الجوع يتسع والمساعدات تتقلص.. ماذا يحدث للأمن الغذائي في سوريا؟

أزمة الأمن الغذائي في سوريا
أزمة الأمن الغذائي في سوريا

تتفاقم أزمة الأمن الغذائي في سوريا مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والتمويل المتاح للاستجابة لها، بعدما اضطر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى خفض المساعدات الغذائية الطارئة وتعليق برنامج دعم الخبز، في وقت لا تزال فيه ملايين الأسر تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.

وتكشف أحدث بيانات البرنامج عن حجم التحدي؛ إذ يعاني نحو 7.2 ملايين شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد في سوريا، بينهم نحو 700 ألف يواجهون مستويات شديدة منه، فيما يُتوقع أن يدفع ارتفاع تكاليف المعيشة نحو 250 ألف شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، ذلك في وقت يواجه فيه البرنامج نقصاً حاداً في الموارد، يحد من قدرته على مواصلة تدخلاته الإنسانية بالوتيرة المطلوبة.

المساعدات تتراجع إلى النصف

بحسب تقرير البرنامج الخاص بسوريا لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2026، خُفّض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، مع توجيه الدعم إلى الفئات الأشد احتياجاً.

وخلال أيلول/ سبتمبر، قدم البرنامج المساعدة إلى 620,945 شخصاً، ووزع 3,550 طناً من المواد الغذائية، إلى جانب تحويل مساعدات نقدية بقيمة 5.85 ملايين دولار، في مؤشر إلى استمرار العمليات رغم القيود التمويلية.

خُفّض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً- إنترنت

ولا تعكس هذه التخفيضات تراجعاً في الاحتياجات، بل تكشف عن صعوبة تمويل الاستجابة الإنسانية في ظل اتساع الأعباء وتعدد الأولويات، فالأسر التي تعاني أصلاً ضعف الدخل وارتفاع الأسعار تجد نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة، تشمل تقليص حصص الطعام، أو الاستعاضة عن الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة ببدائل أقل كلفة، أو تخطي بعض الوجبات، وهي ممارسات حذّر البرنامج من تداعياتها، خصوصاً على الأطفال والفئات الأكثر عرضة لسوء التغذية.

ويبرز تعليق برنامج دعم الخبز بوصفه أحد أكثر التداعيات المباشرة لنقص التمويل، نظراً إلى اعتماده على توفير طحين القمح المدعّم لأكثر من 300 مخبز، بما أتاح وصول الخبز بأسعار مدعومة إلى نحو أربعة ملايين شخص يومياً في المناطق الأكثر احتياجاً.

من 14 محافظة إلى سبع فقط

أعلن البرنامج تعليق المبادرة في أيار/ مايو 2026، بعدما باتت الموارد المتاحة غير كافية لاستمرارها، ما حرم ملايين الأشخاص من إحدى شبكات الأمان الغذائي الأساسية.

امتدت آثار التقليص إلى النطاق الجغرافي للعمليات، إذ انخفضت تغطية البرنامج من المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع فقط، وكان البرنامج قد قدم خلال عام 2025 مساعدات إلى نحو 5.8 ملايين شخص عبر تدخلات شملت المساعدات الغذائية الطارئة، ودعم الخبز، والتغذية، وسبل العيش والحماية الاجتماعية.

 ويعني انحسار التغطية أن تحديد الأولويات بات أكثر إلحاحاً، في ظل تفاوت الاحتياجات بين المناطق وتزايد الضغوط على المجتمعات التي تستقبل عائلات عائدة إلى مناطقها الأصلية.

نقص التمويل لا تراجع الاحتياجات

قالت ماريان وارد، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا، في بيان صدر في 13 أيار/ مايو، إن تقليص المساعدات يعود حصراً إلى نقص التمويل، وليس إلى تراجع الاحتياجات، محذرة من أن سحب شبكة الأمان في وقت لا يزال فيه التعافي هشاً قد تكون له تداعيات على الأمن الغذائي والتماسك الاجتماعي والاستقرار.

ولا تنفصل أزمة التمويل عن الظروف الاقتصادية والمعيشية الأوسع؛ فارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل وتضرر سبل العيش تحدّ من قدرة الأسر على شراء الغذاء حتى عندما يكون متاحاً في الأسواق.

انخفضت تغطية البرنامج من المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع فقط- إنترنت

كما أن عودة السكان إلى مناطق تضررت بنيتها التحتية، ولا تزال الخدمات وفرص الدخل فيها محدودة، تزيد الضغط على الموارد المحلية وتوسع الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 18 بالمئة فقط من سكان سوريا كانوا يتمتعون بالأمن الغذائي، ما يعكس هشاشة قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية.

202.1 مليون دولار لاستعادة المساعدات

لمواجهة هذه الفجوة، قدّر البرنامج احتياجاته التمويلية بنحو 202.1 مليون دولار خلال الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2026 إلى آذار/ مارس 2027، بهدف استعادة المساعدات الغذائية الطارئة إلى مستوياتها السابقة، والوصول مجدداً إلى 1.3 مليون شخص، إلى جانب مواصلة برامج التغذية وسبل العيش والحماية الاجتماعية.

لكن تأمين التمويل لا يمثل سوى جانب من الاستجابة المطلوبة؛ إذ تظل معالجة أسباب انعدام الأمن الغذائي مرتبطة أيضاً بدعم الإنتاج المحلي، وتحسين فرص العمل، واستعادة سبل العيش، وتعزيز قدرة الأسر على الاعتماد على مصادر دخل مستدامة.

وحتى يتحقق ذلك، يبقى استمرار المساعدات الإنسانية ضرورياً لتفادي اتساع دائرة الجوع، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة بينما لا تزال الاحتياجات مرتفعة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم