ثمة تكرارٌ لافت لمضايقات واعتداءات عنصرية على عدد من السائحين في الولايات التركية خلال الشهور الأخيرة. وتزامن ذلك مع أعمال عنف ضد عدد من السوريين وممتلكاتهم في ولاية قيصري أعقبتها مواجهات مسلحة مع القوات التركية في شمال سوريا نتج عنها سقوط قتلى.

وفي ضوء ذلك وبحسب “المرصد السوري لحقوق الانسان”، لقي سبعة أشخاص على الأقل حتفهم إثر اندلاع احتجاجات شارك فيها المئات بمناطق شمال وغرب سوريا، التي تهيمن عليها أنقرة و”فصائل المعارضة السورية” الموالية لها، وذلك على خلفية اعتداءات استهدفت لاجئين سوريين وممتلكاتهم في تركيا.

اللاجئون السوريون كـ”ورقة سياسية”

قراءة الأحداث تشي أن هذه الموجة ليست جديدة بل ترتبط بمسار زمني يعود لسنوات مضت وتتقاطع دوماً مع تصريحات رسمية من مسؤولين أتراك وتتفاعل مع توظيف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لورقة اللاجئين السوريين.

من جانبه قال وزير الداخلية علي يرلي كايا، على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، إن “الشرطة التركية أوقفت على خلفية أعمال العنف ضد السوريين 474 شخصاً، بعد الأعمال الاستفزازية” التي نُفّذت ضد سوريين في تركيا.

في هذا السياق يشير الباحث السوري درويش خليفة إلى أنه لا شك أن ما حدث خلال الأيام الماضية في عدد من الولايات التركية “مؤسف للغاية”، وينفي القواسم المشتركة التي تفصم عراها السياسة والاستقطابات القائمة، موضحا لـ”الحل نت” أن تسييس ملف اللاجئين السوريين ووضعه على الطاولة حين الحاجة أضحى موضع قلق وتهديد للسلم والأمن المجتمعيين في تركيا والشمال السوري على حدٍّ سواء.

وبكل الأحوال، تُعتبر الحكومة التركية المسؤولة عن تطبيق القانون وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين واللاجئين وتقييد خطاب الكراهية الذي تنتهجه بعض الشخصيات الحزبية والإعلامية، بين الحين والآخر، والذي من شأنه تأجيج التوتر والعنف وزرع الضغينة بين الطرفين، وفقا للمصدر ذاته، الأمر الذي انعكس هذه المرة على مناطق النفوذ التركية في شمال سوريا مما أدى لمستويات غير مسبوقة للعنف ووقوع قتلى وجرحى بالعشرات هناك.

أما ما هو مطلوب من السلطات التركية بعد كل ما جرى، فقد بات من الضروري الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في سوريا يكون جزءا منه إيجاد حلول لوضع اللاجئين السوريين في دول جوار سوريا بمشاركة الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية والأوروبية، وذلك في ظل صعود اليمين الشعبوي والمناهض للأجانب في أوروبا.

إلى ذلك، بحسب خليفة  يمكن للسلطات التركية العمل على تشكيل لجان محلية مشتركة بين مواطنيها وبعض الشخصيات السورية للعمل على التهدئة وتعويض المتضررين جرّاء الخسائر البشرية والمادية بعد حادثة ولاية قيصري وباقي الولايات في الجنوب التركي.

الاحتجاجات بشمال سوريا تطوّق تركيا

شهدت العديد من الولايات التركية مظاهرات غاضبة مساء الأول والثاني من تموز/ يوليو الجاري تطالب بطرد السوريين والأجانب من تركيا كما تحرّك محتجون غاضبون إلى مناطق الحدود السورية في سعي ميداني، لاقتحامها على خلفية تمزيق سوريين غاضبين علم تركيا ومهاجمة مركبات عسكرية في مناطق سيطرة القوات التركية على تخوم مناطق شمال سوريا.

وقالت وسائل إعلام تركية، إن السلطات أغلقت المعابر الحدودية مع شمال سوريا (باب السلامة، باب الهوى، الراعي، جرابلس) من الجانب التركي حتى إشعار آخر، وأن الجيش دفع بتعزيزات إلى المناطق الحدودية ونشر دبابات.

من جانبه أعلن “حزب الشعب الجمهوري، الحزب المعارض في تركيا أن الأحداث الأخيرة في تركيا وشمال سوريا سببها فشل السياسة الخارجية التركية في التعامل مع الأزمة السورية منذ بدايتها، مطالباً بالإسراع في عقد مباحثات مع حكومة دمشق لتطبيع العلاقات ومعالجة القضايا الأمنية وقضية اللاجئين.

في سياق آخر ذي صلة تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يظهر مواطناً تركياً يحمل سكيناً، ويهدد مواطنين سعوديين في منطقة سارير بمدينة إسطنبول مما أثار غضباً واسعاً ومطالبات بإلقاء القبض على المعتدي قبل أن يتحول الأمر إلى ظاهرة منتشرة.

من جانبها أعلنت مديرية أمن إسطنبول توقيف الشخص الذي ظهر في فيديو الاعتداء على مواطنين سعوديين مؤكدة أنه “كان ثملاً”.

يأتي ذلك  ضمن مسار ممتد عرف وقوع حوادث متكررة ضد السيّاح العرب على اختلاف جنسياتهم خلال الشهور الأخيرة، مثلما حدث في واقعة الاعتداء على سائح كويتي بالضرب من جانب مواطن تركي في مدينة طرابزون يوم السادس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر الماضي. وعلى إثر ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الكويتية بياناً أكدت خلاله رفضها التام المساس بمواطنيها.

كما تعرض مواطن مغربي مقيم في إسطنبول لواقعة اعتداء يوم 20 آب/ أغسطس الماضي من جانب أحد السائقين الأتراك، وأدى الاعتداء إلى وفاته مما تسبب في حدوث تفاعل عربي واسع على مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذه الاعتداءات المتكررة.

إن ما جرى خلال الأيام الأخيرة هو امتداد لذات الأحداث التي تتصاعد كل فترة، ويعكس حالة “التكبر على الآخرين والشعور بالتعالي تجاه شعوب وقوميات أخرى من قِبل السلطات التركية وبعض الأحزاب القومية المتطرفة وحتى العنصرية”.

بركات كار، عضو “حزب الشعوب الديمقراطي” التركي لـ”الحل نت”

إبان ذلك وفي نفس الشهر –آب/ أغسطس الماضي- خبرت تركيا حادثة اعتداء جماعي من جانب أتراك ضد اثنين من المواطنين اليمنيين أحدهما طفل.

من الأهمية بمكان ملاحظة أنه خلال الحملة الانتخابية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تم طرح ما أسماه أردوغان “العودة الطوعية للاجئين” وفي أعقاب ذلك تم اتخاذ جملة من الإجراءات لتنفيذ هذا الأمر سيما مع الإشكالات الاقتصادية.

 في تلك الأثناء أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا عن خطة لضبط المهاجرين غير الشرعيين، وتم إطلاق حملات للتضييق على اللاجئين السوريين في عدد من المدن سيما إسطنبول.

كما أصدر أردوغان قراراً في شهر تموز/ يوليو الماضي بإعادة هيكلة إدارة الهجرة التركية، حيث تم تعيين أتيلا توروس رئيساً للإدارة والذي يُعرف بوضعه الكثير من العراقيل أمام اللاجئين سيما منع التنقل بين الولايات خلال ترؤسه للإدارة بين عامي 2014 و2017. ولا ريب أن ذلك كله منح ممرات آمنة لاحتشاد رأي عام ضد القوميات الأخرى، الأمر الذي تسبب بشكل أو بأخر في بروز عديد المضايقات ضد السائحين العرب نحو عدد من المدن التركية.

التعالي ضد القوميات والشعوب بتركيا

يقول الكاتب والمحلل السياسي التركي بركات كار، إن ما جرى خلال الأيام الأخيرة هو امتداد لذات الأحداث التي تتصاعد كل فترة، ويعكس حالة “التكبر على الآخرين والشعور بالتعالي تجاه شعوب وقوميات أخرى من قِبل السلطات التركية وبعض الأحزاب القومية المتطرفة وحتى العنصرية”.

يلفت بركات كار، عضو “حزب الشعوب الديمقراطي” التركي في إطار تصريحاته التي خصّ بها “الحل نت” الأمر بكونه ليس بجديد ويرى أن ذلك سياسة دولة التي تقوم على استصغار الآخر وخاصة تجاه العرب.

أما بالنسبة للرؤية السياسية نحو الاعتداءات على السوريين في تركيا أيضاً ليست جديدة وهي منذ سنين بالحقيقة حصلت بأكثر من مرة وأدت إلى وفيات بين الشباب السوريين.

يُرجع كار ذلك كله كنتيجة مباشرة لتعبئة الأحزاب العنصرية القومية التركية، إذ يرى المحلل السياسي التركي أن هذا قبل أن يكون ضد اللاجئين هم كتنظيمات وأحزاب متطرفة ضد القوميات والأقليات الأخرى غير التركية مثل العرب والأكراد والأرمن والسريان.

للأسف، والحديث ممتد للمصدر ذاته، جميعهم تاريخياً أخذوا نصيبهم من هذه السياسات التي تنوعت فيما بين التهجير والتصفية ولا زالت هذه الرؤية مستمرة خاصة ضد اللاجئين السوريين والتعامل معهم بزعم كونهم السبب الرئيس لكافة المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تركيا.

هذا الأمر دفع السلطات التركية تحت وطأة إجماع هذه الأحزاب المتطرفة، أن تعمل على ترويج توجّهات صوب ترحيل اللاجئين السوريين، وكذا أصحاب الجنسيات الأخرى وتستجيب أيضاً للضغط الشعبي الكبير واحتشاد الرأي العام وراء مقولات السلطة، لتخفيف الضغط  عليها جرّاء فشل السياسات الاقتصادية ومعالجة نسب التضخم والبطالة.

يقدر عضو “حزب الشعوب الديمقراطي” التركي عدد  السوريين الموجودين بتركيا نحو 3 ونصف ملايين سوري بتركيا. بالتالي ينبغي أن تسأل السلطات التركية أين يذهبوا هؤلاء؟ وإلى أين؟ وكيف يعيشون؟

يؤكد بركات كار أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في تركيا ضد ترحيل اللاجئين السوريين وغيرهم من البلاد، إلا برضاء طوعي وإنساني لتلك المجموعات.

يختتم عضو “حزب الشعوب الديمقراطي” التركي تصريحاته لـ”الحل نت” بقوله، لقد عملت الحكومة التركية طيلة السنوات الماضية من خلال ملف استضافتها لأعداد كبيرة من اللاجئين السوريين والعراقيين والليبيين توظيف هذا الملف خارجياً بغية “تعظيم العوائد السياسية والاقتصادية” من وراء هذا الملف، فضلاً عن توظيفه سياسياً واقتصادياً مع الدول الأوروبية المانحة.

إذاً لا ينبغي رؤية مسار ذلك كله بعيداً عن كل هذه الأحداث وترتيبها شعبياً ورسمياً، الأمر الذي تبصره في منسوب الخشونة والعنف ضد السائحين مرّة واللاجئين أخريات.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 1 صوت
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات