بدا أن تحركات جماعة “الإخوان المسلمين”، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية، المثيرة للقلاقل والأزمات في المنطقة بعد أحداث غزة والهجمات المباغتة لـ”حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، كاشفة عن أدوار مشبوهة وارتباطات بعضها خفي والبعض الآخر معلن، لاستعادة المواقع المفقودة في السياسة والإقليم، فضلاً عن ممارسة بعض الضغوط لجهة الدخول في المعادلة الجديدة. ويعد ما يجري في الأردن والتصعيد الكبير الذي تشهده البلد الواقعة في مثلث خطر نموذجاً على هذا الوضع، لا سيما مع التصعيد الذي شهدته إبان الاستهداف الذي نفذته “كتائب حزب الله” ضد قاعدة أميركية على الحدود السورية الأردنية.

وفي ظل الوقوع الجغرافي الذي يتماس مع سوريا والعراق والضفة الغربية، ووجود القوى المدعومة من إيران في هذا المحيط، فضلاً عن الوضع الميداني وسيولته الأمنية التي تفرض واقعاً معقداً، بينما أحد جوانبيه يتمثل في تهريب حبوب “الكبتاغون” المخدر، ناهيك عن العمليات العسكرية التي تجري في الخفاء والعلن كاستهداف القاعدة الأميركية، أو تهريب السلاح كما كشفت وكالة “رويترز” للأنباء، فإن الأردن يعاني من ذراع جديدة لإيران توظف من خلالها “الإخوان” كجناح سني للإسلام السياسي بحيث يورط المملكة الهاشمية في الصراع الجاري، ثم تحويلها إلى جبهة إسناد ودعم وربما تنخرط في ساحة “الممانعة” أو “وحدة الساحات” للمقاومة.

الأردن في مرمى إيران

تنأى المملكة الهاشمية عن خوض صراع خشن، بينما تتحرك في إطار مفاعيل إقليمية تجعلها ضمن دول الوساطة التي تسعى نحو التهدئة، وإيجاد حل يتطابق ورؤيتها العامة بخصوص الحل السياسي من خلال أفق آمن يقوم على حل الدولتين. لكن يتصدى في المقابل إلى إطالة أمد الصراع أو فتح جبهات أوسع تؤدي لمزيد من العنف والسيولة الأمنية وتنامي الحكم الميليشياوي بالمنطقة. فيما نقلت “وكالة الأنباء العالمية” عن مصادر أردنية أن ميليشيات تابعة لطهران في سوريا سعت لتهريب أسلحة إلى إحدى الخلايا الموالية لـ”الإخوان” وعلى علاقة تماس بالجناح العسكري في “حماس”.

كشفت وكالة “رويترز” عن أن الأردن أحبط مؤامرة إيرانية لتسليح خلية إخوانية مرتبطة بحركة “حماس”- “الصورة من الإنترنت”

ووفق المصادر التي تحدثت لها “رويترز”، فإن السلطات الأردنية استولت على المخبأ عندما ألقي القبض على أعضاء الخلية نهاية آذار/ مارس الماضي. وامتنعت المصادر في الكشف عن الأعمال التخريبية التي يرجح أنه جرى التخطيط لها، موضحة أن هناك تحقيقات سرية تتم، مؤكدة على القول بأن هناك “مؤامرة” هدفها إثارة القلاقل وعدم الاستقرار حتى تضحى لحظة لإشعال حرب إقليمية منطلقها غزة، مستغلين القاعدة العسكرية الأميركية بالأردن والحدود المشتركة مع إسرائيل، فضلاً عن سوريا والعراق المتواجد فيهما الميليشيات الإيرانية.

وتقول “رويترز”، إنه لم يتحد تعيين بدقة حسب المصادر الأسلحة التي تم ضبطها، كاشفة عن نجاح الأجهزة الأمنية في الشهور الأخيرة من دون تحديد مدى زمني دقيق في ضبط تهريب الأسلحة، منها ألغام كليمور ومتفجرات (C4) وسيمتكس وبنادق كلاشنيكوف وكاتيوشا عيار (107) ملم وصواريخ. بينما كانت تلك الأسلحة في بعضها وفق ما تم اكتشافه سوف تستخدم في استهدافات داخلية بالأردن. وتابعت: “السلطات الأردنية تعتقد أن إيران والجماعات المتحالفة معها، مثل حماس وحزب الله اللبناني، تحاول تجنيد أعضاء متطرفين من شباب جماعة الإخوان في البلاد للانضمام إلى جماعاتهم المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، في محاولة لتوسيع شبكة طهران الإقليمية من الميليشيات”.

اللافت أن ممثل في إخوان الأردن لم يكن بمقدوره نفي هذه الحقائق أو إخفاء الحوادث المكتشفة، بل برر ذلك بأنه خارج عن إرادة الجماعة وحدث من دون معرفتها، وهي الحيلة التي تعتمد عليها التنظيم الإسلاموي منذ تأسيسه بمجرد أن يضيق عليها الخناق ويسعى لتبرير تورطه في العنف، والتملص منه بدعاوى عديدة مثلما سبق وحدث عندما تم توصيفه بعض أعضاء الجماعة المتورطين في العنف بأنهم “ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين” غير أن الشاهد هو استمرار الجماعة في ممارسة العنف والدخول في حلقاته النهائية حتى اللحظة وعلى مدار تسعة عقود.

ونُقل عن قيادي آخر بالجماعة في الأردن قوله إن “أعضاء الخلية المعتقلين تم تجنيدهم من قبل القيادي في حماس صالح العاروري، الذي كان العقل المدبر لعمليات الجماعة في الضفة الغربية من منفاه في لبنان، قبل أن تغتاله إسرائيل بطائرة مسيّرة في بيروت في كانون الثاني/ يناير الماضي”.

تزامنت تلك الحوادث مع إعلان أبو علي العسكري القيادي الأمني لـ”كتائب حزب الله” العراقي في حسابه بموقع التواصل الاجتماعي بـ”تلغرام” بأن “المقاومة الإسلامية في العراق أعدت عدتها لتجهيز المقاومة الإسلامية في الأردن بما يسد حاجة (12) ألف مقاتل من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقاذفات ضد الدروع والصواريخ التكتيكية وملايين الذخائر والأطنان من المتفجرات، لنكون يداً واحدة للدفاع عن إخوتنا الفلسطينيين”.

استخدام إيران “للإخوان”

يمكن القول إن علاقة جماعة الإخوان بإيران لها جوانب عديدة وتاريخية، لكن المؤشر المهم في هذه العلاقة التي تثير استغراب البعض نظراً للتباين العقائدي بينهما ظاهرياً، هو استعمال طهران للقوى الأصولية السنية لتحقيق مصالحها الإقليمية، فهي ضمن أدواتها الوظيفية وأذرعها الخارجية، وليس هذا بالأمر الجديد بل إن إيران استعانت بكتب سيد قطب (ترجم المرشد الإيراني كتاب سيد قطب “المستقبل لهذا الدين” وصار عنوانه “بيان ضد الحضارة الغربية”، واحتفت الجماعة في مصر خمسينات القرن الماضي  بوفد إيراني على رأسه مجتبي صفوي زعيم “فدائيو إسلام”. 

التحركات الثنائية بين طهران و”الإخوان” لها سياق يتصل بالضغط على المملكة الهاشمية ومحاولة توريطها في الصراع بغزة بين “حماس” وإسرائيل.

كما حاولت الجماعة الاستعانة بتجربة “الحرس الثوري الإيراني” بعد صعودهم للحكم في مصر لتشكيل ميليشيا موازية للجيش، ومحاولة إضعافه، الأمر الذي تمكنت الأجهزة المعنية بمصر في كشف تفاصيله وتبديد إمكانية حدوثه والتصدي لحدود المؤامرة حتى خرجت الحشود في 30 حزيران/ يونيو تطالب برحيل “حكم المرشد”.

تتالت المحطات التي برزت فيها علاقة الإخوان بإيران، كما هو الحال مع أحداث غزة، والتي تبدو لحظة سياسية تلتئم فيها وتصطف قوى الإسلام السياسي السنية والشيعية بهدف تحقيق معادلة إقليمية جديدة. وفي عام 2019 اعترف القائم بأعمال المرشد في لندن، إبراهيم منير، بأنه التقى وفداً سرياً للحرس الثوري عام 2014، وقال: “نعلم أن إيران تحترم جماعة الإخوان وتقدر مصداقيتها ومواقفها، وكانت فرصة أن نظهر لهم رأينا وأبعاد مواقفنا، وشددنا تماماً على أننا مع العمل لصالح الإسلام والمسلمين واستقرار المنطقة. قام بعض الأصدقاء بدعوتنا لمقابلة مسؤولين إيرانيين، ونحن كأصحاب قضية لا نرفض لقاء أي وفد يريد مقابلتنا والتحدث معنا، بهدف الاستماع لوجهات النظر التي قد تتفق أو تختلف في بعض القضايا”.

اعتراف المرشد جاء بالتزامن مع تسريبات كشفت عن هذا اللقاء، والتسريبات كانت عبارة عن وثائق سرية مسربة من الاستخبارات الإيرانية، وحصل عليها موقع “The Intercept” الأميركي، وكاشفا عن ضلوع تركيا في إتمام هذا اللقاء وتشكيل الحاضنة الإقليمية لجمع الطرفين. 

واللافت أن اللقاء لا يختلف عن ما يجري بحق الأردن اليوم. وكما أن التحركات الثنائية بين طهران و”الإخوان” لها سياق يتصل بالضغط على المملكة الهاشمية ومحاولة توريطها في الصراع بغزة بين “حماس” وإسرائيل، فإن اللقاء بتركيا كان هدفه معاداة السعودية في فترة الاستقطاب العنيف إقليمياً بين المحور المؤيد للإخوان وقوى الإسلام السياسي والمحور الآخر المعارض له. وقالت الوثائق المسربة بحسب الصحيفة الأميركية إن “تركيا استضافت في 2014 اجتماعاً بين الحرس الثوري وأعضاء من الإخوان لمواجهة السعودية”، وقد تحدثوا عن إمكانية “التحالف ضدها”.

زج الأردن في الصراعات

ومن بين الأمور التي أوضحتها الوثائق، أن ممثل الإخوان تحدث إلى وفد “الحرس الثوري الإيراني” بخصوص ضرورة أو إمكانية العمل ضد الرياض في اليمن، في إطار تباين المصالح هناك ووجود نقطة مشتركة بينهما هي “كراهية السعودية”. وعرجت الوثيقة بشأن المباحثات بين الطرفين لجهة تقليل حدة الصراعات بين “الحوثيين” و”الإخوان” وتحويلها ضد المملكة. كما بحثوا الأمر ذاته في العراق، بمعنى تقليل الصراعات المحتدمة بين الميليشيات السنية والشيعية، ومنح السنة فرصة للمشاركة بالحكومة.

وبحسب “معهد كارنيغي”، ففي العام 1979، أرسلت فروع جماعة “الإخوان” في بلدان عربية وغير عربية وفوداً لتقديم الدعم والتهنئة إلى آية الله روح الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية. يذكر هنا أن كتابات المفكر الإيديولوجي البارز في الجماعة سيد قطب، خاصة تلك التي وصف فيها الإسلام بأنه نظام حوكمة سياسي واجتماعي ثوري، حظيت باحتفاء واسع من قِبَل الزعيم الإيراني الحالي علي خامنئي، الذي ترجم أعماله من العربية إلى الفارسية.

وتابع: “في غضون العقود اللاحقة، توالت الاتصالات غير الرسمية فصولاً عبر مبعوثين من التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهي هيئة مسؤولة رسمياً عن التنسيق بين أذرع الجماعة في كل أنحاء العالم وعن صياغة علاقاتها الخارجية. وقد عملت إيران مع مكتب التنظيم في لندن لترتيب حوارات دينية مشتركة بين المسلمين السنّة والشيعة، وهذا شمل منتدى الوحدة الإسلامية المدعوم إيرانياً الذي تأسس العام 2007 بالتعاون مع الأمين العام للتنظيم العالمي إبراهيم منير. مثل هذه النشاطات سمحت لإيران بالحفاظ على الاتصالات وتطويرها مع أعضاء جماعة الإخوان في مصر، وهي الجماعة التي تُعتبر جذر هذه الحركة ولها باع كبير من النفوذ على التنظيم العالمي. كما أنها عملت تقليدياً كمرجعية لباقي أذرع الإخوان في العالم”.

والحال أن الأساس المشترك المتمحور حول الإسلام السياسي بين الجماعة، إحدى أكبر الحركات الإسلامية السنية وأكثرها نفوذاً، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية، سهل وشائج التعاون بين الطرفين، وفق “كارنيغي”. فعلى الصعيد الإيديولوجي، يُحبّذ الطرفان إقامة دولة إسلامية، والقيام بالدعوة والإرشاد الدينيين، ويدعيان إلى الوحدة الإسلامية. هذا علاوة على أنهما يتشاطران بعض الأهداف الجيوسياسية المشتركة، على غرار الحاجة إلى مجابهة إسرائيل وتحرير فلسطين.

يبدو أن هناك عملية محمومة تجري صناعتها على مهل وبدقة لمحاولة دفع الأردن نحو هاوية الصراع والوقوع من الحافة في بؤرة أزمة إقليمية على خلفية ما يجري بغزة بين “حماس” وإسرائيل- “إنترنت”

ويقول إنه برغم “الاختلافات الأيديولوجية الأساسية قائمة أيضاً. فجماعة الإخوان ترفض على وجه الخصوص ممارسة التكتيكات الثورية للوصول إلى السلطة، وهي سعت عوض ذلك إلى الحصول على نفوذ سياسي عبر الانتخابات، في الوقت نفسه الذي كانت تركّز فيه أمام القوى الغربية التي تشك بنواياها على أنها تعارض إقامة نموذج إيراني للحوكمة الإسلامية. ومع ذلك، المشتركات الإيديولوجية، تفوق الاختلافات مع طهران، التي ترى في الجماعة شريكاً سنّياً مثالياً، في سياق مساعيها لـ”توحيد العالم الإسلامي سياسياً. علاوة على ذلك، ترى إيران في الإخوان جسر عبور لتحسين علائقها مع العالم الإسلامي السنّي. وحين نضع في الاعتبار صلات الجماعة وامتداداتها الواسعة، سندرك أنها يمكن أن تكون نصيراً مقنعاً في “محور المقاومة” الإيراني ضد النفوذ الأميركي في المنطقة، وأن تكون أيضاً (وهنا الأهم) الوسيط مع الجماعات الإسلامية السنّية الأخرى التي تناصب إيران العداء. معروف أن العديد من الأنظمة العربية والحركات الدينية ذات التوجهات السلفية، تطل تاريخياً على إيران الشيعية بوصفها قوة شريرة في الشرق الأوسط. ومثل هذه المدركات السلبية لم تنفك تتنامى طيلة السنوات الأخيرة، بسبب الدعم الإيراني المباشر للرئيس السوري بشار الأسد، على رغم المعارضة السنّية أساساً له خلال النزاع السوري”.

في الخاتمة، يبدو أن هناك عملية محمومة تجري صناعتها على مهل وبدقة لمحاولة دفع الأردن نحو هاوية الصراع والوقوع من الحافة في بؤرة أزمة إقليمية على خلفية ما يجري بغزة بين “حماس” وإسرائيل، وهذه الأعمال التخريبية المشبوهة من استهداف القاعدة العسكرية الأميركية أو تهريب الأسلحة والمخدرات والتي تفصح عن نشاط متنامي للميليشيات الإيرانية بالتعاون مع “الإخوان” وأجنحتهم المرتبطة بالقطاع العسكري في “حماس” تفصح كذلك عن محاولة تعبئة وتسخين مسرح الأحداث بالأردن الذي يتاخم الحدود مع إسرائيل وسوريا والعراق.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر مطلع على الوضع الأمني أن الإخوان “أخفوا هذه الأسلحة في حفر تسمى النقاط الميتة، وحددوا موقعها عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وصوروا موقعها ثم أمروا رجالهم باستعادتها من هناك”. وتتشكك المصادر الأمنية بالأردن من وجود محاولات لتجنيد المتطرفين الشباب للانخراط في شبكة تنظيمية ميليشياوية لخوض صراع إقليمي لحسابهم، وذلك من خلال “حماس” و”حزب الله”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات