تتعمد بعض الدول في وجودها على إشعال الصراعات في المناطق البعيدة عن حدودها؛ حتى يظل العالم مشغول بهذا الصراعات وذلك يكون  خلال تنفيذ مخطط تمّ الأعداد له بشكل سابق. 

وكلما كان اقتصاد هذه الدول قوي كلما كان نجاحها في هذه المخططات مضمون، لأن هذه المخططات تعتمد أولاً وقبل أي مقوّم آخر على الدعم المادي الذي يظهر في صورة التمويل المادي المباشر تارة، وفي الدعم العسكري تارة أخرى، وأيضاً حتى الدعم على مستوى التّوجه والإرشاد يحتاج إلى الأموال ليكون لديه القدرة على مخاطبة الأشخاص القائمين على شؤون الدول، لأجل إقناعهم بأنه سيكون لهم دور في قيادة البلاد والشعوب وحماية أوطانهم من أي قوة خارجية تحت مسمّى الدين والطائفية، وبذات الطريقة كانت بداية تكوين المليشيات في المنطقة العربية.

إلا أن إيران التي فوجئت بتحركات “حماس” في غزة، تلقت ضربة موجعة مؤخرا، وتبين زيف ميليشياتها وقادتهم الذين صرفت عليهم المليارات خلال السنوات الفائتة، وباتت صاعقة “الظافرين” أبرز الطعنات التي تلقاها النظام الإيراني خلال مسيرة 20 عاما لتكوين هذه الميليشيات.

الهجوم على قوات “التحالف”

في تشرين الأول/أكتوبر الماضي شنّت الميليشيات التابعة لإيران بالفعل عدة هجمات بطائرات بدون طيار على القوات الأميركية في العراق وسوريا، لكن الولايات المتحدة لديها الآن معلومات استخباراتية محددة مفادها أن تلك الجماعات ذاتها قد تصعّد هجماتها إلى مستويات أبعد مع استمرار الحرب بين إسرائيل وحركة “حماس”.

صورة لقاعدة عسكرية أميركية – إنترنت

مسؤول أميركي في المنطقة، قال لقناة “سي إن إن”، إن هناك “أضواءً حمراء تومض في كل مكان”، وذكر مسؤولون أنه في هذه المرحلة، يبدو أن إيران تشجّع الجماعات بدلا من توجيهها بشكل صريح. 

وأوضح أحد المسؤولين أن إيران تقدّم توجيهات لجماعات الميليشيات بأنها لن تتم معاقبتها من خلال عدم إعادة تزويدها بالأسلحة، على سبيل المثال، إذا واصلت مهاجمة أهداف أميركية أو إسرائيلية. فيما قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، جون كيربي، إن هناك “ارتباطا مباشرا للغاية بين هذه الجماعات والحرس الثوري الإيراني، وتشعر واشنطن بقلق عميق بشأن احتمال حدوث أي تصعيد كبير لهذه الهجمات في الأيام المقبِلة”.

من المعروف أن لدى واشنطن حوالي 2500 جندي في العراق وحوالي 900 جندي في سوريا كجزء من “التحالف الدولي ضد تنظيم داعش”، وعلى الرغم من أنه من غير المرجّح أن تكون إيران مستعدة للانخراط في قتال مباشر مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، فإن توجيه الوكلاء لمهاجمة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط كان سيسمح لطهران بالحفاظ على نفوذها وسمعتها مع إدارة مخاطر التصعيد، لكن هذا الهدف زال مؤخرا بعد فضيحة مجموعة “الظافرين”.

تصريحات إيرانية

لم يكن وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، يعلم أن كلماته التي ألقاها في مؤتمر صحفي، مع نظيره الجنوب إفريقي ناليدي باندور في طهران، ستكون موضع سخرية لدى الحاضنة الشعبية الإيرانية قبل المنافسة لها أو بين الأوساط السياسية.

عبد اللهيان، ذكر أن الشرق الأوسط يشبه “برميل بارود”، في إشارة إلى أنه على الولايات المتحدة وإسرائيل، تقدير قوة إيران في المنطقة بسبب أذرعها المنتشرة فيها، فعلى وقع الحرب المتصاعدة بغزة، والتي دخلت شهرها الثاني، اتضح أن أجزاءً من سياسات إيران واستراتيجيتها هو الظفر بنصر دبلوماسي.

النظام الإيراني لجأ إلى تهدئة أذرعه الموجودة على حدود إسرائيل في لبنان وجنوب سوريا رغم أنها تهدد إسرائيل بهما، وفي المقابل دفع الميليشيات الشيعية الموالية له في كل من العراق واليمن البعيدتين جغرافياً عن إسرائيل للتصعيد وتكثيف الهجمات على القواعد الأميركية في سوريا والعراق من جهة، وإطلاق صواريخ بالستية ومسيّرات من اليمن صوب إسرائيل من جهة أخرى. 

في طهران كان قادة “الحرس الثوري” يتباهون بسيادتهم على منطقة الشرق الأوسط، وتحكّمهم بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية في المنطقة، كيف لا وهم الذين جنّدوا الآلاف من المرتزقة لتنفيذ أجنداتهم وصرفوا عليهم مليارات الدولارات رغم أن الدولة الإيرانية تعاني من ضائقة مالية كبيرة بسبب العقوبات والحصار الاقتصادي؛ إلا أن فضحية “الظافرين” كانت الشعرة التي قصمت ظهر قادة “الثوري”.

أهداف ذهبت هباء

قبل سرد حيثيات الفضيحة المدوّية، إيران المتمثلة في الميليشيات كانت من وراء هذه الهجمات على قوات “التحالف” الدولي، ترنو نحو أهداف ظاهرة وأهداف مخفية.

قائد الحرس الثوري الإيراني السابق يحيى رحيم صفوي (بدلة سوداء، في الوسط) يشارك في صلاة الجمعة. (تصوير سكوت بيترسون / غيتي)

الأهداف الظاهرة، في محاولة استغلال حرب غزة لإنهاء الوجود الأميركي في جوارها، وفي الوقت نفسه منع إنهاء وجود “حماس” في غزة، عبر دفع أميركا للضغط على إسرائيل لإيقاف الحرب في غزة. 

وهذا حسب ما جاء في خطاب الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، حينما قال: “إن أميركا تخوض المعركة في غزة وتديرها وكل الضغط يجب أن يوجه إلى الأميركيين”؛ لأن إيران تريد أن تنتهي الحرب على غزة دون القضاء على “حماس”؛ لأن وجود الأخيرة في قطاع غزة يمثل امتداداً للنفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

 ولقد دفعت إيران المليشيات إلى الهجوم على قوات التحالف بسبب زيادة الانتقادات التي وجّهتها قيادات من حركة “حماس” إلى “حزب الله” اللبناني، حيث وصفوا ردّ الحزب الموالي لإيران في “نصرة غزة” بأنه “كان مخيباً ودون المطلوب”، ولذا حاولت إيران إخراج “حزب الله” من هذا الموقف الصعب، واستبدال المليشيات بجبهة “حزب الله” في دعم “حماس”، وتصويره على أنه نصر ساحق. 

الباحث في مركز “الشرق” للسياسات، سعد الشارع، ذكر لـ”الحل نت”، أن إيران تهدف عبر مليشياتها الوصول لعدة أهداف، أهمها، الحفاظ على سيطرتها المطلقة على الطريق البري الذي يربط بين مناطق نفوذها بين سوريا والعراق، والمقصود هنا الطريق الذي يمرّ من بلدتي القائم العراقية والبوكمال السورية، بالإضافة لتطبيق خططها المتعلقة بالسياق الديني والاجتماعي في المنطقة، وليس بعيداً أيضاً تحقيق مكاسب اقتصادية عبر توسعة النشاطات الاقتصادية في البلدان التي تتواجد بها (العراق، سوريا، لبنان).

أما الأهداف المخفية، فتتمثل ببحث النظام الإيراني عن نصر زائف حتى لو على مستوى الكلمات، فالظاهر للعيان أن هذه الميليشيات كانت من أجل حماية المنطقة العربية، فإيران تبحث في طال الوقت من أجل تحقيقها ووجودها السياسي حتى ولو على حساب استغلال القضية الفلسطينية.

ولعل هذا أيضاً يفسّر لنا لماذا جاءت الهجمات على قوات التحالف تحت اسم “المقاومة الإسلامية في العراق” (حماس العراق)، في إشارة إلى أنه يجمع تحت لوائه كل الفصائل ولم يعود الأمر قاصرا على الشيعة دون السّنة. 

من ناحية أخرى، فإن القول بـ ” المقاومة الإسلامية ” يضمن الانتشار أكثر وبالتالي سيكون من السهل نفي الميليشيات مسؤوليتها وصعوبة تحديد الفاعل بالنسبة للقوات الأميركية، وهذا يعني مزيدا من الحماية لميليشيات إيران في العراق؛ لكن ذلك تبخّر وذهب أدراج الرياح بعد فضيحة مجموعة “الظافرين”.

الفضيحة الكبرى

منذ الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، ولدت وبشكل مفاجئ ميليشيا جديدة على الساحة العراقية – السورية تحت اسم “المقاومة الإسلامية – مجموعة الظافرين”، وتبنت المجموعة على صفحتها في تطبيق “تلغرام” العديد من الهجمات على القواعد الأميركية.

صورة لقاعدة عسكرية أميركية – إنترنت

ليس ذلك فحسب، بل إن أخبار وفيديوهات الميليشيا التي بثّتها تم تداولها بشكل فظيع بين أنصار المحور الإيراني وحتى على قنوات الإعلام الرسمية، فيما تلقت قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، عدة طلبات تزكية للمجموعة من قِبل قيس الخزعلي زعيم ميليشيا “عصائب أهل الحق”، وطلب تخصيص ميزانية مالية للمجموعة.

علاوة على ذلك، وبعد نشر المجموعة أنباء تبنيها اقتحام قاعدة “عين الأسد” الأميركية وقصفها بصواريخ بعيدة المدى، ومقتل عدد من عناصرها بعد قتل 9 جنود أميركيين، انبرت وسائل الإعلام والقنوات الفضائية التي تموّلها إيران بتناقل هذه الأخبار وتصوير أن هذا انتصار لـ”محور المقاومة”.

لكن خبر صادم نزل كالصاعقة على النظام الإيراني قبل ميليشياته وقواعدهم الشعبية في طهران والمنطقة العربية، فضح فيه قادة الميليشيات التي تهافتت لسحب الأموال، ودمر شبكة إيران من شرقها لغربها.

على ذات القناة التي كانت مجموعة “الظافرين” تنشر معاركها، كتب عمار العراقي بياناً وصف بـ الفضيحة الكبرى، حيث قال “لأعمال وقحة ارتكبها محور إيران في العراق جلست في الـ5 من نوفمبر هذا العام أفكر،  كيف يجب علي معاقبتهم على هذه الوقاحة، فعلى وجه السرعة وبيد خفيفة صنعت هوية بصرية وشعار لفصيل مسلح وهمي أسميته مجموعة الظافرين”.

وتابع العراقي، “ثم أنشأت القناة واستعملت محرك البحث الدقيق للحصول على عمليات لمدافع هاون ليلية عدة، وحصلت على العديد منها وجزّأتها على عدة عمليات وبعيارات مختلفة، ونفّذت عمليات وهمية في الإعلام وجعلتها بصورة غير قابلة للتشكيك، و أثرت الرأي العام عليها فسرعان ما أصبح الفصيل حقيقياً وأدرج في إحصائيات العمليات”.

ميليشيا الظافرين فضحية انتصارات إيران الزائفة ووجهاً آخر للواقع (1)
صورة مصنعة عبر الذكاء الاصطناعي لقتيل ينتمي لمجموعة “الظافرين” قيل أنه قتل في اشتباك مع القوات الأميركية في العراق – إنترنت

أيضا يضيف العراقي، “وكانت الماكينات الإعلامية للفصائل تبثّ مواد الفصيل بشكل متواصل، كذلك قامت الصحف والقنوات الفضائية العربية والأجنبية وبعض المواقع الروسية والإيرانية ببثّ مواد الفصيل على نطاق واسع، فأحدث ذلك اضطراباً أمنياً وأصبحت القيادة الأميركية في العراق متحيّرة، هنالك ضربات وهجمات تحدث لكن لا يوجد شيء، فتخوّفتُ من أن تنفي وكذلك تفادت التأكيد”.

مدير معهد “واشنطن” للدراسات الشرق الأدنى، مايكل نايتس، علق قائلاً: “قذائف الهاون تلك لم تصل أبداً إلى القاعدة الأميركية”، وذلك بعد أن نشرت شبكة “روسيا اليوم” التابعة للحكومة الروسية وقناة “الشرق” ووكالة “تسنيم” التابعة للحكومة الإيرانية، ووكالة “شينخوا” الصينية، ومعظم القنوات الفضائية العراقية، تقارير عن الهجمات المزعومة.

أخيراً يقول العراقي، سارت الخطة كما يجب وقررتُ إنهاء هذا كله، بعملية أخيرة وهي العملية التي أحدثت ضجة (عملية الاشتباك المباشر)، كونتُ الحادثة بصورة أجبرت الجميع على التصديق منها فيديوهات الاشتباك وأصوات إطلاق النار المزيفة، هي ليست قديمة إنما أنا صنعتها، وتم تداولها بكثافة وبعدها أعلنتُ عن قتيل وهو في طبيعة الحال ليس حقيقياً؛ إنما شخصية غير موجودة صنعتها بالذكاء الاصطناعي مع بعض الخبرة والاحتراف.

الصمت الأميركي ومبرراته

إذا أخذنا مشهد الهجمات كما تقدمه المليشيات الإيرانية المتمثل في 80 هجوماً على القوات الأميركية في العراق وسوريا منذ تولي الرئيس الأميركي جو بايدن منصبه نفهم سبب عدم وجود رد عسكري قوي وواضح، إذ أطلقت الجماعات المدعومة من إيران أكثر من 230 قذيفة، بما في ذلك 170 صاروخاً و60 طائرة بدون طيار، وفقاً لجهاز تعقب الصواريخ التابع لـ”جينسا”. 

ميليشيا الظافرين فضحية انتصارات إيران الزائفة ووجهاً آخر للواقع (3)
صورة لقاعدة عسكرية أميركية – إنترنت

ووقع 56 هجوماً من بينها 170 ذخيرة في العراق، فيما أطلقت الجماعات المرتبطة بإيران 65 ذخيرة على الأقل خلال 24 هجوماً استهدفت قوة صغيرة قوامها حوالي 900 جندي أميركي في سوريا.

 كان الأمر في البداية، يبدو محيّراً  وخاصة مع عدم الرّد الأميركي، إلا أنه يمكننا القول بشكل صريح لا يحتمل الجدل أو المناقشة، إن ما تقدمه المليشيات من إحصاءات ليست إلا مجرد أرقام فارغة من أي محتوى أو دلالة، وفضيحة “الظافرين” تبيّن أن هذه البيانات محاولة بائسة من الميليشيات للبحث عن نصر زائف يرضي ذواتهم المنتفخة، وهذه الهجمات وإن حصلت فعليا، لا تحقّق حتى الحد الأدنى من الضرر.

الحقيقة كما يجب أن تقال

في أعقاب عام 2011، انتشر “فيلق القدس” – هو أحد القوات الخاصة لـ “الحرس الثوري” الإيراني، وهو المنوط به القيام بالعمليات التي يتم التخطيط لها خارج الحدود الإقليمية لإيران- في سوريا.

ميليشيا الظافرين فضحية انتصارات إيران الزائفة ووجهاً آخر للواقع (2)
جنود وأعضاء من الحرس الثوري من بين عدة آلاف من الإيرانيين يحضرون صلاة الجمعة في طهران، إيران. (تصوير سكوت بيترسون / غيتي)

وزعمت إيران في البداية أن العناصر كانوا ينفّذون مهمة محدودة للدفاع عن المزارات الشيعية، إلا أنها اعترفت فيما بعد بأن هذه القوات كانت تساعد الرئيس السوري، بشار الأسد في قمع الاحتجاجات الشعبية.

مع تحول السخط إلى حرب أهلية، لم يقتصر عمل “فيلق القدس” كمستشارين عسكريين فحسب، بل على الخطوط الأمامية. وكان يقاتل إلى جانب الفيلق مقاتلون لبنانيون من “حزب الله” ولاجئون أفغان. 

وفي الوقت نفسه، أشعلت الاحتجاجات بالمثل حرباً أهلية في اليمن، وبدأ “الحرس الثوري” الإيراني في تزويد المتمردين “الحوثيين” في البلاد بالدعم الاستخباراتي والتدريب والأسلحة لصد القوات المشتركة للحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، منافسة إيران.

هذه الميليشيات استغلت عنفوان القادة الإيرانيين في حلم خلق إمبراطورية في العالم العربي، وبدأت في تنفيذ أجندتها مقابل الأموال وليس على أساس الدين والعقيدة والولاء للمرشد الأعلى الإيراني، وهو ما أظهرته فضيحة مجموعة “الظافرين” وكيف انقلب السحر على الساحر.

0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات حول في العمق

جديداستمع تسجيلات سابقة