- تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة المقال الساخر (المركز الأول) للصحفي السوري، إبراهيم جواد. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).
منذ أيام ونحن نركض خلف ابن أخي التوأم الذي لم يتجاوز عمره السنتين لكي نستفزه بكل الوسائل المتاحة التي تعلمناها في حياتنا العملية التي لم تك عملية بما فيه الكفاية، نستفزه من أجل أن يرفع لنا سبابته على حين غرة، بوجه غاضب معقود الحاجبين لكي يضحكنا بعض الشيء، وهو لايقصد برفعها الشهادة، وإنما يقصد اصبعا آخر قد يكلف رفعه جرحى في بعض الحالات الحياتية.
عندما يرفع اصبعه يقوم أخاه التوأم بسرعة ويقول بكلمات متلعثمة غير مفهومة: ليست هذه الاصبع.. ليست هذه.. دعني أعلمك، فتتعالى ضحكاتنا أكثر وأكثر.
أعيش في منزل لا يعج سوى بالأطفال وهذا يعني بطبيعة الحال أنه لايعج بالمال، أصبحت في الآونة الأخيرة أميز هؤلاء الأطفال بناء على أغانيهم ولا شيء يفوق صوت الكبير فيهم وأغنيته الشهيرة “سلم على أمك سلم”.
خلال كأس العالم لكرة القدم بنسخته الأخيرة، وفي المباراة التي جمعت الأرجنتين وهولندا كنت أشاهد المباراة وحدي في غرفتي العمومية فجاء ابن أخي ذو الأربع سنوات ليشاهد معي المباراة
سألته من تشجع؟ فقال: ميسي. وماهي إلا لحظات حتى جاءت فرصة نسيت لأي منتخب، فتعالت أصوات الجماهير، وارتفع صوت المعلق، ففرح ابن أخي وراح يغني” ميسي وينو كسرنا عينه” ورددها أكثر من 10 مرات حتى طردته من الغرفة لأشاهد خسارة ميسي الذي أكرهه بهدوء.
لاشيء مما ذكرته في هذه المقدمة القصيرة والغنية بالمعلومات الثقافية كان بلا جدوى، فالمشترك في الأمثلة التي ذكرتها أن جميع ما حصل فيها جاء من التطبيق الصيني الراقص” التيك توك” الذي حول أطفالنا لببغاوات يرددون ما لا يعلمون.
هذا التطبيق الذي يقضي أطفالنا عليه ساعات وساعات وهم يشاهدون الدكتور فود كيف ينازع الطعام بين يديه وزوجته شروق التي غابت شمسنا يوم عرفناها. وذلك الطفل الذي يجلس والده بجانبه وينادي بصوت عالٍ و رفيع “هجموا ياعفو الله”، ووالده جالس بجانبه وكأنما عثر على إكسير التجمد وأكاد أجزم لو قام الولد بنتف شوارب والده لما تحرك الأخير من مكانه، فكل شيء يهون أمام “أسد التيك توك الضخم” الذي يقولون أنه يباع فيما بعد بـ 300 دولار.
وصل عدد متابعي التطبيق الراقص مع نهاية عام 2022 إلى 1.2 مليار مستخدم بينما التوقعات كانت تشير إلى وصول التطبيق إلى 1.8 مليار والحمدلله الذي سلّم الـ 6 مليار شخص من هذا الكابوس المخيف.
لا أعرف حقاً إن كان كابوساً فهو على الأقل يسمح للطفل أن يجوب ثقافات العالم بلحظات، فعندما كنت في ريعان طفولتي التي لم أشهد منها سوى الاسم، كنت أكافح للحصول على معلومة من هنا أو هناك وعندما كنت أستقبل معلومة جديدة، وكأنما ملكت الدنيا بجواربي الممزقة. فحتى السؤال كان محرماً علينا في المدرسة والعائلة فمن الصف الأول وحتى السابع كان التحدث أو السؤال في الصف التعليمي يشبه إلى حد بعيد “حسان” في مسلسل “ضيعة ضايعة” الذي قام بنزع مسمار الأمان من القنبلة اليدوية وبدأ يعد الثواني ببطئ شديد قبل أن تنفجر بيده.
بعد الصف السابع بدأنا نرى أساتذة يقولون لنا بعد نهاية درس القومية الذي يمتد لساعتين ويتحدث عن إنجازات “إله الدولة” و”راعي الرعاة” و”قاضي القضاة” و”مؤلف الكتب” و”سبع البرمبا”
يقولون لنا: ماذا لديكم من أسئلة لنجيبكم عليها، أتمنى لو يعود بي الزمن إلى الوراء قليلاً لأسأله: اشرح لي ماهو السؤال لأسأل، وتخيلت أيضاً ماذا سيحدث بعد سؤال كهذا! الطلاب يدخلون في نوبة ضحك، الأستاذ سيشعر بالإهانة ثم يقوم بمسح بلاط الصف في ثيابي التي لم تك لتتغير ألوانها كثيراً.
قبل فترة نشرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية تقريراً تقول فيه أن التطبيق الراقص يقوم بتدمير عقول أطفالنا لأن تطبيق “التيك توك” المستخدم في الصين هو مختلف عن النسخة العالمية، ففي الصين مثلاً لايشاهد الأطفال سوى تجارب علمية، ونجاح أشخاص صعدوا نحو القمة وكُتاب وأطباء ومهندسين والقائمة تطول. بينما في النسخة العالمية يكاد لايوجد رقابة، وهذا صحيح ومنطقي ولطالما شاهدت فيديوهات على “تيك توك” حمدت فيها الله كثيراً على نعمة سماعات الرأس.
في موقع آخر تقول دراسة لا أعلم مدى صحتها ولكنها أقرب لما يقال بأنه في الصين لو سألت طفلاً ماذا تريد أن تصبح في المستقبل لأجاب رائد فضاء، بينما لو سألت طفلاً آخرا غير صيني ربما سيقول مؤثر على السوشيال ميديا وكلا الطرفين محق.
فرائد فضاء أو مؤثر على السوشل ميديا كلاهما يضمنان مستقبلاً زاهراً بمنطق السعي للمادة والمال.
أما لو سألت طفلاً عربياً لن يقول أي شيء، لأن الطفل العربي آخر همه المستقبل، فهو سيعيش كما عاش آباؤه وأجداده من قبله، “على التوكل” ولماذا يفكر في مستقبله وهو ومقدر له.
“التيك توك” تطبيق يكاد لا يوجد شبيه له بآثاره المدمرة وتكاد تكون باكستان الدولة الوحيدة في العالم التي حظرته بعد أن وجدت فيه فساداً للمجتمع.
وهناك دول أخرى قامت بحظره لكن لكل دولة أسبابها فالهند مثلاً حظرته لأنها تريد أن تنشأ تطبيقاً خاصاً بها تربح هي منه بدلاً من أن تذهب كل هذه الأموال للصين.
ومؤخراً سمعت أن بلداً عربياً قام بحظره ففرحت كثيراً، وماهي لحظات حتى علمت أيضاَ أن قرار الحظر جاء بسبب نشر الأخبار الكاذبة والملفقة والتطاول على الزعيم.
عندما شاهدت إعلان جائزة “الحل” للإبداع الصحفي على الفيسبوك دخلت على وجه السرعة إلى الموقع لأرى كم هي قيمة الجوائز فجميعنا يبحث عن ربح سريع كما يفعل أبناء “التيك توك”.
وجدت أن التحقيق الصحفي تبلغ جائزته 700 دولار هو مبلغ جيد ولكن ما سأكتبه “تحقيق صحفي” وهو أمر ليس بالسهل ويتنافى مع مبادئي في البحث عن ربح سريع.
وكدت أخرج من الموقع لكني قلت في نفسي لنتابع إلى آخر المقال ماذا يوجد. حتى تفاجأت بالمقال الساخر صحيح أن الجائزة ليست بالمغرية ولكنها تساوي أسداً بدراهم التيك توك سأربحها دون أن أضطر لأنتف شوارب أحدهم مقابل تحديات التطبيق الراقص.

