تُعد ظاهرة السياحة الجنسية في إيران هي إحدى هذه الظواهر الحديثة الناتجة عن محاولات تحايل الإيرانيين على الأوضاع الاقتصادية المتدنية. فمع الحصار الاقتصادي الخانق لم يجد الإيرانيون إلا الكسب من وراء متعة الجسد وملذّاته دون الاعتبار لأي من الضوابط الأخلاقية المجتمعية.

إذ تعاني المجتمعات المقترنة بالقهر الاجتماعي، والأعباء الاقتصادية، والكبت الأخلاقي، والقيود الفكرية، والاضطرابات السياسية مزيداً من الأمراض الاجتماعية التي تفترس بنيتها الاجتماعية الداخلية. مما يتسبب في ابتكار ظواهر اجتماعية وليدة هذا الوضع المترهل، مما يعكس مدى شعور الأشخاص في هذه المجتمعات بالعوز الاقتصادي. 

الجنس والأماكن المقدسة

من المفارقات الغريبة في إيران أنها دولة إسلامية قائمة على حكم “ولاية الفقيه”، مرجعيتها الشريعة الإسلامية إلا أنها في الوقت ذاته من أكثر الدولة التي تنتشر بها تجارة الجنس، بحسب تصنيف وزارة الخارجية الأميركية. 

مافيا المشروبات الكحولية في إيران بين الغش والتحالف مع السياسيين! (1)
شبان إيرانيون يجلسون في مقهى في مصنع آرغو فاكتوري في الحي التجاري في طهران،أحد أهم مصانع تصنيع المشروبات في إيران خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. (تصوير مرتضى نيكوبازل/غيتي)

ففي تقريرها السنوي، احتلت إيران المستوى الثالث عالمياً من حيث الاتجار بالبشر الذي يدخل ضمنه الاتجار بالجنس، ويأخذ أشكال مختلفة منها السياحة الجنسية، فالأصل فيها قائمة على المتعة مقابل الأموال وإن تعدد طرق ووسائل كيفية الحصول على هذا المال الذي ربما يكون نقديا أو في شكل هدايا أو تسهيل خدمات، أو أشياء أخرى. 

إلا أن ما يدعو للدهشة أكثر هو حالة الاقتران بين الدين والجنس. فإيران هي بلد المفارقات والتناقضات فـ بجوار الأماكن المقدسة حيث الصلاة والعبادة وتلاوة النصوص المقدسة، ممارسة الطقوس الروحية نجد على المدى غير البعيد، أماكن مخصصة لبائع الهوى حيث إشباع رغبات الجسد بعد إشباع رغبات الروح. 

كثيرا ما تُستخدم الأماكن المقدسة في المدن الإيرانية كستار لما يدور في الخلف من الممارسات الجنسية التي يقدمها الإيرانيون للسائحين والعابرين بعد الحصول على المكافأة المالية.

صحيفة “الغارديان” البريطانية، أشارت في تقرير لها يكشف الممارسات الجنسية في إيران إلى أن مدينتي “قم ومشهد” تعدان عاصمة العمل الجنسي الإيراني، وأن “كازينو مشهد” يُعد القِبلة الأولي لراغبي المتعة ليس للإيرانيين فحسب، وإنما للزائرين لأسباب دينية، فالمدينة لها مكانة دينية كبيرة بين أنصار المذهب الشيعي حول العالم.

في هذا الإطار تحدّث لـ “الحل نت”، باحث عراقي رفض البوح باسمه نظرا لحساسية الموضوع، قائلا: “لقد ذهبت إلى إيران سبعة مرات، وفي كل مرة كان يتم عرض الخدمات الجنسية تحت مسمى السياحة الجنسية للعراقيين”.

يتم عرض هذه الخدمات في الأماكن المقدسة؛ لأن هذه الأماكن هي واجهة العراقيين، وعلى حدّ كلام المصدر في المرة الأولى له تم عرض عليه البضائع الجنسية بجوار مقام السيدة “معصومة”، هذا بالإضافة إلى وجودها في مدن أخرى مثل طهران أو مناطق على بحر قزوين في شمال إيران. 

هذه الأماكن ينتشر فيها زواج المتعة، وهذا الزواج لا يوجد به عقد مكتوب وإنما هو عقد كلامي، ويتم استخدام هذا الزواج لتسهيل الأعمال الجنسية أو ما هو معروف تحت مسمى “الدعارة”. 

وأضاف المصدر، أن السياحة الجنسية في إيران هي عملية متسلسلة ومنظّمة بداية من سائق التاكسي الذي يسأل السائح عن رغبته في الحصول على المتع الجنسية مرورا بمالك الفندق، وأهل المحلات الذين يعرضون حتى يحصلون على نصيبهم من السمسرة.

المسكوت عنه في إيران!

أن مشكلة السياحة الجنسية في إيران أنها غيرُ معترفٍ بها رسمياً في البلاد، وهذا له نتائج خطيرة:

أولاً، لا توجد أرقام حقيقية وصريحة بهذه السياحة.

ثانياً، لا تستطيع تقيم عدد العاملين في هذا المجال وبالتالي يصعب السيطرة عليها. 

ثالثا، عدم اعتراف إيران بمدخلات هذه السياحة يجعل من الصعب معرفة إلى أي مدى تمتد شبكتها داخل المدن الإيرانية.

رابعاً، هناك مشكلة خطيرة تتعلق بالسياحة الجنسية وهي عدم توافر الأمان الصحي. 

خامساً، العنف الذي يُمارَس ضد المرأة وتعرضها للاستغلال الجسدي المفرط. 

مافيا المشروبات الكحولية في إيران بين الغش والتحالف مع السياسيين! (4)
عاملة مقهى إيرانية تعمل في مقهى في مصنع أرغو في الحي التجاري في طهران، كان أيضًا أحد أهم مصانع تصنيع المشروبات في إيران خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. (تصوير مرتضى نيكوبازل/غيتي)

جميع هذه الأسباب، جعل إيران في وضع التماهي مع السياحة الجنسية، فلا هي ترفضها، ولا هي تفرض عليها رقابة إنما تتركها في سياق المسكوت عنه. 

المختص في الشأن الإيراني، أسامة الهتيمي، يؤكد في حديثه لـ”الحل نت”، وبشكل موضوعي لا يتم الترويج لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة وهي “سياحة الجنس” تحت لافتات أو عناوين مباشرة فهذا أولا، يتعارض مع القانون الذي يحكم البلاد ولو ظاهريا. 

وثانياً، يصطدم بعادات وتقاليد المجتمع الإيراني المحافظ، ومن ثم فإن تنامي هذه الظاهرة يتم بالتحايل عليها انطلاقا من قناعات دينية مذهبية تسمح بالالتفاف وتحقيق المُراد استنادا لإطار شرعي يتمثل فيما يُعرف بالزواج المؤقت أو زواج المتعة الذي يبيحه المذهب الشيعي، الأمر الذي وظّفته بشكل جيد عصابات استقطبت الفتيات والسيدات يعملن بالأساس بـ “الدعارة” غير أن هذه المرة بشكل مقنن. 

وتابع الهتيمي، “بالطبع ليس هناك أفضل من مدينتي مشهد وقم، اللتان ينظر إليهما الكثيرون باعتبارهما عاصمة الدعارة في إيران، إذ تزدحم المدينتان بالزائرين الذين أتوا إليها بدعوى زيارة المراقد الدينية، غير أن الكثير من هؤلاء الزوّار خاصة من خارج إيران كان لهم أغراض أخرى تتعلق بممارسة الجنس بأي طريقة وعليه تكون الممارسة آمنة من الناحية القانونية”. 

بعيدا عن مدى شرعية هذه الممارسات إلا أن ثمة بُعد سياسي وآخر اقتصادي يتعلق بها؛ إذ ليس من المتصور أن تكون هذه الممارسات بعيدة عن أعين النظام أو تتم دون رغبته أو على أقل تقدير يغمض عيناه عنها – وهو النظام المعروف بيقظته – لتحقيق مقاصد أخرى. 

تتركز هذه المقاصد حول أن تلك الممارسات واحدة من أهم وسائل استقطاب الزائرين من خارج إيران من البلدان العربية وخاصة العراق، فعبرها يمكن ونتيجة للأزمة الاقتصادية التحصّل على عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما أشارت إليه منظمة العمل الدولية التي قدّرت أرباح إيران من الاتجار الجنسي بنحو 100 مليار دولار. 

كذلك للجهات الأمنية الإيرانية لها غاية منها، فمن خلالها يمكنها أن تحدث اختراقا أمنيا للبلدان المستهدفة، إذ يسهل تجنيد المتورطين في مثل هذه الممارسات من رعايا هذه الدول. 

ولعل ما يدعم ذلك أن هناك العديد من الشركات السياحية التي تقدم ردودا واضحة وصريحة للاستفسارات حول هذه الخدمة السياحية “سياحة الجنس”، كما أن هناك العديد من الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحدد الأماكن والأسعار ومواصفات مقدمات الخدمة، فيما يوجد قوادون أو سماسرة جنس، يعملون بشكل سرّي لتقديم الخدمة الجنسية وهو أمرٌ بات معلوما.

مشهد مدنية الهوى الأولى

تُعد مشهد، ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان وأقدس موقع شيعي في إيران، يزورها كل عام ملايين وملايين الحجاج الإيرانيين والأجانب والسياح الآخرين. وهذا طبيعياً؛ إلا أن ما يلفت النظر أن مدينة مشهد تحوّلت إلى واجهة للسيّاح الجنسيين العراقيين، هو ما أغضب الإيرانيين، ولجأ العديد منهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن رعبهم واشمئزازهم. 

ويبدو هنا أن العميلة متكاملة بين عراقي يريد المتعة ويبحث عنها خارج حدود وطنه، وبين إيراني يسعى لكسب الأموال ولا توجد لديه مشكلة في التجارة الجنسية مادام هذا يحقق له هدفه. 

بعض التقارير الصحفية التي نشرت، أشارت إلى أن العديد من مديري الفنادق يؤكدون السؤال الشائع الذي يطرحه الزوار العراقيون والخليجيون، هو أين يمكن العثور على عاملات الجنس. 

ومع ذلك، حدثت تطورات جديدة منذ ذلك الحين. فمنذ بداية عام 2018، وبعد إعلان الرئيس الأميركي الأسبق، دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على الجمهورية الإسلامية، انخفضت قيمة العملة الإيرانية وعدد السياح الأوروبيين. 

وفي الوقت نفسه، زاد عدد الزوّار العراقيين إلى إيران بنسبة 90 بالمئة. وقد ساعد هذا الارتفاع الاقتصاد في بعض المدن الإيرانية إلى حدّ ما، ولكن في محافظتي خوزستان وخراسان رضوي ــ وعاصمتهما مشهد ــ أدى إلى فضائح وخلافات مرتبطة بتجارة الجنس.

خلال الأسبوع الثالث من آب/أغسطس 2018، نشر موقع “خبر أونلاين”، وهو موقع إخباري وثيق الصلة بالمحافظين الإيرانيين، تقريراً عن سوق الجنس السرّية، زاعماً أن ما لا يقل عن 6000 “دار ضيافة” في مشهد تشارك بنشاط في هذه التجارة. 

وذكر الموقع، أن الرجال العراقيين العزاب يشكلون عنصراً أساسياً في دور الضيافة، حيث يؤجرون الغرف بشرط حصولهم على خدمات جنسية. 

وتلفت التقارير، إلى أن عدد النُزل وبيوت الضيافة في مشهد تجاوز 7300. ولكن لا أحد يعرف عدد هذه النُزل التي تعمل في سوق الجنس. 

بل ويقول المسؤولون إن 6000 نُزل فقط في مدينة مشهد مسجلة لدى السلطات المختصة وتخضع لإشراف الشرطة. وهذا يعني أن 1300 فندق يعمل خارج إشراف الشرطة وغيرها من الهيئات الحكومية، ولا تعرف هذه السلطات عنها شيئاً.

النساء المقهورات

تُعد السياحة الجنسية لدى فئة عريضة من الإيرانيين مهمة جداً؛ لأنها تمثّل مصدر دخل وإن ارتفع أو انخفض قيمة هذا الدخل. إلا أن الحلقة الأضعف في هذه المنظومة التي وقودها المرأة المستغلة تحت سياق العوز ليوميات الحياة ومتطلباتها. مما يدفعها إلى المتاجرة بجسدها. 

رجل إيراني يشرب البيرة الغازية بينما يستلقي في جاكوزي على سطح فندق شمال غرب طهران. (تصوير مرتضى نيكوبازل/غيتي)

فالمرأة رغم ما تعانيه في إيران من الكبت والقهر الديني والأخلاقي، إلا أن الوضع لم ينتهِ عند هذا الحد؛ وإنما ذهب إلى أبعد الحدود؛ فلم يترك لها حتى جسدها تهنئ به، وإنما أصبح هذا الجسد محمّلا بتجارة كاملة يدفعها إليها المجتمع وترضى عنها الدولة. 

معاناة النساء الإيرانيات في غلاف لامع اسمه “السياحة الجنسية”. التي تقوم على أجساد النساء سواء كنّ نساء ناضجات أو شابات عازبات أو فتيات صغيرات، فجمعهنّ يتم استغلالهنّ دون أن يتحرك ساكن للمنظمات القائمة على رعاية شؤون المرأة. 

فـ النساء الإيرانيات لم يخترن العمل الجنسي فمعظمهنّ مجبرات عليه. هذا مع غياب الإحصائيات والأرقام الحقيقية المتعلقة بأعداد النساء العاملات في سياحة الجنس، ومعرفة الأسباب والدوافع التي أدت بالنساء إلى العمل في هذا المجال، مما يعرضهنّ للعنف والنبذ الاجتماعي. 

السياحة الجنسية في إيران، باتت تمارسها فتيات صغيرات في السّن تتراوح أعمارهن بين ثماني وعشر سنوات. ولكن، لماذا نتحدث نحن هنا عن النساء دون الرجال؟ وهذا يرجع إلى عديد من الأسباب: 

أولاً، لأن المرأة في إيران فاقدة حريتها ولا تفعل شيئا إلا وكأنها ترس صغير في آلة المجتمع الكبير المغلقة بفعل رجاله. 

ثانياً، أن الرجل يمتلك الحرية مقارنة بالمرأة على الأقل يمكنه الرحيل وقتما شاء وإلى أي مكان يريد؛ وإنما المرأة مقهورة ومفروض عليها ما فيها. 

ثالثاً، السياحة الجنسية لا يمكن لها أن تكون دون النساء، فطبيعي أن نتناول وضع المرأة وما يتعلق بها من مشكلات في هذا المجال.

وأخيراً، نقول إن إيران دولة لا تعرف إلا السعي وراء المكاسب لو على حسب أجساد النساء المقهورات.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات