“عدم التدخل في الشؤون السورية”: هل تنهي تصريحات عراقجي السياسة الوصائية لإيران؟

التصريحات التي وردت على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأن سياسات بلاده هي “عدم التدخل بما يجري في سوريا” وقال: “ستقدم المساعدة عند طلبها لكن دون تدخل مباشر”، تكشف عن تناقضات جمّة ومغالطات فجّة.

فسوريا ما تزال رغم سقوط نظام بشار الأسد، تعاني من الاحتلالات العديدة التي استدعاها الأخير لجهة عسكرة الحراك الثوري، سواء روسيا أو إيران، والوصول إلى حرب طائفية دموية. 

هذه الحرب، التي امتدت لنحو 14 عاما، لعبت فيها الميلشيات المدعومة من “الحرس الثوري الإيراني” أدوارا مختلفة، وتوافرت لها نفقات لامست حدود 30 مليار دولار بحسب حشمت الله فلاح بيشه بالبرلمان الإيراني في تصريح منسوب له عام 2020. 

سوريا والوصاية الإيرانية

وبعيدا عن نفقات الحرب، التي تتباين حولها الأرقام ويحاوطها الغموض وغياب الشفافية، فعمليا، هناك نتائج انعكست، على المستويين السياسي والميداني، بداية من التغيير الديمغرافي، مرورا بتحويل سوريا إلى نقطة تمركز جيوستراتيجية في إطار دعم وإسناد ما يعرف بـ”محور المقاومة”، وتهريب السلاح كما “الكبتاغون” ونقل المقاتلين إلى لبنان والعراق، وحتى فرض هيمنة وتبعية على أجهزة ومؤسسات الدولة الأمنية والدفاعية.

السفارة الإيرانية في دمشق- “أ ب”

إذاً، يمكن القول إن التناقضات والمغالطات المقصودة والمتعمدة التي يرددها وزير الخارجية الإيراني، تكشف عن الارتباك الشديد في السياسة الإيرانية سواء في ما يخص الوضع السوري بعد سقوط حليفها الأسد، أو الوضع في المنطقة.

إذ إن نظام الملالي يقع تحت وطأة صدمة مدوية جراء خروجه القسري من المعادلات كافة السياسية والأمنية والإقليمية التي سعى إلى تحقيقها في عشرية ما بعد “الربيع العربي”، من خلال وكلائه في سوريا والعراق ولبنان، وتقوية نفوذهم بالمال والسلاح، وذلك ضمن التداعيات المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، حيث باشرت إسرائيل في تقويض وإضعاف، بل تفكيك التحالف المشبوه الذي يقف وراء حرب غزة التي هندستها طهران بواسطة القوى الإسلاموية المسلحة.

وإلى جانب تصفية قادة هذا المحور، السني والشيعي، كـ”حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة، فالضربات التي طاولت التنظيمات المسلحة الوظيفية لإيران بالمنطقة، وخروج بشار الأسد من دمشق أو بالأحرى تغييبه عمدا عن معادلات الحل السوري، كانت عنوانا لبداية مرحلة جديدة ليس لإيران فيها أي مقعد، بل تخسر حتما كل ما راكمته من نفوذ.

من ثم، ليس تصريح الوزير الإيراني الأول من نوعه الذي يعبر عن حالة الارتباك القصوى، أو يكشف عن الأرض الرخوة سياسيا التي يقف عليها قادة النظام في طهران، فمع سقوط النظام نهاية العام الماضي، جاء بيان الخارجية الإيراني ليقول: “في هذا الوضع الذي تمر فيه سوريا بمنعطف حرج من تاريخها، فإن ضمان أمن جميع المواطنين السوريين ومواطني الدول الأخرى.. أمر بالغ الأهمية ويجب على الجميع مراعاة معايير القانون الدولي”. 

“الحفاظ على الأماكن المقدسة”

لكن البيان ذاته الصادر في الثامن كانون الأول/ديسمبر، ألمح إلى نقطة لا يمكن بحال تفويتها أو غض الطرف عنها، تتمثل في مقولة “الحفاظ على الأماكن المقدسة”، وهي العبارة التي يحتمي بها ملالي طهران، لإدارة مصالحهم وسياساتهم الخارجية، الخفية والعلانية، كما كانت الذريعة المباشرة للتدخل العسكري في سوريا. 

وقد رجح البيان، أن تبقى العلاقات الثنائية بين البلدين “على أساس المصالح المشتركة”. بما يعكس بوضوح الرغبة المحمومة لدى قادة إيران للإبقاء أو الحفاظ على بعض امتيازاتهم أو ما تبقى منها أطول وقت ممكن، وتعويض ما يمكن في ظل الخسائر الهائلة. 

في المحصلة، لا يعدو الارتباك في الخطاب السياسي الإيراني تحديدا منذ انهيار نظام الأسد، أمرا طارئا أو عرضيا، بل إن له سوابق عديدة، ويكاد أن يكون الخط العام الذي يحكم مقارباتهم. 

الميليشيات الإيرانية المتواجدة في دير الزور وريفها، أخلت عددا من مقراتها العسكرية.
الميلشيات الإيرانية المتواجدة في دير الزور وريفها، أخلت عددا من مقراتها العسكرية- “صورة ارشيفية عبر الإنترنت”

فيما لم يتردد الجنرال الإيراني في القوات المسلحة بهروز إسباتي، بخلاف آخرين في إيران، الإعلان عن الخسائر الإيرانية في سوريا، وقال: “إيران هزمت بشكل سيء جدا، وتلقينا ضربة كبيرة”. الأمر الذي يكشف عن تباينات جمّة في الداخل الإيراني، وعلى مستوى النخبة السياسية الحاكمة، بشأن تقييمهم للوضع في سوريا، وإعادة صياغة مستقبل العلاقات الذي هو بحاجة حتما إلى مقاربات مغايرة ووسائل ليس من بينها التبعية، أو التماس السياسة الطائفية والزبائنية ذاتها، وتحميها المربعات الأمنية والعسكرية.

بالمقابل، فإن تصريحات عراقجي بما تنطوي عليه من مغالطات، لا تبدو سوى محاولة متكررة وتقليدية للتعمية عن تلك الخسائر الفادحة التي تكبدتها بلاده، واستئناف محاولات إنكار الواقع أو التعمية عن الحقائق والمستجدات التي نبذتها في مرحلة ما بعد بشار الأسد، وكأن إيران ستضحى دولة طبيعية بينما تبحث عن علاقات سياسية ودبلوماسية ليس فيها “تصدير للثورة” و”حماية المستضعفين”، وتنسى خطاباتها الأيدولوجية التي ترى في دمشق محطة مهمة واستراتيجية داخل ما يعرف بـ”الهلال الشيعي”.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم