مثّل خروج جماعة “الإخوان” من الحكم في مصر ولفظهم على المستوى الاجتماعي ضربة قاصمة للتنظيم الإسلاموي ككل حول العالم، خاصة أن فشلهم السياسي تبعه حالات عنف وإرهاب كبيرة حول العالم، وهو ما أوضح الأمر للعالم أن السياسة هي بديل العنف والإرهاب المتاح تحت سيطرة القانون وسلطة أجهزة الدولة. ولمصر أهمية خاصة بالنسبة لتنظيم “الإخوان”، فهي بلد المنشأ وكدولة مركزية، ويتخذها “الإخوان” معقلاً لهم كلما سمح لهم بذلك.

ورغم خروج “الإخوان” من الحكم في مصر وتراجع شعبيتهم في عموم المنطقة والعالم، وليس في مصر فقط، لكنهم لم ينتهوا بشكلٍ فعلي في مصر، ففي ظل اللفظ الاجتماعي العالمي لهم الذي يصل إلى ذلك الحد الذي جعل كل فصيل سياسي يتبرأ من انتمائه للإخوان، ولوحظ هذا في السودان من خلال اهتمام كل فصيل بنفي تهمة “الإخوان” عنه، تسعى الجماعة الإسلاموية إلى إعادة بناء شعبية جديدة لهم في كافة الأقطار العربية وأولهم مصر.

وكان طريق “الإخوان” نحو بناء شعبيتهم من خلال سدّ الثغرات التي تعجز الدولة عن سدّها، أو تتركها، من خلال إقامة الجمعيات الأهلية واستغلال الفئات المسحوقة مادياً واجتماعياً، والاهتمام بالاحتفال في الأعياد، وإقامة حالة من الفرح في المساجد الذي تسيطر عليهم الجماعة بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل الإقبال عليها كبير ويصنع شعبية غير قليلة لأئمة هذه المساجد وخطبائها.

تاريخ وجود “الإخوان” بالمساجد

مثّلت المساجد عنصراً مهماً في تاريخ “الإخوان”، فحسب تقرير قدمته قناة “العربية” عن كيفية تجنيد الأفراد في الجماعة، كان للمساجد دور البطولة في عملية التجنيد من خلال مسابقات حفظ القرآن الكريم، ومن خلال الرحلات والمسابقات والأنشطة التي تقيمها. وإضافة لما أوضحه تقرير “العربية”، فإن الجماعة كانت على تجنيد الأفراد في الأعياد من خلال إعداد الاحتفالات بالأعياد والخطب وغيرها من المقومات.

وفقاً لإعلان جماعة “الإخوان المسلمين” وتيارات الإسلام السياسي أنهم تنظيمات وجماعات دينية، فإن المساجد تمثّل منبراً لنشر أفكارهم متى ما غابت الدولة عنها وتخلّت عن إدارتها- “وكالات”

وفي تصريح للكاتب والباحث في شؤون الجماعات الجهادية والإسلام السياسي أحمد زغلول شلاطة خصّ به “الحل نت” يقول: كان هناك صراع على إدارة المساجد في صلاة الأعياد وخطبة العيد، ويحاول كل تنظيم أن يكون له بصمة خاصة في مثل هذه الصراعات، من خلال شعارات مرفوعة، ألعاب، خطط موضوعة للاحتفال بالأعياد، ويعمل كل تنظيم أن يكون له نمط معين يكون السّمة البارزة له في مثل هذه الاحتفالات، فكان هناك حرص على وجود صورة ذهنية محددة مترسخة في ذهن المصلي عن صلاة العيد، ليكون التنظيم حاضراً في ذهنه وصورته لا تغيب، ليتم فيما بعد استدعاء هذه الصورة لإعادة بناء الشعبية والتجنيد من خلال هذه الساحات.

وأردف شلاطة أن هذه الصراعات كانت قوية وفي بعض الأحيان شرسة، وتاريخياً كانت هناك بعض الاحتكاكات اليدوية من أجل بسط النفوذ واستلام الساحة. وحسب المفترض كانت تتولى “وزارة الأوقاف” مسؤولية الإمام، بيد أن التنظيمات على المستوى العملي كانت هي المتحكّمة في هذا الأمر، وكانت هناك تشابكات يدوية في هذا الأمر، ويظهر بوضوح في ثمانينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويهدأ بعد ذلك ثم يعود بشكلٍ شرس في بداية الألفية، وتنتهي مثل هذه الأفعال بسقوط نظام “الإخوان” بمصر في عام 2013.

ووفقاً لإعلان جماعة “الإخوان المسلمين” وتيارات الإسلام السياسي أنهم تنظيمات وجماعات دينية، فإن المساجد تمثّل منبراً لنشر أفكارهم متى ما غابت الدولة عنها وتخلّت عن إدارتها، وهذا ما فعلته مصر في الفترات الأخيرة، وكان “الإخوان” قادرين وجاهزين لملء هذا الفراغ الذي تتركه الدولة، من خلال إدارة المساجد وإقامة مسابقات التحفيظ والرحلات وغيرها من الأنشطة.

وعلى صعيد آخر كانت الجمعيات الأهلية لها دور كبير في بناء شعبية التنظيم، حيث إنها فتحت باباً للتنظيم بالمساهمة في بناء ولاء الجمهور لها من خلال المساعدات المادية، والتي بموجبها يمكنهم بناء شعبية سياسية من خلالها أو شعبية اجتماعية. فجماعة “الإخوان” طوال تاريخها جاهزة ومستعدة للعب أي دور تغفل عنه الدولة لبناء شعبيتها والتواجد في المجال العام.

وأفضت تجربة “الإخوان” السياسية في البلدان العربية إلى فشلٍ سياسي واجتماعي غير مسبوق، حيث سقطت كل اقنعتهم عند توليهم السلطة، وتخلّيهم عن الشعب وعمليات المساعدة، والتعامل بمبدأ الاستعلاء وأستاذية العالم الذي وضعه سيد قطب، والاستعلاء على هذا الشعب والتجارة بقوت يومه واستغلال المساعدات، ومطالبته بمقابل هذه المساعدات في الانتخابات، فلم يكن هذا اللفظ الاجتماعي على مستوى دولٍ عدّة مصادفة أو مدبّراً، بقدر ما كان اتضاح الرؤية لهذه الشعوب، ومعرفتها الجيدة بهذه الجماعة من خلال تولّيها الحكم. 

المساعي “الإخوانية” للتواجد بالمجال العام

لا تعتبر جماعة “الإخوان” ما حدث لها من فشلٍ سياسي واجتماعي يمثّل نهاية لها، فهي تعمل بآليات عملها السّري الذي تبرع فيه، وتسعى بخطى حثيثة نحو العودة إلى المشهد العام مرة أخرى، وهذا دأبها التاريخي، ومن خلال تاريخ عمل الجماعة يتضح أنها تتمتع بالدهاء الكافي الذي يمكنها من التخفي الجيد داخل الأطر الاجتماعية والعائلات، وتفهم كيفية العودة وإعادة سيطرتها من جديد بوجوه وطرقٍ مختلفة، وهذا ما لوحظ من خلال احتفالات عيد الأضحى الماضي، من خلال تنظيم بعض الاحتفالات بعد صلاة العيد، خاصة في القرى والمناطق النائية التي تتواجد فيها الجماعة بشكلٍ مكثف عادة.

يمكن القول إن الوجود الإخواني حالياً في المجال العام غير موجود، وغير مسموح لهم بإدارة المساجد، فالدولة واضحة في إدارة المساجد وتراقب الأمر بشدة في خلال السنوات العشر الأخيرة.

وحسب المعهود من الجماعة فإن للقضية الفلسطينية والأحداث الجارية المعاصرة في غزة حضور كبير، وهذا ما شوهد في بعض المساجد من رفع علم فلسطين على المآذن خلال صلاة عيد الأضحى، وكثيرا ما كانت القضية الفلسطينية ورقة جيدة لدى جماعة “الإخوان” تعمل من خلالها على بناء شعبية لها من خلالها، بل تضعها عادة في صدارة أولويات مشروعها.

والواقع أن المسألة الفلسطينية مثل غيرها من القضايا الكبرى لا تمثل للتيارات الإسلاموية غير ذريعة تبني من خلالها شعبية لها، وهذا فعلته الجماعات الإسلامية بعد اندلاع الحرب الأخيرة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ومحاولتهم الحضور على الساحات العالمية بحجة دعم غزة، ولحيويته في الوقت الحالي تسعى جماعة “الإخوان” من خلالها للعودة مرة أخرى للمشهد العام، وبغيرها من الوسائل المعروفة بها الجماعة، وفي ظل إغلاق الدولة باب الجمعيات الأهلية وتشديد الرقابة عليه فإنها تجد في احتفالات الأعياد ثغرة تتواجد من خلالها بشكلٍ متخفي.

ويصرّح الباحث أحمد شلاطة لموقع “الحل نت”، بأنه يمكن القول إن الوجود الإخواني حالياً في المجال العام غير موجود، وغير مسموح لهم بإدارة المساجد، فالدولة واضحة في إدارة المساجد وتراقب الأمر بشدة في خلال السنوات العشر الأخيرة. قبل ذلك كانت المساجد ساحات نزاع وبناء شعبية بين “الإخوان” والسلفيين في مصر، ويتم تضخيم هذه الصراعات في الأعياد؛ كل جماعة وكل فصيل حركي يعمل على فرض سيطرته على المساجد من أجل بناء شعبية وحشد يعمل لصالح التنظيم التابع له.

ولكن شلاطة لا ينتبه إلى أن التواجد الذي تسعى إليه جماعة “الإخوان” غير واضح بالصورة التي يتحدث عنها شلاطة، فالدولة تدير المساجد وتراقب عملية إدارتها، وفي خطٍ موازي تعمل الجماعة على التواجد بصورة قانونية، من خلال بعض الأئمة الموالين لها وتنظيم احتفالات لا تظهر فيها الجماعة بشكلٍ مباشر، وحدث هذا في العديد من القرى المصرية، وهناك قرية في محافظة القليوبية رفع علم فلسطين بطول المئذنة في صلاة عيد الأضحى، وكان هناك احتفالاً منظّماً للعيد من خلال الزينة والبالونات وتوزيع الحلوى على الأفراد.

فانتظار ظهور “الإخوان” بصورةٍ مباشرة يمثّل عدم تقدير للدهاء الإخواني وأدوات عملهم، فهم يعملون عادة بخطط زمنية طويلة الأجل، ويتضح هذا في استمرارهم قرابة قرنٍ من الزمان. وحسب تاريخهم فإن براعتهم في التلوّن توضح طموحهم ومهاراتهم في التّخفي والحضور غير المباشر، خاصة أن الحضور المباشر في الظروف الحالية وظل قوة الدولة وتشديداتها الرقابية يمثّل خطوة انتحارية لأفراد الجماعة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات