يعاود اليوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرة أخرى لتقديم السرديات والوعود التي يطلقها عادة أمام حكومته ومؤيّديه والمواطنين الأتراك عموما، فيما يتعلق بتحسين حصّة الفرد من الدخل القومي وغيرها من الوعود، التي أغلبها لم يتم الوفاء بها.
وما خطابات أردوغان البراغماتية إلا تعزيزا للتأييد الشعبي له و لحزبه ”حزب العدالة والتنمية”، علما أنه وضع خلال السنوات العشر الماضية عددا من الأهداف للقرن الثاني لتركيا، وكان يخرج إلى الساحات في كل مرة ويلوّح باستعراض تلك الأهداف على أمل نيل تأييد الشارع التركي كلما اقترب موعد الانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية أو البلديات. هذا المشهد تكرّر قبل عدة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وهو اليوم يكرّر هذه الرواية من خلال الإشارة إلى أن حكومته تهدف إلى رفع حصة الفرد من الدخل القومي إلى 17 ألف دولار بحلول عام 2028، قبل الانتخابات البلدية في آذار/مارس 2024.
بالنظر إلى أنه لم يتحقق تقريبا أيًّ من الأهداف التي توعّد بها أردوغان في السنوات السابقة، ولعل أبرزها أن يصل الدخل القومي للفرد إلى 20 ألف دولار، وستصبح تركيا واحدة من أكبر 10 دول في العالم، وستتم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ولن تكون ثمة مشكلات في مجال حقوق الإنسان، وسيجري تطبيق قاعدة “صفر مشاكل” مع الجيران ودول المنطقة ككل، فإن ما يتوعد به أردوغان اليوم أمرٌ مشكوك فيه، أو إن جاز التعبير، فأردوغان يسرد الوعود “الكاذبة” التي اعتاد عليها.
أردوغان ووعوده “المعتادة”!
يقول أردوغان، أن حكومته تهدف لرفع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 17 ألف دولار بحلول العام 2028. وجاء ذلك في تدوينة نشرها يوم الثلاثاء الفائت عبر منصة “إكس” (تويتر سابقا) حول الخطة التنموية الـ 12 للفترة بين عامي 2024-2028 التي أعدتها الحكومة.

وبحسب ما تناقلته الصحف التركية، فقد زعم أردوغان أن الحكومة تهدف أيضا في إطار الخطة لتحقيق متوسط نمو مستقر ومتوازن بنسبة 5 بالمئة، والوصول بالدخل القومي إلى ترليون و 589 مليار دولار عام 2028، مضيفا بأن حكومته قامت بإعداد الخطة في ضوء رؤية 2053، واصفا إيّاها بمثابة “خارطة طريق تركيا” للأعوام الخمس المقبلة.
تعليقا على هذا الطرح التركي، يرى الدكتور مصطفى صلاح، الكاتب والباحث السياسي المهتم بالشأن التركي، أن الخطاب الذي يتبناه أردوغان حاليا يشبه خطاباته الشعبوية السابقة، وهو يواصل تصدير نفسه وصورة حزبه “العدالة والتنمية” إلى المشهد العام عبر التلويح بمجموعة من الوعود التي لا يتحقق منها إلا القليل وبنسب محدودة.
الكاتب المهتم بالشأن التركي استدرك ذلك بالقول أثناء حديثه لموقع “الحل نت”، أن حكومة “حزب العدالة والتنمية”، حددت وتوعّدت في السنوات الماضية بتنفيذ جملة من الأهداف، وكان أبرزها أنه سيبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 20 ألف دولار ولكن لم يتحقق ذلك، حيث يبلغ نصيب الفرد ما بين 8000-9500 دولار أميركي سنويا، فضلا عن أنه لم يحل جميع مشاكله مع دول الجوار ودول المنطقة. بل على العكس من ذلك، فهو يحاول استغلال الظروف الراهنة لصالحه، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، يحاول تقديم نفسه كوسيط بين طرفي الصراع؛ إسرائيل وحركة “حماس”، الأمر الذي سيزيد من مشاكله، إذ يُعتبر تصرفه قفزا على وزن واعتبارات بعض دول المنطقة فيما يخص غزة.
كما سبق أن وعد أردوغان بأنه سيحل المشاكل في مجال حقوق الإنسان، إلا أن معدل التجاوزات والانتهاكات في تركيا في تصاعد مستمر، بما في ذلك قمع الحريات ونبذ المعارضة. وأنقرة صاحبة العدد الأكبر للصحفيين في سجونها، فضلا عن أنها الدولة التي يوجد بها أكبر عدد من السجناء السياسيين.
عدم الموثوقية
أردوغان في خطابه الحديث نوّه إلى ضرورة مساهمة منظمات المجتمع المدني والمنظمات المهنية وعالم الأعمال في إعداد خطة التنمية، مؤكدا أن الخطة ترتكز على أسس رئيسية مهمة، أبرزها قوة اليد العاملة النوعية، والأسرة القوية، والنمو المستقر والاقتصاد القوي والتحول الأخضر والرقمي والإنتاج التنافسي، بالإضافة إلى الإدارة الديمقراطية القائمة على العدالة.
كما تقوم الخطة، بحسب زعم أردوغان على تقليص معدل البطالة إلى 7.5 بالمئة عام 2028، ورفع الصادرات إلى 375 مليار دولار، وأن الحكومة التركية تعتزم تقليص التضخم إلى خانة واحدة بشكل دائم ليبلغ 4.7 بالمئة عام 2028.
في تقدير الباحث في الشأن التركي، فإن عدم تغيير سياسة حكومة “العدالة والتنمية” سوف لن يحقق أيّاً من الوعود التي ذكرها أردوغان، لتحسين اقتصاد البلاد، فالأزمات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد التركي اليوم تُرجع بسبب النهج السياسي الذي اتّبعه أردوغان على مدى العقدَين الماضيين من حكمه للبلاد.
ارتكب أردوغان وحكومته أخطاءً فادحة في المجال السياسي والاقتصادي والحقوقي، خاصة عندما استفزوا العديد من دول المنطقة، حتى ومنهم أبرز دول المنطقة، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، وصولا إلى الغرب، مما كبّدهم خسائر اقتصادية جمّة، والتي لا تزال مستمرا حتى يومنا هذا.
الباحث في الشأن التركي، مصطفى صلاح لموقع “الحل نت”
ولذلك فإن تعويل أردوغان على القوى العاملة ومنظمات المجتمع المدني وعالم الأعمال والتحول الأخضر والرقمي وغيرهم في نجاح خطته التنموية، يشير إلى أنه لن يحقق الهدف الذي أعلنه، ويُرجع ذلك إلى عدم ثقة المستثمرين بعد في سياسة تركيا التقليدية، وينتظرون إلى أي مدى ستكون هناك تغييرات في السياسات الاقتصادية التي اعتمدها أردوغان في اقتصاده خلال السنوات الماضية. وفي الواقع فإن الخبراء الاستراتيجيين ما زالوا متشكّكين بشأن الآفاق الاقتصادية على المدى المتوسط في تركيا.
“مخاتلة أردوغانية”
منذ فوز أردوغان بولاية رئاسية جديدة أواخر أيام/مايو الماضي، وحتى اليوم، وهو يتعهد بتحسين اقتصاد البلاد سواء عبر تعيين حكومة جديدة أو خلال تصريحاته وخطاباته الشعبوية، إلا أن الاقتصاد التركي لم يشهد حتى الآن تحسّنا كبيرا، ولا تزال الليرة التركية في حالةٍ من التدهور المستمر، إذ تعاني أنقرة واحدة من أطول سلسلة انخفاضات لليرة منذ عقود، وهو ما يمنع من تحسّن التضخم الهائل الذي تشهده تركيا.
في وقتٍ سابق، نشر “مجلس العلاقات الخارجية” (سي إف آر)، أحد أبرز مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، تقييما شاملا يشير إلى أن تركيا تتجه نحو أزمة عملات أجنبية بسبب استنفاد احتياطات العملة الأجنبية في “البنك المركزي التركي”، مشيرا إلى أنقرة على وشك استنفاد احتياطاتها من العملات الأجنبية القابلة للاستخدام الفعلي، فإما أن تبيع ذهبها أو أن تدخل في حالة تعثر، أو توافق بمرارة على برنامج “صندوق النقد الدولي”.
من جانب آخر، تراجعت الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية إلى مستويات قياسية جديدة منذ أمس الأربعاء، رغم إعلان أردوغان عن طموح حكومته لزيادة الدخل القومي للفرد إلى 17 ألف دولار بحلول عام 2028. وهنا يقول الباحث في الشأن التركي، إن تركيا لا تملك في الأساس المخزون الكافي من العملات الأجنبية نتيجة اضطرابات بين معدل الصادرات والواردات، فضلا عن انخفاض معدل الاستثمار الأجنبي، والسياحة.
بالتالي ليس ثمة أي مؤشرات على تحسين فعلي للاقتصاد التركي، في ظل حكم حكومة “العدالة والتنمية”، خاصة أنها لم تغير أيّاً من سياساتها، ومن المتوقع أن يتراجع الاقتصاد التركي بدون تحسين العلاقات التركية الغربية، وخاصة واشنطن. وطالما يتمتع أردوغان بعلاقات جيدة مع روسيا فإن علاقته مع الغرب ستبقى كما هي، وبدون الاستثمار الأوروبي لن يتغير الواقع الاقتصادي التركي ولن يشهد أي نتائج إيجابية حقيقية، وفق ما يحلله الباحث في الشأن التركي.
إن وعود أردوغان ورواياته حول تحسين الاقتصاد التركي خلال السنوات الخمس المقبلة ليست أكثر من تعبئة شعبوية.
هذا بالإضافة إلى تراجع معدل السياحة بشكل عام في تركيا، أحد أهم مداخيل الاقتصاد التركي، بعد حوادث الاعتداءات المتكررة على السّيّاح العرب، والترحيل الخاطئ لبعضهم إلى الشمال السوري ضمن حملة ترحيل سوريين إلى بلادهم. وهو ما ألقى بظلاله على السياحة العربية في البلاد، خاصة وأن نشطاء وصحفيين وشركات سياحية حذّروا من مخاطر ذلك، وسط تزايد الكراهية ضد اللاجئين السوريين في تركيا.
بهذا المعنى يمكن القول أن وعود أردوغان وسردياته بشأن تحسين الاقتصاد التركي خلال السنوات الخمس المقبلة، وخاصة رفع دخل الفرد من الدخل القومي التركي إلى 17 ألف دولار، ليست أكثر من تعبئة شعبوية، بل ومخاتلة أردوغانية بامتياز، وذلك بغية تعزيز حاضنته الشعبية قبل الانتخابات البلدية في آذار/مارس المقبل. وبعد ذلك، لو كان هذا الرجل جادا في وعوده، لما أدخل البلاد في كل هذه الأزمات الاقتصادية، ولكان قد حسّن مستوى اقتصاد بلاده خلال السنوات الماضية من حكمه، وعدم الإيفاء بوعوده سوف يُدخل البلاد لدوامة صعبة ومتشابكة على عدّة مستويات.
- بعد تلميح وزير الطاقة أمام مجلس الشعب.. هل تطرق زيادة تعرفة المياه باب السوريين؟
- تقرير حقوقي: مرسوم الجنسية لا ينهي آثار حرمان الكرد من حقوقهم لعقود
- أكثر من 500 عائلة ضمن قافلة العودة الثالثة إلى رأس العين/سري كانيه
- “تتجاوز دخل المواطن”.. كيف تحولت إيجارات الشقق في سوريا إلى عبء لا يُحتمل؟
- مقتل ثلاثة شبان علويين بإطلاق نار على سيارتهم في ريف طرطوس

