في ظل الأحداث المتسارعة التي تجتاح الساحة السورية، يبرز سؤال جوهري يطرح نفسه بإلحاح: هل تتجه سوريا نحو مستقبل يغيب فيه السكان عن مشهد الحياة اليومية بدور من رئيس البلاد بشار الأسد، يتناول الخبراء هذا الاستفسار بعمق، وسط التحذير من موجات الهجرة التي تتوالى.

“نقف اليوم أمام تحديات غير مسبوقة”، بهذه الكلمات عبّر آدم عبد المولى، المسؤول البارز في الأمم المتحدة، عن الوضع الراهن في سوريا، مؤكدًا على أهمية تعزيز الدعم الإنساني. حيث شدد على أن العواقب المالية لهذا الدعم تظل أقل بكثير من تكاليف التعامل مع تدفق طالبي اللجوء.

وحذّر المسؤول الأممي من أن الصراعات الدائرة في أوكرانيا وغزة وأماكن أخرى حول العالم تُلقي بثقلها على الأزمة السورية، مُنذرة بتداعياتٍ قد تكون وخيمة. وعلّق عبد المولى، منسّق الشؤون الإنسانية في سوريا، على هذا الواقع بقوله إن الاهتمام المُتفاوت يُهدد ليس فقط حياة الأفراد هناك، بل يُسهم أيضاً في تفاقم ويعزز ظاهرة الهجرة الجماعية المُحفوفة بالمخاطر نحو القارة الأوروبية.

موجة عاتية تهدّد العالم

تتجلى الأزمة السورية في أرقام تنمّ عن تحديات جِسام، حيث يُظهر التصاعد الحاد في أعداد طالبي اللجوء السوريين في أوروبا، بزيادة قدرها 38 بالمئة، إذ أشار عبد المولى إلى وصول العدد إلى حوالي 181 ألف في عام 2023. 

موجة هجرة جديدة من سوريا تهدد العالم: هل الأسد يريدها دولة خالية من سكانها؟
سوريون ينتظرون العبور إلى سوريا من تركيا عند بوابة سيلفيغوزو الحدودية، بالقرب من بلدة أنطاكيا، جنوب شرق تركيا. (أسوشيتد برس/يونال كام)

كما لفت آدم عبد المولى، النظر إلى هذه القضية بعبارات تحمل وزن اللحظة التاريخية: “نواجه اليوم وضعاً غير مسبوق، وضعاً لا يمكننا تجاهله”. وبيّن أن هناك ما يقرب من 16.7 مليون نسمة بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مقارنةً بـ 14.6 مليون في العام السابق.

وحذّر المسؤول الأممي من خطر تفكك الدولة، مُؤكدًا أن الهجرة قد تتزايد بشكل كبير إذا لم يُسارع المجتمع الدولي لتلبية احتياجات السكان. وأضاف بأن الدول المانحة مُطالبة بتقديم المزيد من الدعم الإنساني، وذلك لأن تكلفته تظل أقل بكثير من الإنفاق على معالجة قضايا طالبي اللجوء.

تقرير المنظمة الدولية للهجرة، الذراع الإنساني للأمم المتحدة، ألقى الضوء على الواقع المرير: فقد شهد العام 2023 ارتفاعًا مأساويًا بنسبة 20 في المئة في عدد الوفيات مقارنةً بالعام السابق، حيث راح ضحية الهجرة ما لا يقل عن 8565 شخصًا.

هذا العدد المروّع يتجاوز الرقم القياسي الذي سُجّل في العام 2016، حينما أُزهقت أرواح 8084 مهاجراً، مُسجلًا بذلك أعلى معدلات الوفيات في تاريخ الهجرة الحديث.

في ذكرى مرور عقد على إطلاق مشروع المهاجرين المفقودين، عبّر أوغوتشي دانيلز، نائب المدير العام للمنظمة، عن الألم العميق الذي يعتصر القلوب، مُذكرًا بكل تلك الأرواح التي طواها النسيان. ويُؤكد دانيلز أن كل فرد من الضحايا ليس مجرد رقم، بل قصة إنسانية تترك أثرها العميق في نسيج العائلات والمجتمعات لأجيال.

ما علاقة الأسد؟

في تصريحات تحمل وقع الحقيقة والألم، أعلن المبعوث الأممي لسوريا، غير بيدرسن، الخميس الفائت، عن رؤية تنبع من عمق التجربة الإنسانية في الأزمة السورية الممتدة عبر أربعة عشر عاماً. إذ شدد بيدرسن على أن الحلول العسكرية لم تعد تُجدي نفعًا، داعياً إلى ضرورة التوجه نحو مسار سياسي يُعيد للبلاد استقرارها.

اللاجئون السوريون محور الدورة الثامنة والسبعين للأمم المتحدة.. ماذا قيل عنهم؟

وألقى بيدرسن الضوء على تعقيدات المشهد في سوريا، مُشيراً إلى أن الوجود الأجنبي يعمّق من جراح الوطن، حيث يُسهم وجود ستة جيوش أجنبية في تفاقم الأوضاع، ويُعيق مساعي السلام والتعافي.

في خضم النزاع الذي يمتد على مدى أربعة عشر عاماً، قدم المبعوث الأممي لسوريا، غير بيدرسن، إحاطةً لمجلس الأمن تحمل في طياتها دعوة صريحة لإعادة النظر في الوضع السوري. 

وأعلن بيدرسن أن الأرض السورية، التي كانت تحتضن خمس جيوش أجنبية، تشهد الآن تواجد ستة، في تصاعد يُنذر بتعقيدات جديدة. مضيفا إلى المشهد تحديات وجود بشار الأسد على رأس السلطة فضلا عن وجود الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي تُثقل كاهل البلاد.

وفي مسعى لتجاوز هذه الأزمة، ناشد بيدرسن المجتمع الدولي للتكاتف وتوحيد الجهود نحو مسار سياسي بنّاء. مشيرا إلى أهمية اتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة واستئناف العمل الدستوري، بغية الوصول إلى حلٍّ شامل يُنهي الصراع ويُعيد الاستقرار إلى سوريا.

الأبيض المتوسط مقبرة السوريين!

تُعيد الإحصائيات المقلقة التي يُقدمها مشروع المهاجرين المفقودين، الذي يُعد بمثابة السجل العالمي للمنظمة الدولية للهجرة، صياغة الوعي الجمعي حول قضايا الهجرة. فهذه الأرقام، التي تُعد شهادة على مأساة إنسانية، تُلقي الضوء على ضرورة تجديد العزم الدولي لتأمين ممرات هجرة آمنة وخصوصا من سوريا، وذلك لتجنيب الأجيال القادمة مخاطر البحث عن فرصة لحياة أفضل.

تخوف اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم لأسباب عدة منها الخوف من الاعتقال والتجنيد الإجباري - إنترنت
تخوف اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم لأسباب عدة منها الخوف من الاعتقال والتجنيد الإجباري – إنترنت

منذ إنشائه في العام 2014، وثّق مشروع المهاجرين المفقودين الوفيات و الاختفاءات المأساوية للمهاجرين، مُسجّلاً أكثر من 63 ألف حالة عبر العالم معظمهم من السوريين. ومع ذلك، يُشير الخبراء إلى أن الأعداد الفعلية قد تكون أكبر بكثير، مما يُعزز الحاجة إلى تحرك دولي فاعل ومُستدام لمواجهة هذه الأزمة.

تُبرز الإحصائيات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة معضلة مُلحة تواجه الإنسانية: النقص الشديد في مسارات الهجرة الآمنة والمشروعة. هذا الواقع المؤلم يدفع بمئات الآلاف من السوريين سنويًا إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر، في سعيهم نحو حياة أفضل.

ويُعد البحر الأبيض المتوسط، بمياهه الزرقاء العميقة، مسرحاً لأكثر الطرق دموية في رحلة الهجرة من سوريا، حيث يُسجل سنويًا آلاف الأرواح التي تُزهق بصمت. ففي العام الماضي وحده، شهد البحر ما لا يقل عن 3129 حالة وفاة واختفاء معظمهم من السوريين.

وتُشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف هذه الوفيات نجمت عن الغرق المأساوي، فيما يُمثل العنف وحوادث السيارات أسبابًا أخرى لفقدان الحياة، مُعلنةً عن حقيقة قاسية: الرحلة نحو الأمل قد تكون الأخيرة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات