني لم أفكر في هذا الحل الذي عرفته بالصدفة من خلال مشاهدتي للمسلسلات، لكني لم أجرؤ على طرحه بدون إذن أهلي وموافقتهم وهم يرفضون الخلع ويعتبرونه أمرا ممنوعا بشكل مطلق، وهددوني بعقاب شديد وحرماني النهائي من ميراثي لو لجأت للخلع. طبعا هم يرفضون حرصا على مستحقاتي المادية التي يعتبرونها ثروة مهمة لا يصح التضحية بها حتى لو كانت على حساب كرامتي”.

مرت الأيام والشهور ولازالت أم عزيز تفترش الأرض أمام بوابة مدرسة البنات ومعها أكياس الترمس لتبيعها للتلميذات وتعود بجنيهات قليلة، بينما حرمها أخوها من إرثها وحرمها زوجها من حريتها وحقها في الحصول على ورقة طلاق تساعدها على استحقاقها لمعاش والدها وليس أمامها سوى انتظار مصيرها المجهول.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم