تمثّل الانتخابات الرئاسية التي تشهدها مصر خلال الفترة التي بدأت من العاشر وحتى الثاني عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر الجاري، انتخابات لافتة في توقيتها، إذ يقترع المواطنون على منصب الرئيس لفترة رئاسية تمتد حتى العام 2030 وسط ظروف داخلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد والارتباك، مما يضع المشهد الانتخابي في دفتر أحوال التاريخ المصري.

يأتي سباق الانتخابات الرئاسية في مصر وهي تشهد أزمة اقتصادية تضغط كثيرا على الاقتصاد في مصر وتدفع الحكومة لممارسة عديد الإجراءات الخاصة بالإصلاحات الهيكلية، وكبح معدلات التضخم وتحسين ظروف المواطنين الاقتصادية والاجتماعية وذلك على خلفية أزمة “كوفيد-19” والحرب الروسية- الأوكرانية، وأخيرا الصراع في قطاع غزة واستمرار تصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعيات ذلك كله على المشهد السياسي في الشرق الأوسط، ومتانة العلاقات والنظام الإقليمي والدولي.

يتنافس في الاستحقاق الانتخابي، الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي ورئيس “حزب الوفد” عبد السند يمامة، ورئيس “حزب الشعب الجمهوري” حازم عمر، ورئيس “الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي” فريد زهران.

مصر.. الانتخابات وجماعة “الإخوان”

دوما ما تسمح تلك البيئة للجماعات والتنظيمات الوظيفية خاصة تنظيمات الإسلام السياسي أن تنشط وتسعى لإعادة التموضع والظهور مرة جديدة في مجتمعاتها وتنشد حلم العودة، سيما مع تمظهر جملة من الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تسمح لها بتصميم وتراكم خطاب إعلامي يشتبك مع تلك الأحداث ويهدف لاختراق تيار الاستقرار في تلك المجتمعات.

الانتخابات المصرية والرفض القاطع لعودة “الإخوان المسلمين”- “أ ف ب”

على خلفية ذلك بدا للجميع أن كافة التحركات التي سعت من خلالها جماعة “الإخوان”، للنشاط على حساب الأوضاع في مصر مع الاستحقاق الانتخابي صادف الفشل والسقوط طيلة الشهور الماضية سواء من خلال مناكفة النظام السياسي في البلاد، أو مغازلة المواطن الذي أدرك ويعي جيدا حساسية اللحظة ودقّتها واصطف صلبا في وعاء الدولة وأمنها القومي، وأكد أن موقفه من تلك التنظيمات الإيديولوجية لم يكن محض لحظة طارئة، بل كان رؤية استراتيجية لا تحتمل التغيير.

لا ريب أن قيادات وأعضاء تنظيم “الإخوان” لم تغادرهم مشاعر السلطة ولحظات التمكين التي عرفوها خلال سنة حكمهم في العام 2012 ويبحثون كافة السياقات والسيناريوهات الخاصة بوهم العودة إلى المشهد السياسي ومن خلال ذلك تأتي كافة محاولاتهم توظيف ما يطرأ على الوضع المصري داخليا وإقليميا ودوليا للنفاذ من خلاله وخلق رأي عام عبر خطابهم، بيد أن ذلك يشهد نزيفا مستمرا ويبرز بنية التنظيم كبيت العنكبوت.

يقينا تتحرك الجماعة في هذا المسعى من خلال عدة أهداف تكتيكية تبتغي عبرها أن تبثّ في الأذهان زعم ديمومة حضورها وقدرتها على تجاوز أزماتها الخاصة ببنية التنظيم والانشقاقات على مستوى القيادة، وكذا حالة الهوّة العميقة التي تعزل أجيال الجماعة عن بعضها، مما يعكس واضحا حالة الوهن التي تبدو عليها تنظيم “الإخوان المسلمون”.

لذا ثمة نقطة متحركة تندفع نحوها الجماعة من خلال الاشتباك مع أحوال وقضايا المجتمع المصري؛ مرة من خلال إعادة التمثيل في المشهد المصري والعمل على التأثير في خطابه وذهنيته وأخرى مغازلة الأجيال الشابة ومحاولة ضمّها من جديد في عقد التنظيم، فضلا عن مخاطبة القوى الدولية والإقليمية بقدرتها من جديد على الظهور في مسار الأحداث.

ثمة نموذج ينبغي الالتفات إليه من خلال تحرّك الجماعة لتوظيف مشهد الانتخابات الرئاسية، والعمل نحو التعلّق بأي فرصة أو احتمال للقفز على مركب الأحداث للبروز والظهور في فضاء السياسة المصرية لفض الاشتباك مع أزماتها الداخلية المتعلقة بالتنظيم وأخريات.

ربما يبدو ذلك جليا مع واقعة التعلّق بمسار الترشّح للسياسي المصري أحمد الطنطاوي، الذي بدوره دفع هذا التصوّر نحو التمثيل من خلال مقابلاته الإعلامية، خاصة حين قال “يرفض استبعاد أي فصيل سياسي من الساحة” دون أن يلفت النظر أن ذلك الحديث لا يمتد بتنظيم “الإخوان” وأنه موسوم كتنظيم إرهابي في مصر وعدد آخر من الدول، الأمر الذي وضعه كسياسي في خانة من يرى السماح بإعادة إنتاج الجماعة مرة أخرى في مشهد السياسة المصرية دون الاعتناء برأي عام وكتلة صلبة في المجتمع المصري فقدت الكثير من أبنائها كشهداء في محاربة الإرهاب، فضلا عن أعداد المصابين جرّاء تلك الحوادث الإرهابية.

رفض واضح لعودة “الإخوان”

كما أن ذلك بدا واضحا مع تصريحات القيادي حلمي الجزار، على إحدى المنصات الإعلامية المحسوبة على الجماعة وأعلن رضاه حينها عن أحمد طنطاوي، ووضع أمر تأييده ودعمه والاصطفاف وراءه مرهوناً بتطوّر الأحداث وقيد التفاوض والجلوس معه وإليه.

جميع المصريين عبّروا عن رأيهم في حكم “الإخوان المسلمين” في ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013، وبالتالي رأي الشعب واضح، وهو “لا عودة للإخوان في الحياة السياسية بمصر”.

يأتي ذلك وسط رفضٍ عام ومطلق لعدد معتبر من السياسيين المصريين لمناقشة عودة الجماعة للمشهد السياسي المصري، والارتباط معهم بأي قدر من التحالف والتعاون مع التنظيم وقياداتهم، وظهر ذلك مع تصريحات المرشح الرئاسي فريد زهران، رئيس “الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي” حين صرّح قائلا “لن اختتم حياتي السياسية بالتحالف مع أي شخص يدعم الإخوان”.

فيما أكد عبد السند يمامة، رئيس “حزب الوفد” في لقاء تلفزيوني على أنه “لا تصالح مع جماعة الإخوان الإرهابية”، لافتا إلى أنه “يجب أن نحارب فكر الإخوان بالديمقراطية”.

الموقف نفسه أكده المرشح حازم عمر، رئيس “حزب الشعب الجمهوري”، الذي قال أيضا، إنه “لا تصالح مع الإخوان” متابعا “الإخوان قامروا بمستقبل الشعب المصري”.

يقينا هو الأمر ذاته مع وضع الرئيس عبدالفتاح السيسي، كمرشّح لمنصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية الحالية، إذ جاءت تصريحات المستشار محمود فوزي رئيس حملة السيسي واضحة وقوية ولا تقبل التأويل حين قال، “لا عودة للإخوان في الحياة السياسية”. وأشار خلال  لقاء متلفز إلى أن “الحديث عن عودة الإخوان له ثلاثة أبعاد، بُعد شعبي، وسياسي، وقانوني”، موضحا أنه “في البُعد الشعبي نرى جميعا أن المصريين عبّروا عن رأيهم في الإخوان في ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013، وبالتالي رأي الشعب واضح”.

وحول البُعد السياسي قال فوزي “كلّ من تلوّثت يديه بدماء المصريين غير مقبول” مؤكدا أن “البُعد القانوني واضح فهي مصنّفة جماعة إرهابية وبالتالي العودة غير مطروحة”.

ضرورة مجابهة الإسلام السياسي

في السياق ذاته، أشارت مصادر مصرية سياسية ودبلوماسية إلى أن الوضع السياسي في مصر لحظة الانتخابات الرئاسية شديد الحساسية ويحتاج دوما للمعارضة الوطنية البناءة التي تستطيع أن تختلف وتضع جملة من مقترحاتها الفعّالة بعيدا عن مفهوم الاختلاف الذي يبعث الهدم والتدمير وهو الأمر الذي حرصت عليه مؤسسات الدولة والرئيس بصفة شخصية خلال جلسات الحوار الوطني التي سبقت مشهد الاستحقاق الانتخابي.

تتابع المصادر في سياق حديثها لـ”الحل نت” “فلسفة الدستور في مصر رسّخت كون مصر دولة مدنية حديثة وذلك يعني بالكلية الابتعاد عن استخدام الدين وتوظيفها في أي  صراع سياسي، مما يعني أن ذلك هو الأصل في حقيقة الأمر ومن خلال ذلك علينا المُضي نحو إقامة ديمقراطية حقيقية بعيدا عن مخاطر الإسلام السياسي وتوظيفه للدّين ومقولاته في خضم الصراع والتحولات السياسية”.

إذن ترى المصادر، أن مفهوم الجمهورية الجديدة في مصر يشي  بالكثير من المقاربات حول الصياغة الملائمة للنظام السياسي لبلد مركزي -مصر- وعلى ذلك تذهب المصادر أن مصر تحكم من خلال رئيس الجمهورية منذ لحظة ثورة يوليو 1952، وذلك أمرٌ لا يعيب السياسة المصرية في شيء، وعلينا أن نعترف بواقعنا إذ تحتاج مصر إلى حيازة سلطة قوية حازمة، بيد أن ذلك لا يمنع من إقرار مبدأ تداول السلطات لكون ذلك هو الحد الفاصل بعيدا عن الديكتاتوري.

بيد أن الواقع يرسخ أيضا ضرورة الوقوف بحزم ضد أي محاولاتٍ تسعى من خلالها جماعات الإسلام السياسي لتوظيف بعض الأحداث والظروف الطارئة داخليا وإقليميا ودوليا لصالح مطامعها في السلطة والتمكين مرة جديدة، فضلا عن كون تجربة الجماعة في الحكم قد استطاعت يقينا أن تفضح التنظيم وقياداته وتكشف للجميع مدى وهن التنظيم وغياب أي مشروع اقتصادي أو سياسي خاص بهم، مما بدا أنه لم يلتفتوا سوى لذائقة السلطة ووهم التمكين.

إن مخاطر انبعاث الإسلام السياسي مرة أخرى في مشهد السياسة المصرية يحمل الكثير من التداعيات والمآلات الخطيرة على واقع ومستقبل مصر.

إلى ذلك ترى المصادر في جملة تصريحاتها الخاصة والتي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، أن رئيس الجمهورية القادم في مصر يحتاج إلى سلطات واسعة وإلا ينفرط العقد وتسود الفوضى، ولكن ينبغي أيضا أن يكون الحكم القوي داخل إطار مؤسساتي وقانوني بعيداً عن الفردية في اتخاذ القرارات، وفي إطار محاسبية وشفافية وإمكانية تداول السلطة في إطار دستوري ومدّة محددة للسلطة ومناخ يتيح وجود بدائل أمام الناخبين وهو الأمر الذي نشهده في ذلك الاستحقاق الانتخابي.

إن مخاطر انبعاث الإسلام السياسي مرة أخرى في مشهد السياسة المصرية يحمل الكثير من التداعيات والمآلات الخطيرة على واقع ومستقبل مصر، ارتباطا بما جرت من خلاله الأمور في تجربة حكمهم التي لم تتجاوز العام خبرت فيها القاهرة الكثير من الأخطاء الاستراتيجية مرة على المستوى الداخلي صوب زعزعة سبيكة قيم المجتمع المصري ووحدته الصلبة على مدار التاريخ، وأخرى على المستوى الإقليمي حين تحركوا بعيدا عن ثوابت ودعائم الأمن القومي المصري وأخيرا صوب رفعهم لواء التنظيم وأجندتهم العقائدية فوق أي اعتبار وطني، مما دفع الشعب المصري للخروج برؤية واضحة ترفض كل ذلك وتضع حدّا فاصلا لذلك كله مما صاغ مستقبل التنظيم وقياداته نحو أقبية السجون والفرار إلى الخارج.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة