شهدت الفترة التي تزامنت مع افتتاح أولمبياد باريس 2024 حالة من الجدل غير العادية أو التقليدية، وذلك على خلفية اعتراض القوى والشخصيات المحافظة واليمينية المتطرفة على محاكاة لوحة “العشاء الأخير” للفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي، في حفل الافتتاح، وفي ما يبدو أن اللوحة التي تسبقها لوحات أخرى أكثر شهرة منها، لا سيما لوحة الرجل الفيتروفي، تكتسب شهرة ذات خصوصية مختلفة نتيجة رموزها الدينية وشيفراتها الخاصة أو بالأحرى تأويلاتها ومعانيها الخفية والمستترة، الأمر الذي جعلتها سبباً في إثارة الجدل عدّة مرات كما حدث مع رواية “شيفرة دافينشي” للكاتب دان براون، و للمصادفة حقّق الأخير صاحب الكتب “البيست سيلر” تفوقاً براويته المثيرة للجدل في الدوائر الدينية المسيحية المحافظة، وتكرر الشيء مع “الدم والكأس المقدس” لميتشل بيغنت وهنري لنكولن وريتشارد لي.
السياق الجديد الذي فجّر الخلاف والجدل بل والهجوم الشنيع على ما جرى بالحفل، يؤكد أن محفّزات عديدة قائمة بالدرجة التي لا تجعل هناك أي عملية فصل بين ما هو فنّي ورياضي واجتماعي إبداعي وبين ما هو مرتبط بالسرديات المحافظة واحتماء قوى سياسية بها، والتي بمقدور نفوذها أن تمارس ضغوطاً عنيفة تتسبب في التعبئة والتهديد للحدّ الذي يصل بأن يتمّ حذف الفيديو الخاص بحفل الأولمبياد، فضلاً عن اعتذار المنظّمينَ.
أولمبياد باريس وجدل “العشاء الأخير”
ويمكن القول، إن القوى المتشنّجة والمتعصّبة تجاه المحاكات التي جرت بالحفل سواء القوى المحافظة المسيحية أو حتى الإسلامية مع بيان مؤسسة “الأزهر”، تعكس في الحقيقة ميل واضح وحاد لرفض أي مساس بامتيازات السلطة التي تكتسبها هذه القوى مع الدين، وافتراض نفسها تمثّل الحق في الدفاع عن المقدسات. مع الأخذ في الاعتبار أن اللوحة التي رسمها دافنشي تمثّل جدارية فنية في التاريخ وثّقت ذروة إبداع مرحلة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وهي مثلها مثل أي إبداع قائم على تعدد القراءات وتفاوت التأويلات ووقوعه في مساحة لا نهائية ودائرية من المعاني التي يمكن التفتيش عنها، خاصة في ظل الرمزيات الدّالة والألوان المستخدمة والملابس وانعكاساتها بما يكشف عن خفايا البشر ودواخلهم، مثل العلاقة بين المسيح ويهوذا حيث سيقوم الأخير بخيانته.
لا يمكن تخطئة أن الهجوم الذي رافق الحفل له أبعاد سياسية محضة، وتوظيف الكاثوليكية كمركزية دينية، إنما هي رافعة للمصالح التي يتبناها اليمين المتطرف.
إذاً، لا يمكن فصل ما جرى في الأولمبياد من زاوية كونه له حمولة سياسية، بينما تم توظيف الجانب الديني لإثارة غضب القوى المجتمعية المحافظة، وتحريكها للضغط، فاليمين المتطرف في فرنسا الذي يتقاسم مع تيار إيمانويل ماكرون السلطة، لعب على أوتار تلك القضية والمطلوب أن تكون ضمن وسائط الاستقطاب الانتخابي المطلوب بإلحاح أن يبقى قائماً حتى الوصول للانتخابات الرئاسية في 2027، حيث ستكون لحظة الفصل.
تسويق الحفل على أن المحاكاة التي تمت عبارة عن سخرية من العشاء السّري في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي كما الإعلام، بدا مقصوداً ومتعمداً، لاعتبارات سياسية انتخابية، وهذا ما برز من قوى إسلاموية مضت في الدفاع والاصطفاف مع اليمين المتطرف المسيحي في إطار العداء لـ تيار ماكرون الذي يتبنى خططاً متشددة ضد “الانعزالية الإسلاموية” و”تعزيز قيم الجمهورية”.
التعبير عن التعدد والتنوع
وتحت وطأة هذه الأزمات التي أثارتها تلك القوى، اضطر منظمو دورة الألعاب الأولمبية للاعتذار، في حين قال المدير الفني للحفل توماس جولي، إن الهدف منه هو الاحتفال بالتنوع، والإشادة بالولائم وفن الطهي الفرنسي. وتابع: “أمنيتي ألا أكون تخريبياً، ولا أن أسخر أو أصدم.. الأهم من ذلك كله أنني أردت أن أبعث برسالة حب، رسالة اندماج وعدم الانقسام على الإطلاق”.

وبرر المدير الفني في اعتذاره دفاعاً عن العرض بأنه ليس مستوحياً من اللوحة العالمية للفنان الإيطالي، موضحاً أنه “ليس لدي مطلقاً أي رغبة في السخرية من أي أمر أو تشويه. أردت إنجاز حفل افتتاح ينطوي على إصلاح ومصالحة، ويعيد تأكيد قيم جمهوريتنا”. وأردف: “أعتقد أن الأمر كان واضحا جدا، يصل ديونيسوس إلى المائدة، لأنه إله الاحتفال وأب سيكوانا، إلهة النهر”. بالتالي، فعده “متوافقاً مع تقاليد فرنسا الطويلة من العلمانية”. وقال: “في فرنسا لدينا حرية الإبداع والحرية الفنية.. ونحن محظوظون لأننا نعيش في بلد حر”، مردفاً: “نعيش في جمهورية، ولدينا الحق في حب من نريد”.
وضع المدير الفني النقاط على الحروف، وملء الفراغات التي تسلل لملء محتواها القوى الدينية المحافظة، سواء إسلامية أو مسيحية، وفضح انتهازيتها وصلاتها المصالحية، حيث عبّر عن هدف الاحتفال واعتماده فنياً على وسائط تعبّر عن التعدد والتنوع، السياسي والاجتماعي والثقافي والجندري، وذلك بما يعبر أيضاً عن “قيم الجمهورية” في فرنسا، ومبادئها الليبرالية، بعمقها التاريخي والثقافي، في حين تحاول تلك القوى الأولى رفض هذه التعددية وتأبيد سردية دينية وسياسية “كاثوليكية”، ترفض المثليين، كما لا تؤمن بأي تعدد حضاري بامتداداته الإغريقية. ومن ثم، استعادة الصراع بين العلمانية والكنيسة.
أوضحت الناطقة بلسان باريس 2024، آن ديكامب، أثناء مؤتمر صحافي للجنة الأولمبية الدولية: “من الواضح أنه لم تكن هناك نية على الإطلاق لإظهار عدم الاحترام لأي مجموعة دينية. على العكس من ذلك، أعتقد (مع) توماس جولي أننا حاولنا بالفعل الاحتفال بالتسامح المجتمعي.. بالنظر إلى نتائج استطلاعات الرأي التي شاركناها، نعتقد أن هذا الطموح قد تحقق. إذا شعر الناس بأي إساءة، فنحن بالطبع آسفون حقاً”.
غير أن حساب الأولمبياد على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) قد دافع عن العرض وقال إنه “تفسيرٌ للإله اليوناني ديونيسوس، لجعلنا ندرك عبثية العنف بين البشر”. ورغم ذلك، مضت عمليات التعبئة تولّد موجات عنف، بداية من رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، الذي وصف العرض بأنه”غير محترم للغاية للمسيحيين”، مروراً بالنائبة بالبرلمان الأوروبي السياسية الفرنسية اليمينية ماريون مارشال التي قالت: “إلى جميع المسيحيين في العالم الذين يشاهدون حفل باريس 2024 وشعروا بالإهانة من محاكاة ساخرة. اعلموا أن فرنسا ليست هي التي تتحدث لكن أقلية يسارية مستعدة لأي استفزاز”، وحتى كلينت راسل، مقدم بودكاست “ليبرتي لوكداون” الذي قال في هجومه: “هذا جنون. افتتاح الحدث باستبدال أبطال لوحة العشاء الأخير برجال يرتدون ملابس نسائية”. وتابع: “هناك 2.4 مليار مسيحي على وجه الأرض، ويبدو أن الألعاب الأولمبية أرادت أن تعلن بصوت عالٍ لهم جميعاً أنهم غير مرحّب بهم”.
مواقف المؤسسات الدينية
في حين أن المؤسسات الدينية بمصر، الإسلامية والمسيحية، أخذت مواقف متماثلة، ففي حين قالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمصر، إن “تجسيد مشهد العشاء الأخير للسيد المسيح مع تلاميذه”، في حفل أولمبياد 2024 بهذه “الطريقة (التي قُدِّم بها المشهد) تحمل إساءة بالغة لأحد المعتقدات الدينية الأساسية التي تقوم عليها المسيحية”، فإن الأزهر اعتبر العرض يحمل جملة من “مشاهد الإساءة للسيد المسيح” وقال: “تصوير السيد المسيح بشكل مسيء لشخصه الكريم، و لمقام النبوة الرَفيع، وبأسلوب همجي طائش، لا يحترم مشاعر المؤمنين بالأديان، وبالأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة، أثار غضباً عالمياً واسعاً”.
لا يمكن تخطئة أن الهجوم الذي رافق الحفل له أبعاد سياسية محضة، وتوظيف الكاثوليكية كمركزية دينية، إنما هي رافعة للمصالح التي يتبناها اليمين المتطرف، وقد برز في الهجوم على المبادئ الليبرالية للتيار المنافس، والقضايا المثيرة للجدل بينهما، فالهجوم الذي طاول اللوحة استمر إلى الهجوم على وجود المثليين وتمثيلهم بالحفل، فضلاً عن هجوم مماثل بخصوص مشهد “ماري أنطوانيت” وهي مقطوعة الرأس بدعوى أنه مشهد دموي عنيف، وهي ضمن ميراث الثورة الفرنسية التي تعلن انقطاع رأس الارستقراطية من فضائها المنعزل عن أي مساءلة قانونية أو محاسبة في ظل الاستعلاء.
- المرافئ السورية تستعيد نشاطها.. فهل تعود إلى ما قبل الحرب؟
- أزمة عقود المعلمين تتجدد من اللاذقية وسط مطالب بالتثبيت والاستقرار الوظيفي
- باريس تحاكم سورياً متهماً بالانتماء إلى “داعش” وخطف صحفيين فرنسيين
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
