عندما تتحدث عن السواحل السورية، تتبادر إلى الذهن صور رائعة للشواطئ الذهبية والمياه الصافية التي تغمر الأفق. إذ إنها واحدة من المنتجعات الطبيعية التي يفترض أن تكون ملاذا للراحة والاستجمام. ولكن مع اقتراب فصل الخريف والشتاء، يثار السؤال؛ ما علاقة “تسمير البشرة” المعروفة بالتان بالهجوم المتزايد على الشواطئ السورية الخاصة.
في ظل الاحتجاجات والأزمات التي تعاني منها سوريا، يبحث الناس عن طرق للترويح عن أنفسهم والاستمتاع بالحياة. ومن بين هذه الطرق، تبرز الشواطئ الخاصة، التي توفر للزبائن جوّا مريحا وخدمة مميزة وأنشطة مائية متنوعة. كما توفر هذه الشواطئ فرصة لتسمير البشرة، وهو ما يعتبره بعض الناس جزءا من جمالهم وأناقتهم.
فمع انحسار أشهر الحر فلكيا، واقتراب فصل الخريف والشتاء، يصبح من الصعب الحصول على أشعة شمس كافية ودافئة لتسمير البشرة بنفس القوة والفعالية. لذلك، يكون الإقبال على الشواطئ وأماكن الترفيه المائي أقل خلال هذه الفترة.
“التان” أو تسمير البشرة هي عملية تعرض الجلد لأشعة الشمس لفترات قصيرة بهدف الحصول على لون برونزي أو بُني أكثر داكنا. حيث يحدث تسمير البشرة عندما تتعرض خلايا البشرة لأشعة الشمس فوق البنفسجية، وهذا يؤدي إلى زيادة إنتاج الميلانين، وهي الصبغة التي تعطي البشرة لونها. وتحدث هذه العملية كآلية طبيعية لحماية البشرة من أشعة الشمس الضارة.
ساعة “التان” بـ 500 ألف ليرة
في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا، والتي تتجلى في انهيار العملة وارتفاع التضخم والفقر والبطالة، يبدو أن هناك فئة من المجتمع تعيش في عالم آخر، بعيدا عن المشكلات والهموم، حسب وصف مالك إحدى محال مستحضرات التجميل، مروان حمامي.

هذه الفئة طبقا لحديث حمامي لـ”الحل نت”، هي فئة الأغنياء والطبقة البرجوازية، التي تستطيع تحمّل تكاليف حياة فاخرة ومترفة، بما في ذلك تسمير البشرة في الشواطئ الخاصة، والتي تصل فيها ساعة “التان” إلى 500 ألف ليرة، حسب الخدمة ونوع الكريمات المقدمة من إدارة الشاطئ.
التساؤل الذي يطرح حول إقبال بعض الناس على تسمير بشرتهم في سوريا، وهل يستحق هذا التسمير دفع مبالغ طائلة في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، يجيب عنه حمامي، بـأن الدوافع النفسية، ورغبة هذه الفئة في إظهار جمالها وأناقتها، والتغلب على مشاعر الحزن والإحباط التي تسود المجتمع هي من تجعلهم يقبلون على عمل “التان”.
فاللون المُسمر يُعطي انطباعا بالصحة والحيوية والثقة بالنفس. كما يُبرز ملامح الوجه والجسم، ويُظهر التناسق مع الملابس والإكسسوارات. فضلا عن أن اتباع هذه الفئة للموضات والصيحات الغربية، التي تروّج لتسمير البشرة كجزء من جمال المرأة والرجل. فهذه الفئة تحاول تقليد نجوم هوليود والإعلام، وتظهر انفتاحا على ثقافات أخرى.
كذلك من الدوافع السياسية لهذه الفئة في الاستمرار سنويا بعمل “التان” وفق تحليل حمامي، هي باعتقادهم أنها أداة للتميز والتفرد عن باقي المجتمع. فهذه الفئة تريد إظهار قدرتها على تحمّل تكاليف هذه التجربة، وتعبيرها عن رفضها للوضع الراهن، وتحديها للقيود والقوانين المفروضة على الحرية الشخصية.
الوجه المظلم لتجارة “التان”
الترويج لـ”التان” بدأ حسب متابعة “الحل نت” لمواقع التواصل الاجتماعي، منذ منتصف الأسبوع الفائت، عندما دخل الصيف ثلثه الأخير، وانطوت موجات الحرارة القوية، حيث بدأت بعض الصفحات بالترويج لعمليات تسمير البشرة، وطرح العروض التي يصفونها بـ النارية.

من الناحية الطبية، يؤكد دكتور الجلدية، وسيم عفور، في حديثه لـ”الحل نت”، أن الإدمان على تسمير البشرة بشكل سنوي، يحدث نتيجة إفراز هرمونات مثل الإندورفين أو الميلاتونين عند التعرض لأشعة الشمس، والتي تؤدي إلى شعور بالانتعاش والاسترخاء، ويرافقه اكتئاب أو قلق عند انقطاع التسمير.
هذه المجموعات التجارية طبقا لعفور، لها وجه مظلم لتجارة “التان” أو تسمير البشرة، إذ ليس لديهم مرجعية طبية عن أنواع البشرة التي يمكنها تحمّل عملية التسمير أو الوقت المناسب للعملية، إذ معظم الأشخاص الذين تعرضوا لتسمير بشرتهم يأتون في أوقات لاحقة متعرّضين لحروق الشمس، التي تحدث نتيجة التعرض المفرط لأشعة الشمس فوق البنفسجية، وتسبب احمرار وتقشير وألم في الجلد.
كما أن عملية “التان” غير المنضبطة تساهم بسرطان الجلد، الذي يحدث نتيجة إتلاف الحمض النووي في خلايا الجلد بسبب أشعة الشمس فوق البنفسجية، ويسبب نمو خلايا غير طبيعية وأورام حميدة أو خبيثة. أو الشيخوخة المبكرة للجلد، التي تحدث نتيجة تكسر ألياف الكولاجين والإيلاستين في البشرة بسبب أشعة الشمس فوق البنفسجية، وتسبب التجاعيد والخطوط الرفيعة والهالات السوداء.
في حين يشير حمامي إلى أن هناك ترويج لحالة التميز والتفاوت بين طبقات المجتمع، حيث تساهم الدعايات والإعلانات لهذه الأماكن بإظهار هذه الفئة التي تستمتع بحياتها وإنفاق أموالها على الترفيه والتسلية، بينما يعاني غيرهم من الجوع والفقر.
انتعاش تجارة خلطات وكريمات التسمير
مع الإقبال والترويج لعمليات “التان” في الشواطئ السورية الخاصة، باتت تجارة خلطات وكريمات التسمير غير المرخصة وهي تجارة محظورة ومخالفة للقوانين والمعايير الصحية، حيث تشكل خطرا على صحة وجمال البشرة رائجة خصوصا في مجموعات “الفيسبوك”.

هذه الخلطات والكريمات التي تحتوي على مواد كيميائية ضارة أو مجهولة المصدر أو المكونات، وقد تسبب حساسية أو حروق أو تصبغات أو سرطان في الجلد، راجت بشكل واسعة وفق متابعة “الحل نت”، مستغلة جهل وضعف بعض الناس، الذين يسعون للحصول على لون بشرة مسمر بأسعار رخيصة، دون الالتزام بالإجراءات الآمنة والمشروعة للتسمير.
هذه التجارة التي انتعشت في الآونة الأخيرة، بسبب زيادة الطلب على التسمير، وانخفاض قدرة الكثير من الناس على تحمّل تكاليف التسمير في الشواطئ الخاصة أو في أسرّة التسمير. كما أن هذه التجارة تستفيد من ضعف الرقابة والتفتيش على المنشآت الطبية، وانتشار المنشآت غير المرخصة، وسهولة الترويج لهذه المنتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
خلطات وكريمات التسمير غير المرخصة تعتبر جزءا من سوق مزدهر حاليا لا يمكن تجاهله. حيث يشجعون الناس بوعود مغرية على تحقيق بشرة برونزية خلال وقت قصير وبجهد وتكلفة أقل، مما يعزز من جاذبية هذه المنتجات. ومع ارتفاع الطلب عليها، يتسابق الكثيرون لاقتناء مستحضرات التسمير غير المرخصة بحثا عن الإشراقة والجاذبية حيث وصل سعر العبوة 150 مل ما بين 50 إلى 250 ألف ليرة سورية.
على الجانب الآخر، لا تتعامل الحكومة السورية والجهات التنظيمية بجدّية مع تجارة المستحضرات غير المرخصة. فعلى الرغم من أنها تجذب اهتمام الكثيرين، إلا أنها تشكل تهديدا لسلامة وصحة المستهلكين.
“التان” هذه الظاهرة التي تشهدها سوريا، وبسببها تشهد الشواطئ الخاصة خلال آخر أسابيع فصل الصيف هجوما عليها، أصبحت تجربة مستحيلة للكثير من السوريين، ولكن ممكنة لفئة محدودة من الأغنياء والطبقة البرجوازية. وهذه التجربة تعكس حالة المجتمع والاقتصاد في سوريا، وتؤثر عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.
- 6993 قتيلاً و363 مجزرة.. حصيلة 9 سنوات من التدخل الروسي في سوريا
- إيران تتحرك بين موسكو والدوحة مع تصاعد الضغوط الأميركية
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟

