تصاعد العنف ضد النساء في ظل حكم حركة “طالبان” لا يتجاوز سقف التوقعات، ويبدو طبيعياً وضمن المتوقع للإطار الذي تفرضه الرؤى المتشددة للتنظيم الإسلامي المتشدد والمسلح. لكن التوهم بتعديل الأخير لسلوكه كما زعم في بداية وصولهم للسلطة قبل أعوام قليلة، وأنه لن يعاود الممارسات العنيفة ضد المرأة والأقليات كما في فترة الحكم السابقة، كان فخاً سقط فيه كثيرون. وعادة ما تعمد قوى الإسلام السياسي إلى مبدأ “التقية”، بداية من الجناح السني المتمثل في جماعة “الإخوان”، وفروعه المختلفة في المنطقة، وحتى الخميني لدى تفجيره ثورة “الكاسيت” عام 1979 في إيران.

إذ يتم التخفي وراء المزاعم التلفيقية كحيلة تكتيكية، يتم اللجوء لها بشكل مؤقت لحين إتمام صفقاتهم السياسية، وتقليل حدة الاعتراضات من خصومهم المحليين والإقليميين، لا سيما في الغرب والولايات المتحدة تبعاً لوضع الأجندة الحقوقية، ووصولهم للحكم. وبعد ذلك سرعان ما يتم الانقلاب على كل شيء إثر الانتقال من مرحلة “الاستضعاف” إلى “التمكين” في السلطة والانفراد بالحكم.

أفغانستان وحرمان المرأة من حقوقها

وفي الاجتماعات التي شملت للمرة الأولى حكام كابل ومبعوثين من نحو 25 دولة، مؤخراً، منهم الولايات المتحدة وروسيا والصين و”الاتحاد الأوروبي” و”منظمة التعاون الإسلامي”، قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، بأن أوضاع المرأة الأفغانية سيتم طرحها على طاولة النقاش، وذلك في معرض حديثها عن الانتقادات الحادة بخصوص عدم وجود تمثيل نسوي، واستبعاد النساء الأفغانيات، موضحة أن الاجتماع هو عبارة عن خطوة تمهيدية في إطار عمل تدريجي بغية رؤية الحركة “في سلام مع نفسها ومع جيرانها وملتزمة بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان”.

شددت “طالبان”، مؤخراً، عشية الاجتماع الدولي في قطر، على أن المطالب المتعلقة بحقوق المرأة هي شأن داخلي يتعين حله في أفغانستان- “وكالات”

وبحسب وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، فإنها طرحت على حكام كابل بمجرد اللقاء بهم، عدة مخاوف تشغل المجتمع الدولي، وعلى رأسها، غياب حكومة شاملة، وتدني أوضاع حقوق الإنسان تحديداً النساء، وضرورة وضع خطة لمكافحة الإرهاب والمخدرات، مشددة على أن “مسألة الحكم الشامل، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان بشكل عام، ستكون جزءا من مناقشات كل جلسة. فهذا أمر مهم، وسوف نسمعه مراراً وتكراراً، وأنا متأكدة من ذلك”.

ورغم انتقاد المنظمات الحقوقية الأممية، المعنية بحقوق الإنسان، منها “هيومان رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، الأمم المتحدة على خلفية غياب أو بالأحرى تغييب التمثيل النسوي للأفغانيات والمجتمع المدني في الحوار مع “طالبان”، إلا أن ديكارلو، قالت: “هذا ليس حواراً داخلياً بين الأفغان. أتمنى أن نتمكن من الوصول إلى ذلك يوماً ما، لكننا لسنا هناك”. غير أن الأمينة العامة لـ”منظمة العفو الدولية”، أنياس كالامار أوضحت أن “الرضوخ لشروط طالبان لضمان مشاركتها في المحادثات من شأنه أن يخاطر بإضفاء الشرعية على نظام القمع المؤسسي القائم على النوع الاجتماعي”. فيما عدّت “تهميش المناقشات حول حقوق الإنسان سيكون أمراً غير مقبول وسيشكل سابقة مدمرة للغاية”.

وفي ما يبدو أن الحكومة الأفغانية اعتبرت الموقف إزاء القبول بمشاركتها في مؤتمر الدوحة، والاستجابة لموقفها بخصوص استبعاد النساء والمجتمع المدني، يعكس “روح التعاون” وأوضح الناطق بلسان الحكومة ذبيح الله مجاهد أن المسؤولين الأجانب “يتمتعون بروح تعاون جيدة تجاه أفغانستان، ويمكننا أن نرى أن سياستهم حيالها تغيّرت بطريقة إيجابية”، وقد “خرجت أفغانستان من عزلتها، وخلق مناخ من الثقة”. وأردف قائلاً: “بما أن هذا الاجتماع تم تنظيمه وفقاً لمتطلّبات أفغانستان ومع مراعاة مصالحنا الوطنية، فقد تمكنّا من المشاركة وإبلاغ العالم بموقفنا”.

وقد شددت “طالبان”، مؤخراً، عشية الاجتماع الدولي في قطر، على أن المطالب المتعلقة بحقوق المرأة هي شأن داخلي يتعين حله في أفغانستان. وقال المتحدث باسم “طالبان” في مؤتمر صحافي في كابل، مؤخراً، إن سلطات “طالبان “تعترف بالقضايا المتعلقة بالمرأة”، موضحاً “نعمل على إيجاد طريق منطقي نحو الحلول داخل أفغانستان حتى لا تقع بلادنا، لا سمح الله، في الصراع والخلاف مرة أخرى”.

وبالتزامن مع هذه الاستجابة التي طالتها انتقادات أممية من منظمات معنية بحقوق الإنسان، فاقمت “طالبان” من الأوضاع الحقوقية إثر التمادي في قمعها للمرأة، وقد أضافت الحكومة لسجلها الحقوقي السيء “عدم اعترافها” بثلاث رياضيات سوف يمثلن كابل بدورة الألعاب الأولمبية في العاصمة الفرنسية باريس، آب/ أغسطس المقبل.

وفق الناطق بلسان مديرية الرياضة التابعة لحكومة كابل أتال مشواني، فإن: “3 رياضيين فقط يمثلون أفغانستان”، ويقصد الثلاثة الرجال واستبعاث العدد المماثل من النساء. ونقلت “وكالة الأنباء الفرنسية” عن مشواني قوله: “في الوقت الحالي، تم إيقاف رياضة الفتيات في أفغانستان. عندما لا تمارس الفتيات الرياضة، كيف يمكنهن الانضمام إلى المنتخب الوطني؟”.

وقال الرئيس التنفيذي للجنة الأولمبية الأفغانية داد محمد بايندا أختاري، إن لجنته قامت بالتنسيق مع سلطات “طالبان” بشأن الرياضيين الذكور، ومن ثم، فالحكومة تدعمهم بالتدريب والمنح الدراسية. وتابع: “نحن نتحمل مسؤولية ثلاثة رياضيين فقط يشاركون في الأولمبياد”.

دور وظيفي لـ”طالبان”

ثمة نقطة لافتة، تتجاوز ما هو في حيز الاستراتيجي لدى “طالبان” كما غيرها من تنظيمات الإسلام السياسي التي تتخفى كالحرباء، وتتنقل بخفة بين رمال السياسة المتحركة، حيث إن ملالي أفغانستان الجدد لهم طبيعة وظيفية في السياسة، تجعل مواقفهم المتشددة من المرأة والأقليات هي امتداد لمدى الرؤية العقائدي والأيديولوجي الذي يتم تطبيقه عملياً وسياسياً من خلال أجهزة ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، ويتحول الخروج على قضايا مثل الحجاب إلى “مخالفة” بالمعنى القانوني ويتم المعاقبة عليه بالطرق العنيفة القمع، وفي حالة أفغانستان تكون العقوبات بدائية لا تعنى بالجانب الحقوقي، من خلال الجلد والرجم واستعارة الأشكال العقابية القديمة الموغلة في التوحش.

تسارع بكين وموسكو من تطوير علاقتها مع “طالبان” رغم العزلة الدولية، ورفض الاعتراف الأممي بالحكومة الأفغانية منذ وصولها للسلطة.

الدور الوظيفي الذي تقوم به “طالبان” يبعث بمخاوف جمة في المنطقة الجيواسترتيجية بآسيا الوسطى والتي تتقاطع بين دروبها الحدودية نقاط تواصل تجارية بين جنوب وشرق آسيا بأوروبا والشرق الأوسط. فضلاً عن القومي/ وتعدد اللغات التي يتحدثون بها، وكذا الديني الطائفي والمذهبي، كالبلوش والتركمان والبشتون والهزارة. ولهذا، تلعب كابل وحكامها الجدد على تلك التناقضات. وفي حين تواصل تمتين حكمها المتشدد، ورفض السعي نحو تخفيف ضرباتها ضد المراة وتقويض مكتسباتها الحقوقية في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، بما يضعف من فرص الاعتراف بها دولياً، فإنها تعمل على تحقيق شراكات مع روسيا والصين، حيث إن مصالحهما في تلك المنطقة الغنية بالموارد والثروات تفرض إغراءات عديدة، وبخاصة في استخدامها ضد التنافس مع الولايات المتحدة والغرب. وقد سبق للناطق بلسان الحكومة في كابل ذبيح الله مجاهد أن بعث بتطميناته إلى موسكو.

وعقّب على ما قاله وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بخصوص تهديد تنظيمات مسلحة في أفغانستان لأمن البلدان في آسيا الوسطى. وقال مجاهد: إن “إمارة أفغانستان الإسلامية، كحكومة مسؤولة، لا تسمح لأحد باستخدام أراضي أفغانستان ضد دول أخرى، وتتوقع من الدول الأخرى، وخاصة دول المنطقة، منع أولئك الذين يدخلون أفغانستان لأغراض مدمرة”.

وفد من حركة “طالبان” لدى حضوره للمشاركة في منتدى اقتصادي بسان بطرسبرغ في روسيا يوم 6 حزيران/ يونيو- “أ.ب”

كما أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، له تحذيرات سابقة بشأن “عودة البنى التحتية العسكرية” الأميركية أو الأطلسية في أفغانستان أو دول آسيا الوسطى، مشدداً على “تطوير اتصالات مختلفة الأوجه مع أفغانستان”. وأردف: “نعتبر أن عودة البنى التحتية العسكرية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على أراضي أفغانستان والدول المجاورة أمر غير مقبول، أيا تكن الذرائع”. بل عبر عن “قلقة من محاولات أطراف غير إقليميين الانخراط بشكل إضافي في أفغانستان.. سنكون يقظين بالتحديد بشأن هذا الأمر”.

مصالح بكين وموسكو

ولذلك، تسارع بكين وموسكو من تطوير علاقتها مع “طالبان” رغم العزلة الدولية، ورفض الاعتراف الأممي بالحكومة الأفغانية منذ وصولها للسلطة إثر الانسحاب الأميركي من أفغانستان، على خلفية النكوص أو بالأحرى عدم الامتثال للتعهدات بخصوص احترام حقوق الإنسان. وهنا يشير رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج الطاقة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، على منصة “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار” التابع لمجلس الوزراء المصري، بأنه من بين الاحتمالات أو التأثيرات على عودة “طالبان” إلى السلطة في أفغانستان “فتح الطريق أمام تعزيز الوجود الروسي القوي أصلًا في دول آسيا الوسطى”، ويردف بأن “موسكو كانت من الناحية التاريخية، وستظل، هي القوة الخارجية المهيمنة على المنطقة؛ حيث من المتوقع أن تقوم روسيا بتوفير الدعم الأمني لحكومات آسيا الوسطى للمساعدة في مواجهة تهديدات الجماعات المتشددة، وخاصة الجماعات الإسلامية. كما ستظل موسكو، على الأرجح، المزود الرئيس للأسلحة لكل دول آسيا الوسطى، كما أنها ستقوم أيضًا، في كثير من الأحيان، بإجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع دول المنطقة”.

وأضاف: “مما يعزز من وجهة نظر مؤيدي هذا الاتجاه أن موسكو أبدت، بالفعل، استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لحماية “حلفائها” في طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، وهي الدول الثلاث التي لديها جوار مباشر مع أفغانستان، حيث يشعر الروس بالقلق من احتمال صعود تنظيم “داعش” الإرهابي، والجماعات المتطرفة الأخرى الناشئة، في شمال أفغانستان بالقرب من حدودها مع دول آسيا الوسطى كلها، وهو الأمر الذي برز في آخر جولة محادثات روسية مع طالبان في موسكو، في يوليو 2021، عندما حرص الروس على الحصول من الحركة على تعهد واضح بأن مكاسبها العسكرية في أفغانستان لن تشكل تهديدًا لروسيا، أو لمصالحها في دول آسيا الوسطى”.

وإلى جانب “التعامل الدبلوماسي مع طالبان لتأمين دول منطقة آسيا الوسطى، تُمثل التدريبات العسكرية الروسية على الحدود جانباً آخر من استراتيجية موسكو في التعامل مع التهديدات المحتملة من جانب طالبان لدول آسيا الوسطى، ويمكن النظر إلى هذه التدريبات باعتبارها (استعراضاً للقوة) من أجل إظهار استعداد روسيا لمعاقبة قادة طالبان إذا ما خرجوا عن الخط المتمثل في عدم تهديد دول آسيا الوسطى من الناحية الأمنية. وكان هذا الاستعراض واضحاً بشدة في الشهور الأخيرة، فعلى سبيل المثال، بمجرد انهيار الحكومة الأفغانية السابقة، في منتصف شهر أغسطس الماضي، في كابول، شوهدت مئات المركبات المدرعة وقطع المدفعية الروسية على الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان، وذلك في إطار مناورة عسكرية رفيعة المستوى. كما أجرت القوات الروسية أيضاً مناورات عسكرية مشتركة مع أوزبكستان قرب الحدود الأفغانية لمنع أي تسلل إلى أراضيها من الجانب الأفغاني، وكانت هذه المناورات رسالة واضحة من موسكو بأن روسيا الآن أصبحت (الحامية) لدول آسيا الوسطى من العنف المحتمل في الجوار الأفغاني”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات