لماذا من الضروري إصدار عملة سورية جديدة؟

لماذا من الضروري إصدار عملة سورية جديدة؟

برزت في الآونة الأخيرة التوقعات بإصدار عملة سورية جديدة، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سعيًا لإصلاح اقتصاد البلاد الذي عانى لسنوات نتيجة الصراعات وارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق. 

وعانت العملة السورية طويلاً من الانهيارات المتتالية، بينما مؤخرًا أظهرت مؤشرات تعافيها، لتسجل مستويات 13,000 ليرة مقابل الدولار وفقًا لأحدث نشرات “مصرف سورية المركزي”، بعد أن وصلت إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة بلغت 22 ألف ليرة للدولار الواحد. 

ولجأ مؤخرًا “المركزي السوري” إلى اعتماد سعر موحّد للعملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، ومراقبة السوق السوداء. 

مسألة وقت 

مع سقوط النظام البائد، بدأ الحديث عن إجراء تغييرات في النظام النقدي السوري عبر إصدار عملة جديدة، وإزالة الأصفار التي أرهقت الاقتصاد السوري بأرقام فلكية.

المعتمَد يستلم أوامر الصرّف من الماليّة لقبض كل مبالغه من البنك المركزي، ثمَّ يعيد نسخة جداول التفاريغ لشعبة الجرد بعد الانتهاء من تسليم الرواتب للعاملين
المعتمَد يستلم أوامر الصرّف من الماليّة لقبض كل مبالغه من البنك المركزي، ثمَّ يعيد نسخة جداول التفاريغ لشعبة الجرد بعد الانتهاء من تسليم الرواتب للعاملين

في هذا السياق أكد القائد العام لـ “إدارة العمليات العسكرية في سوريا”، أحمد الشرع، الشهر الماضي، أنه سيتم إصدار عملة جديدة في سوريا بعد استقرار وتحسن قيمة العملة الحالية، ما يعني أن القيادة اتخذت قرارًا في هذا الشأن وهناك ترتيبات للقيام بإصدار عملة جديدة أي أنها مسألة وقت. 

وبحسب وزير التجارة السوري وحماية المستهلك، لؤي المنجد، في تصريحات إعلامية له، فإن تغيير العملة يُعد “قراراً سياسياً” في المقام الأول. 

التطورات الأخيرة جعلت الليرة السورية تواجه لحظة حاسمة بشأن مصيرها، وتحدي استعادة قيمتها كرمز للاستقرار في البلاد التي عانت أزمات وتدهور وخاصة الاستقرار الاقتصادي. 

بحسب أرقام نشرة ضمان الاستثمار الصادرة عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات عن الفترة من تشرين الأول/أكتوبر حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، قُدّرت معدلات التضخم في سوريا بنحو 135% بنهاية عام 2023، وكانت التوقعات أن يصل بنهاية 2024 إلى 85%.  

عملية مُعقدة 

في هذا الصدد توقع الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، أنه مع استقرار الاقتصاد الوطني في سوريا، أن تسعى الحكومة إلى إصدار عُملة جديدة تعكس مرحلة جديدة من الاستقرار وتُعيد الثقة بالنظام النقدي.  

أوضح الباحث في الاقتصاد السياسي، خلال منشور له على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أمس الأربعاء، أن تحديد قيمة العُملة الجديدة لن يكون مجرد قرار اقتصادي تقني، بل عملية مُعقَّدة تتأثَّر بأهداف الدولة الاقتصادية وباحتياجات إعادة الإعمار والتنمية. 

وأشار إلى أن الاقتصاد السوري في السنوات القادمة سيُواجه تحدّياً فريداً يتمثَّل في التوفيق بين ضرورة استيراد كميات هائلة من الموادّ والمعدات لدعم عملية إعادة الإعمار، وبين الحاجة لتعزيز الصادرات لتحفيز النموّ الاقتصاديّ، وتأمين العُملة الصَّعبة. 

وأكد الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، أن اعتماد عُملة مرتفعة القيمة من شأنه أن يجعل الواردات أرخص وأكثر سهولة، منبّهًا إلى أنه قد يضرّ بالصادرات عن طريق رَفْع أسعار المنتجات المحلية بالنسبة للأسواق الخارجية.  

وأفاد بأن اعتماد عملة منخفضة القيمة يجعل الصادرات أكثر تنافسية، لكنّه يزيد تكلفة الواردات، مما قد يؤدي إلى إبطاء عملية إعادة الإعمار. 

الخيار الأنسب للحكومة 

ذكر الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، أن الخيار الأنسب أمام الحكومة السورية الآن يتمثل في تحديد قيمة متوازنة للعملة الجديدة؛ بحيث تُسهم في تحقيق توازن بين متطلبات الاستيراد والتصدير. 

فئة نقدية سوريا
العملة التالفة هي أحد مؤشرات عجز “مصرف سوريا المركزي” عن طباعة عملة نقدية جديدة

 وأردف بأن تقديرات أولية تشير إلى أن اعتماد قيمة 25 – 75 ليرة للدولار الواحد قد يُحقِّق توازناً نسبيًا، على سبيل المثال، مشيرًا إلى أن هذه القيمة من شأنها أن تجعل المنتجات السورية تنافسية في الأسواق الخارجية، مع الإبقاء على تكلفة الاستيراد ضمن حدود معقولة. 

وأكد أن القيمة المتوازنة للعملة الوطنية من شأنها أن تعكس قدرة الدولة على إدارة اقتصادها بفعالية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لافتًا إلى أن اختيار هذه القيمة لن يكون مُجرَّد إجراء رمزي، بل خطوة حاسمة ستحدّد مسار الاقتصاد الوطني لعقود قادمة.  

وشدد في ختام منشوره على أن سوريا أصبحت تحتاج إلى قرارات اقتصادية مبنية على دراسات دقيقة ورؤية طويلة المدى، تضمن استقرار العملة الجديدة، وتخلق بيئة ملائمة للنمو والازدهار. 

تحسن الليرة السورية 

يُشار إلى أن “مصرف سورية المركزي” أوضح أن العملة المعتمدة في التداول داخل البلاد هي الليرة السورية بجميع فئاتها، وأنه لم يتم سحب أي فئة من التداول. 

ومن هذا المنطلق، وجّه المصرف شركات الصرافة والحوالات الداخلية بضرورة الالتزام بتسليم الحوالات للمستحقين بالليرة السورية، وفقاً للقرارات المعمول بها.    

يرجع التحسّن في سعر الليرة مؤخرا إلى الخطوات التي اتّخذها “المصرف المركزي” عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، والتي كان أولها قرار توحيد سعر صرف الليرة السورية.  

في البداية حاول “المصرف المركزي السوري” تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، ذلك من خلال تحديد سعر الصرف، وهو ما أعطى دفعة إيجابية للعملة الوطنية.  

في خطوة أخرى كان لها تأثيرًا إيجابيًا بزيادة المعروض من العملة الأجنبية، أتاح “المصرف المركزي” للمصارف وشركات الصرافة وشركات الحوالات المالية الداخلية تسليم الحوالات الواردة من خارج البلاد بالقطع الأجنبي (الدولار) أو بالليرة السورية حسب رغبة المستفيد. 

وأخيرًا ألغى “مصرف سورية المركزي”، العمل بقرار تحديد سقف الحوالات المسموح بها يوميًا، والتي كان قد حدّدها النظام البائد قبل سقوطه في الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي بقيمة 5 ملايين ليرة سورية. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم