كشف تحقيقٌ سرّي عن سلسلة توريد خفية تنقل المركبات من أوروبا إلى سوريا عبر دول مجاورة مثل الأردن ولبنان، يستخدمها الجيش السوري، على الرغم من العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا منذ عام 2011، إلا أن هذه الشاحنات لم يتم تضمينها في قائمة السلع المحظورة.
التحقيق، الذي عملت عليه وحدة “سراج” و”مشروع كشف الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود (OCCRP)”، أكد أن الجيش السوري يستخدم هذه الشاحنات التي تحمل علامات تجارية أوروبية في عملياته العسكرية، عبر نقل المدفعية والدبابات إلى جبهات القتال الداخلية.
وحمل التحقيق عنوان “سلسلة التوريد السرية لإرسال الشاحنات الأوروبية إلى سوريا“، إذ أثار تساؤلات جوهرية حول فعالية العقوبات الأوروبية.
عبر دول مجاورة
بحسب التحقيق، فإن الحكومة السورية كانت تعتمد بشكل كبير على حليفتها روسيا لإمداد مجهودها الحربي ودعمه، لكن في الآونة الأخيرة، وتحديدا في عام 2018، أظهرت مقاطع فيديو بثّتها وسائل الإعلام الحكومية وتمت مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الجيش السوري يحصل على شاحنات جديدة المظهر تحمل علامات تجارية تابعة للاتحاد الأوروبي، مثل “مرسيدس” و”سكانيا” و”فولفو” و”ايفيكو”.

مع تهالك عربات “زيل” في السنوات الأخيرة، “لجأ النظام السوري إلى استخدام شاحنات مصنّعة في الاتحاد الأوروبي لنقل القوات والمعدات العسكرية بين الجبهات. حيث تُستخدم هذه الشاحنات لأغراض عسكريّة، من خلال عمليات النقل اللوجستي للجنود والدبابات والمدرعات بسرعة خلال العمليات العسكرية، كما حصل سابقاً في الغوطة وحمص وحلب ودير الزور ودرعا وغيرها، واليوم في محافظة إدلب، وفقاً لمعلومات حصلت عليها “سراج” من الإدارة العامة في وزارة الدفاع السورية، وفق التحقيق.
لا تنشر سوريا معلومات عن مشتريات الجيش، لذلك لا يمكن تحديد كيف أو متى دخلت هذه الشاحنات إلى البلاد. بعض الشركات المصنّعة تستعين بمصادر خارجيّة (أطراف ثالثة) لإتمام أجزاء من عملية الإنتاج، ما يعني أن هذه الشاحنات ربما لم يتم تجميعها في الاتحاد الأوروبي.
وأشار التحقيق إلى أن بعض المركبات المشابهة تجد طريقها من الاتحاد الأوروبي نحو سوريا عبر خط سرّي يمرّ عبر دول مجاورة لا تخضع للمستوى نفسه من العقوبات الأوروبية. وبمجرد وصول الشاحنات إلى هذه الدول، يمكن نقلها بسهولة أكبر إلى وجهتها النهائية.
تجنب ذكر سوريا
أحد مراسلي “سراج” سجل عشرات المقابلات بصورة سرّية مع تجار شاحنات وشركات شحن ووكلاء جمارك في ألمانيا وإيطاليا والسويد وسوريا والأردن ولبنان. إذ وصف هؤلاء الوسطاء بالتفصيل كيف يمكن نقل الشاحنات من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا عبر دول مجاورة مثل الأردن ولبنان، وأحياناً من خلال دفع الرشى وتزوير الأوراق على طول الطريق.

وأكد التحقيق أن عملية نقل هذه الشاحنات تتم عبر شحنها إلى دول مجاورة من دون ذكر سوريا في وثائق الشحن، إذ تواصل مراسل سرّي من “سراج” مع اثنين من التجار المقيمين في الاتحاد الأوروبي وأخبرهم برغبته في إرسال شاحنات مرسيدس وسكانيا من السويد إلى مشترٍ في دمشق، عرضوا عليه المساعدة في التغلب على الحظر التجاري عن طريق الشحن عبر الأردن أو لبنان أو الإمارات العربية المتحدة.
أحد التجار المقيمين في مدينة فيمربي جنوب السويد، حذّر المراسل من أن السلطات السويدية ستمنع الشحنة إذا علمت أنها متّجهة إلى سوريا. وقال: “لا توجد سفن تذهب إلى سوريا، هناك حظر، وذلك ممنوع”، لكنه اقترح المساعدة في شحن الشاحنات عبر الأردن، وأوضح أنه بمجرد وصول المركبات إلى الشرق الأوسط، يمكن نقلها إلى المناطق الحرة ومن هناك إلى سوريا.
وقال التحقيق، إن التاجر اقترح نقل الشاحنات إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، ومن هناك تُنقل إلى المنطقة الحرة في الزرقاء شرق عمان، حيث بإمكان الشاحنات أن تتحرك شمالاً إلى المنطقة الحرة الأردنية – السورية المشتركة، بعد ملء بعض الأوراق والمستندات، وفق التاجر الذي طلب عدم ذكر اسمه.
الأردن لم يكن هو الطريق الوحيد المتوافر، إذ اقترح أحد وكلاء الشحن المقيمين في سوريا المساعدة في ربط المراسل السرّي بشركة يمكنها استقبال الشاحنات في لبنان، وقال إنه من هناك “سننفّذ عملية العبور ونرسلها إلى سوريا”، بينما اقترح تاجرٌ مقيم في ألمانيا ربط المراسل بتاجر سوري في الإمارات.
وأكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية أن العقوبات لا تحظر تصدير شاحنات الطرق، وقال إن المفوضية تنسّق مع الدول الأعضاء لضمان أن عقوبات الاتحاد “تستجيب لأي تقارير تظهر بشأن التحايل على العقوبات أو غيرها من القضايا التي لوحظت أثناء التنفيذ”.

