في مثل تلك الأيام من الأسبوع الأخير لشهر رمضان المبارك بسنوات ليست ببعيدة، كانت تفوح من المنازل السورية روائح حلويات العيد من معمول أو بيتيفور، معلنين قدوم العيد بهذه الطريقة التي اندثرت خلال السنوات الأخيرة بفعل الحرب التي جعلت 90 بالمئة من السوريين يعيشون في فقر.
ويُعد تحضير حلويات العيد من أبرز الطقوس والعادات الاجتماعية التي اشتهرت بها الأُسر السورية، وظل بعضها محافظًا عليها رغم مرارة الحرب، بينما أسر أخرى سجلت غيابًا عن ممارسة تلك العادات مع غلاء المعيشة.
رفاهية لا يمكن تحمّلها
حولت التحديات الاقتصادية حلوى العيد من تقليد أساسي للاحتفال بقدوم العيد إلى رفاهية لا يمكن تحمّلها، فارتفاع التكاليف وتدني القدرة الشرائية جعلا المستهلكين يغيرون من عاداتهم الاستهلاكية لتتجه نحو شراء الضروريات من الأغذية والأدوية ويتخلوا عن تلك العادة الرمزية.

في حين أن بعض أسعار الحلويات انخفضت بنحو 50 بالمئة مقارنة بفترة ما قبل سقوط النظام السابق، إلا أن هذا الانخفاض يبقى غير كافٍ لمواكبة ضعف القدرة الشرائية لدى معظم المواطنين السوريين، بسبب ضعف الرواتب وغياب السيولة المالية.
ومع ارتفاع أسعار الحلويات الجاهزة، التي بات متوسط سعرها يتراوح بين 50 إلى 60 ألف ليرة سوري للكيلو غرام الواحد، أصبح شراء حلويات العيد أمرًا شبه مستحيل بالنسبة للعديد من الأُسر التي تجد نفسها مجبرة على التعامل مع واقع مرير.
بديل أقل تكلفة
الأزمة الاقتصادية جعلت العديد من الأُسر السورية تلجأ إلى إعداد الحلويات التقليدية المنزلية كبديل أقل تكلفة من جهة، ومن جهة أخرى للحفاظ على تقليدهم المتوارث.
وتسارع ربات البيوت خلال هذه الفترة إلى شراء مستلزمات صناعة الحلويات، ووصل سعر كيلو الجوز الممتاز من 120 ألف ليرة سورية إلى حوالي 70 ألف ليرة، بينما يباع كيلو الطحين بـ 6 آلاف ليرة، والسكر بـ 8 آلاف بعد أن وصل لـ 15 ألف ليرة.

كما تراوح سعر كيلو السمنة النباتية بين 25 و30 ألف ليرة، في حين بلغ سعر ليتر الزيت النباتي 18 ألف ليرة.
وهناك أنواع عدة من الحلويات تتصدر واجهة اهتمامات ربات البيوت، في إطار الاستعداد لقدوم العيد، حيث تشتهر كل منطقة بحلوياتها الخاصة بها، التي لا يكتمل العيد إلا بتقديمها للزوار المُعايدين.
تقليد غيبته الظروف
ورثت نساء حلب عن أمهاتهن وجداتهن صناعة المعمول أو الكرابيج كما يعرفه الحلبيون، الذي يُحشى بالفستق أو الجوز أو العجوة، ويقدم مع الناطف، بعد تزيينه بمسحوق السكر والقرفة.
بينما تشتهر إدلب المجاورة، بحلوى كعك العيد، والغريبة، والمعمول، وفي حماة، يتم تجهيز كميات كبيرة من الأقراص المزينة بالسمسم.
أما في حمص، التي تُعرف بالحلويات الحمصية الشهيرة، مثل البقلاوة، وحلاوة الجبن، والهريسة، حيث تجتمع النساء في الأسبوع الأخير من شهر رمضان لتحضيرها.

وفي دير الزور الواقعة شرقيّ سوريا، التي ما تزال الأقرب للعادات العربية العشائرية، تحرص الأُسر على تحضير “الكليجة” الديرية، لما لها من طعم لذيذ وفريد، وتتفنّن ربة المنزل السورية بتجهيز أصنافها المتنوعة، بينما في درعا جنوبي البلاد، تشتهر بحلوى الغريبة، والبيتي فور، والمعمول الذي هو أشهرها.
على الرغم مما تشهده الأسواق من انخفاض بالأسعار، إلا أن حال السوريين هذه السنة مع حلويات العيد يزداد مرارة، وغابت روائح الحلويات التي كانت تفوح من البيوت السورية مع اقتراب العيد، وبات معظمها غير قادر على شراء المستلزمات وتصنيعها بالمنزل أو شرائها جاهزة، وأصبحت الحلوى بعيدة عن استطاعة السوريين الذين يعيشون واقع بطعم المرارة.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

